عِنْد تَطوّر التّبايُن الثّقافي التَّنافُسي بين جِهات مَرْجِعيّة وأُخْرى تابِعة أَو مُسْتقلة فِي بِلاد الغَرب إلى أَزْمَةِ بَيانات مشْتَعِلة الألفاظ.. وَعِنْد بُلوغِ الخِلاف التَّنافُسي دَرجةَ التَّنابُز الظّاهِر بِالألْقاب على صَدْر مُنْتَديات التّواصُل الاجْتماعي؛ عِنْد ذلك تُقْرعُ أجْراس الخَطَر مُشْعِرة الأَوْلِياءَ باسْتِفحال الخَلَلِ فِي المَفاهِيم والمَعانِي ذاتِ العِلاقة!

خَللٌ مُروّع ما زال يُباعِد بين جِيْلين: جِيلُ الآباء التّقْلِيدي الوافد علىٰ بِلاد الغَرب، وجِيلُ الأَبْناء النّاشئ فِي هذه البِلاد علىٰ مَعايير مُتَحرِّرة ثَقافِيا.

جِيلُ الآباء المُهاجِر الّذي اضْطَرّ إلىٰ مُغادَرة وَطَنه مُثْقَلاً بِخُبرات مُؤْلِمة نَاجِمَة عَنِ مُشْكلات التَّنافسِ المَرْجِعي والتَّنازُعِ الحِزْبي الحادَّيْن، فَضْلا عنْ ضَغْط المُجَتمع المأزُوم، وَفَساد أَنْظِمة الاسْتِبداد.. إنّه جيلٌ يُبْدو مَلكُوما بِجَمْعِ كَفٍّ ثَقِيلة، ولا يَقْوى علىٰ إِخْفاء يَأْسِه واسْتِسْلامِه لِهذهِ الخُبُرات ولِتَبعاتِها، بالرُّغم مِن اخْتِلاف البِيْئة الثَّقافية والإجْتِماعية لِبِلاد المَهْجر التي آوَتْه وَبَعَثت فِيه السَّكِينَةَ والاطمئنان النَّفسي.

نَشَأ الجِيلُ الجَديد فِي بلِاد الغَرْب وتَرَعْرع علىٰ قِيَمٍ بَديِلةٍ حَيثُ النِّظام السّياسي والاقْتِصادي والاجْتِماعي الحُرّ والمَناهِج التَّربَوية المُتَقدمة عِلمِيّا.. قِيَمٌ تَعْمَلُ علىٰ صَوْغ الأَذْهان وفق قَواعِد وأُسُس وَطَنٍ بَدِيل يَتَدرّج عِلميّا ويَتطوّر حَضاريّا. وَكلَّما بَذَل الجِيلُ النّاشئ مِنْ نَفْسِه ما يُعِينَهُ علىٰ التَّجَرُّد مِنْ مُخلَّفات "أَزْمَةِ" جِيْلِ آبائِه، أَوْ عَمِل علىٰ تَرْسِيخ المَودّة الإجْتِماعية علىٰ أُسُس حَضارية مُتقدِّمة مُسْتوحاة مِنْ مَوطِنِه الجَديد؛ تَدَخَّلَ جِيْلُ الآباء لِصالحِ أَزَماتِه العَتِيدة وتَطَرَّف فِي نَبْشِ ماضِيها والخِلافات التَّنافُسيّة المَرْجِعيّة والحِزبيّة، وَبالغَ فِي تَصْنِيْف الإتِّجاهات الدِّينيّة والثَّقافية تَصْنِيفاً تَعَسُّفيّاً، وَأَوَّلَ المَوقِف إلىٰ مُغالَبةٍ واجِبَة الحَسْم بَين قُوى مُتبايِنة المَقاصِد أوْ مُتَنافِرة الأَقْطاب.

لا أَحَد يُدْرِك خُطورَة الإنْفِصام بَينَ جِيْلَين يَعِيشان فِي بِيْئةٍ مُسْتقِرةٍ علىٰ غَير نَمَط بِيئَتِهما الأولىٰ، أَو يَسْعى جاهِداً إلى مَنْعِ هذا التّباعُد بَيْنهما، أَو الحَدّ مِنْ تَفاقُم آثارِه السَلبِيّة.

وَحيثُ يُفْترَض التَّكامل بين الجِيْلين مِنْ خِلال تَوفِير مُقدّمات التّكامل؛ لَمْ تَتوقّف الإتّجاهات المَرْجِعية والحِزبيّة عنْ تَصعِيد أَزْماتِها وَتَصدِير تَبِعات الخِلاف الحادّ إلىٰ بِلاد الغَرْب. فَكلُّ َأَزْمة مِنها مَحدُودة الأَثَر في مَوطِنها مِنْ شأنِها تَفْريْخ أَزْمَات أُخْرى أَكثرَ مِنها سَعة وَالتِباسا وتَعْقِيدا فِي بِلاد الغَرْب، حتّى ضاقَتْ هذه البِلادُ بِما رَحُبت، وكَثُر فيها ضَجِيجُ "كانتونات" المَأزُومين، وَتَدنَّى التّقاربُ بَين أَفراد جِيلِ الأَبْناء المَغُلوب علىٰ أَمْرِهم.

