من له مصلحة في جعل المواطن العراقي يائسا لدرجة أن يرفض في المساهمة في تغيير الواقع؟، لابد من إيجاد الأسباب التي تقف وراء ذلك، فاليأس قد يُصبح أحيانا ثقافة، تتسلل إلى التفكير والسلوك، وحينئذ تُصبح ظاهرة يُراد منها خلخلة البنية الاجتماعية، وإضعاف أو تشويه البنية الفكرية، وعند ذاك، أي إذا تم التلاعب والتحكم بتفكير الفرد وعلاقاته الاجتماعية، فسوف يسهل التعامل معه وضمّه إلى أدوات التخريب المتراكم، فكلما ازداد عدد اليائسين القانطين المستقرين على نمط ثابت من التفكير اليائس والعلاقات الاجتماعية المخترَقة، سوف تكون البنيتين الفكرية والاجتماعية تحت سطوة ذوي المآرب المعادية، وقد تصدرت الأفكار ما مرّت به الأمم من صراعات ضد بعضها البعض، وحتى المجتمعات، تصدّرت حلبة هذا النوع من الصراع، وتأتي بعد ذلك حلقة تدمير الأواصر الاجتماعية، فيُصبح المجتمع مشوّه في تفكيره، ومخلخل في تماسه الاجتماعي، فيكون التحكم به أكثر بكثير من المجتمعات والأمم المستقرة فكريا واجتماعيا، فالأولى هي ما يسهل التعامل معها والإطاحة بها، لأن المجتمع إذا خلا من التفكير ذي الخصوصية الجذرية، واختلت البنية الاجتماعية المكوَّنة عن دراية وتمرّس، فإن زرع ثقافة اليأس فيها يكون عاملا للتعجيل بمحوها وفنائها، وفي أفضل الحالات إضعافها بدرجة خطيرة، وفي كل الأحوال يكون الرابح الطرف المعادي أما الخاسر فهو الإنسان والمجتمع المقصود بمثل هذه الهجمات المنظّمة.

ويمكن أن يكون العراق درسا أو مثالا لفهم درجة الخطورة التي تكمن وراء زرع اليأس في النفوس وتغلغلها في البنية الفكرية والاجتماعية، ومن ثم نشرها في أوسع نطاق مجتمعي يمكن الوصول إليه، ومما يساعد على انتشار هذا النوع من الفكر التخريبي أن الخلق التكويني للإنسان قد يتفاعل معها بصورة أسرع من سواها، أي أن طبيعة الإنسان قد تستقبل التيئيس بصورة أسرع من استقبالها للنقيض، وهكذا تتكون قاعدة مجتمعية عريضة كلها تعتنق اليأس في النظر إلى الواقع وتشكيلاته المختلفة، وتمنع المعالجة السليمة لدحض هذه الثقافة التي تشل العقل وتوقف أنشطة إنسان وتجعل منه مراوحا في محلّه أو إصابته بحالة ارتداد تشل قدراته كلها، وما يحصل اليوم من حالة تيئيس تصيب العراقيين حيال الانتخابات مثالا، واليأس من ساستهم، والاستسلام لما يفرزه الواقع من عوامل تجهض كل التوجهات نحو التصحيح، يمكن أن نتخذ منه دليلا على خطورة التيئيس كثقافة يتم نشرها بمنهجية بين مكونات وشرائح المجتمع العراقي، وفي نظرة متفحصة مدعومة باستبيانات واستطلاعات دقيقة، يمكن التوصّل إلى نتيجة مفادها أن العراقيين أو نسبة كبيرة منهم مصابون باليأس من التغيير، وعدم القدرة على محاسبة الفاسدين، والاستسلام للموجود في الواقع، والانصياع لحالة الخنوع والقبول بأقل ما يمكن الحصول عليه، حتى لو كان من قبيل ما يسد الرمق عبر السلة الغذائية البائسة في مفردات البطاقة التموينية.