ليْست الحالُ هذه مَحْكومةً بِسِتر أَو أَيّ عامِلٍ مُرجِّح لِلمَصْلحة العُليا.. ‏تَرى جِيلَ الأزَمات الوافد غَيْر مُكْترث ولا مُبالي، وما انْفكَّ يَزُجّ بِجِيل الأَبْناء في جَولات صِراع يَظُنّها حَاسِمةً لِمُشْكِلات الماضِي العَسِر، وَيَجْعل مِنه وَقوداً لِنِيرانٍ مُوقَدة فِي صَدْرِه.

مِسْكينٌ جِيلُ الأَبْناء المُتَورط إِذْ يَنْشأ مُضْطّربا بين قِيَم ثَقافيّة واجتماعيّة مَحَلّيّة تَدعُوه إلىٰ التَّحْضُّر والسُّمو علىٰ مُشْكِلات التَّخلُّف بمَزيدٍ مِن الوَعي والتَّآلف والتَّقارب مَع الآخَرين، وَقيمٍ أخْرى وافِدَة بِجِيل آبائةِ تَحُثّه علىٰ نَبْذ الآخَرين والإِفْراط فِي اعْتِزالهم.

‏الأزماتُ الّتي يَرِثها جِيلُ الآباء لأَبْنائِه أَسِيرة قِيَمٍ وخَلفِيّات ثَقافِيّة لا تَنْسَجِم مَع القِيَم والخَلفِيّات الثَّقافية الِّتِي يَسْتجْمِعها جِيلُ الأَبْناء مِن خِلال تَفاعُله مع مُؤسسات الغَرْب العِلْميّة والتَّربوية، فَيَنْتُج عنْ ذلك نُفُورٌ مِنْ أُصُول جِيلِ الآباء المُشرِّعة لِواجِبِ الانقياد والطّاعة!

وَقَعَ جِيلُ الأَبْناء ضَحيَّة "أَزَمات" حُمِّل بِها قَسْرا، إلا القَلِيل مِنْه الّذي تَمرَّد علٰى هذه الظّاهِرة المُؤسِفة فازْدادت بَصِيرتُه حِدّة، فَسَعى مُسْتقلا إلىٰ التَّجرد مِنَ هَمِّ "أَزْمَة" جِيلِ الآباء، وَبادَر إلىٰ مَدِ جِسور التّآلف، وَصَدَّق مَوقِفَه بِالعَمل علىٰ تَأسِيس تَجُمُّعات شَعائِرية مُسْتقلة علىٰ قاعِدة "لا تَقْصُروا أولادَكم علىٰ أَخْلاقِكم فإِنّهم خُلِقوا لِزمان غَير زَمانِكم".

ما زالَ ‏جِيلُ الأَبْناء مُثْقَلاً بِأصْفاد جِيلِ الآباء ومُقَيّداً بِأَزَماتِه. إنَّه مُحمَّلٌ بِمَسؤوليات تَتجاوَز حُدودَ طاقَتِه الذِّهنيّة وهو الحُرُّ ذو العَقِيدة الأَصِيلة، المُسْتظِلّ بِقوانِين عادِلةٍ نِسْبيا لِمُجتمع مَجُبول علىٰ قِيَم دِين آخَر غَير دِينه. فَلِماذا يُكْرِه جِيلُ الآباء جِيلَ أَبنْائِه الواعِد علىٰ تَبَنّي ما يُعَكِّر صَفو حَياتِه فيُعطل بِذلك آمالَه ويُبدّد أَحْلامَه.

‏إنَّ تَعصُب جِيلِ الآباء لأَزماتِه وانْحِيازَه لتَبعاتِها يَكاد يُعَطِّل أَوْ يَهدم فِي كلِّ عام مُؤسّسة،ً أو يُخرب مَجْلِساً شَعائِرياً، أَوْ يُبَدّد تَجَمُعاً ثَقافِياً واسِعاً أوْ مَحدُوداً، ما فَتِئ جِيل الأَبْناء يَسْعى فِي قِيامها أوْ تَنْمِيتِها أو صِيانتِها.

تَكتُّلات واتِّجاهات سَلبيّة و"كانتونات" مُتَنافِرة تَتَبعُها أَزْمَةُ تَصْرِيحات أَوْ بَيانات، وَفَضائِح بِافْتِراء، وَوِشايات بِكِذب وَدَجل ، ثُمَّ بُيوتٌ كانَت مُسْتَقرّة لِجيلِ الأَبْناء تَتحوّل فُجْأة إلىٰ شَبَكةِ عَنْكَبوت إذْ يَتَنافَر فِيها الزَّوْجان وَيَتباعد فِيها الأَبْناء عن الأَبْناء !

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1