فالخمول الذي يحتوي الملايين من الشباب وغيرهم من الفئات العمرية الأخرى، وبين الجنسين لم يأت عبثا أو اعتباطا، ولا هو حدث طارئ أحدثته الظروف بصوته تلقائية، إنها ظاهرة مصنّعة بإتقان، تم التخطيط لها بخبر ودراية من قبل أعداء العراقيين، أولئك الذين لا يريدون لهم الخير والتقدم، وعلى العارفين من قادة مدنيين أن يفهموا هذا الأمر بطريقة جادة مبنية على ركائز التمحيص العلمي، ومن ثم الانطلاق في حملات تصحيح لإطفاء الخمول واليأس الذي يفتك بالمجتمع العراقي اليوم، ومما يساعد على نشر هذه الظاهرة، كثير من وسائل الإعلام وخصوصا القنوات الفضائية، بالطبع هناك من يسعى ويدخل في موجة التخريب من دون أن يقصد أو يعرف ذلك، وإنما هو نوع من الانسياق مع الجوقة الإعلامية التي تنتمي لثقافة القطيع، فثمة الكثير من وسائل الإعلام لا يهمها النتائج مما تفعل وتنشط فيه من ميادين ومجالات، ومعظمها لا تعرف النتائج، لكن هناك الوسائل الإعلامية الموجّهة مسبقا عبر صفقات مادية معروفة، وهذه من أخطر وسائل الإعلام التي تشترك مع سبق الإصرار في نشر ثقافة التيئيس بين أكبر طبقة ممكنة من العراقيين ونعني بهم الطبقة الأوسع من بسطاء وفقراء العراقيين بسبب قلة الوعي وضعف التعليم وتدنّي المستوى الثقافي، فثمة من العراقيين اليوم يُستدرَج إلى حلبة التعجيز والتكاسل من دون أن يعلم بذلك، ويمكن ملاحظة نبرة اليأس المنتشرة بين العراقيين أكثر من أي وقت مضى، فالجميع تقريبا يردد أن لا فائدة من التغيير، ولا يمكن الإصلاح، والانتخابات معروفة مسبقا أي قبل ظهور نتائجها، وغيرها من هذه الخيارات غير الصحيحة، كونها تحمل في جعبتها ظاهرة اليأس الجمعي التي تشل قدرات المجتمع بأكمله، وهذا هو المطلوب، وهناك من يسعى لهذه النتائج كونها تخدم مآربه وتحقق ما يخطط له، ومنهم من ينتمي إلى القادة السياسيين، فقد أثبتت النسبة المتدنية من المشاركين في الانتخابات التي جرت أمس السبت، أن هنالك حالة يأس يعيشها العراقيون وينبغي التخلص منها بأسرع وقت ممكن.

فالطاقة التفاؤلية، والاندفاع بقوة إلى أمام، وشعور المواطن بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه، بخصوص حماية البنية الفكرية من تسلل اليأس إليها، وصيانة البنية الاجتماعية من الخلخلة المقصودة، سوف تحرم من يقف وراء بث اليأس من النتائج المرتقبة التي يسعون لتحقيقها، لهذا على العراقيين أن يتنبّهوا لهذه المآرب الخطيرة، على الأخص المتصدرين للمجتمع بوعيهم وعقولهم المتميزة، أو ما يمكن أن نسميهم بقادة المجتمع، من مثقفين ورجال دين مخلصين وعلماء ومتنورين، فهؤلاء جميعا مطالبون بالمبادرة الفورية لمقارعة حملات نشر اليأس المدرسة والمعدّة مسبقا، عبر آليات وخطوات تنظيمية فاعلة، تحد من ظاهرة اليأس بين العراقيين، وتحرم أصحاب هذه الخطط الجهنمية من قطف النتائج المأمولة من نشر اليأس بين الناس، وما حملات مقاطعة الانتخابات النيابية، إلا حصيلة أوضح ما يكون لحملات التيئيس، وإلا كيف يمكن لمجتمع أن يرضخ لليأس ويستسلم لعد تغيير الفاسدين بهذه الصورة المخيفة، فبدلا من النهوض الجمعي والتوجه بصورة فاعلة وواعية لصناديق الاقتراع وحرمان الفاسدين من أصوات الناخبين، نجد هناك من يفضل المقاطعة والانسحاب وعدم المشاركة، معلنا أن هذا الموقف هو الأفضل، وهو يعرف أو لا يعرف بأن هذا الموقف هو ما ينتظره أرباب حملات التعجيز لأنه يخدم أفكارهم ويحقق مآربهم، في حين يتم حرمان المجتمع العراقي من العيش في إطار الحقوق الكاملة والحريات والرفاهية التي ينعم بها الآخرون.

اضف تعليق