تؤدي المرجعيات الدينية دورا كبيرا في حفظ استقرار المجتمع عبر تحقيق الانسجام والتعايش، من خلال ترشيد العملية السياسية وتصحيح المسارات، وتقديمها النصح للقادة السياسيين والاجتماعيين للوصول الى اتخاذ القرارات الصحيحة، على المستوى الداخلي والسياسات الخارجية وخصوصا الأمور التي تمس حياة الأمة.

يبقى على الحكومات أن تعي هذا الدور الكبير للمرجعية الرشيدة، باعتبارها صمام أمان للسلم الأهلي، ولهذا السبب ينبغي أن تُصان حرمة المرجعيات، وأن تُحمى من قبل الحكومات، ويتم دعمها بكل الأمور والجوانب المعنوية والأمنية من اجل تدعيم مقومات التماسك المجتمعي.

فالمرجعيات الدينية لا تشكل خطرا على الحكومات، إلا اذا أصيبت هذه الحكومات بالنزعة القمعية، والاستبداد، وتكميم الأفواه، ومحاربة الرأي المعارض، وكل التجارب تقول، لا خير في قيادة لا تقبل النصح ولا تعترف بالرأي المختلف مع رأيها، فمثل هذه الحكومات لا يتركّز همها إلا على حماية الكرسي والعرش والمناصب والامتيازات، أما مصلحة الأمة أو الشعب فهذه لا تدخل في حسابات الحكومات المستبدة.

اما الحكومات الاستشارية الرشيدة عليها فأنها تنظر الى المرجعية الدينية بمثابة المعاون وليس المعادي لها، فهل الصحيح أن يطبّل الجميع للحكومات حتى في حالة انتهاجها لسياسات خاطئة، وبعضها خطيرة؟؟

 كلا الصحيح هو أن تفهم الحكومات بأن المرجعية الرشيدة لا يمكنها أن تلعب دور الداعم للحكومات التي تسير في منهج خاطئ، ولن تأخذ الموقف الصامت حيال ما يحدث من أخطاء حكومية.

بإمكان المرجعية الرشيدة أن تصمت، أو تؤيد الحكومة، ولكن تأييد الحكومات الخاطئة في سياساتها فيه خطأ مزدوج جسيم، الأول أن المرجعية في حالة الصمت سوف تترك الحكومة تتخبط في قراراتها وسياساتها المنحرفة، وهذا يؤذي الحكومة ويلحق بها أفدح الأضرار، أما الخطأ الثاني، فإن مساندة وتأييد الحكومة أو الصمت على سياساتها المضرّة سوف يؤذي الأمة أيّما إيذاء ويسبب له معاناة كبيرة نتيجة الأخطاء الحكومية، لذلك لا يمكن اتخاذ موقف الصمت أو التأييد للحكومة من قبل المرجعية الرشيدة.

وإذا كانت الحكومة واعية متوازنة، فإنها ستفهم دور المرجعيات الدينية على حقيقته، فالأخيرة لا تنطلق من موقف العداء للحكومات، كما أنها لا تبحث عن المناصب والمنافع المادية الزائلة، بقدر ما تريد أن تتخذ موقفا متوازنا من الحكومة والشعب، يفتح الآفاق الصحيحة أو الإجراءات الحكومية بمختلف أنواعها وأشكالها، وفي نفس الوقت تُصان حقوق الأمة من الانتهاك الحكومي، وفي هذه الحالة يمثل التوازن من المرجعيات صمام الأمان للحكومة نفسها وللشعب أيضا.

فماذا تتوقع الحكومات التي تواصل الضغط على شعوبها، وكيف تفكر وما نوع النتائج التي ستفرزها القرارات والسياسات التي تتسبب فيها تلك الضغوط الهائلة على الأمة؟

 بالطبع مهما كانت حدود الصبر الشعبي فإنه سوف ينفذ في آخر المطاف وسوف يحدث الانفجار الشعبي الكبير، وستكون العواقب وخيمة على الحكومة أولا، أما الشعب فإنه لا يخسر شيئا، انطلاقا من مبدأ إن الخاسر لا يخسر أي شيء، وطالما أن الحكومة تقمع الشعب وتصادر الرأي وتقوض الحريات، فماذا سيخسر الشعب إذا ثار وانتفض ضد مثل هذه السياسات الحكومية الغبية؟

وإذا كانت الحكومات تتحلى بمقدار جيد من الذكاء والحكمة، عليها أن تنظر إلى هذا الدور الأساس للمرجعية في حفظ السلم الأهلي من جهة، وتصويب وتقويم الإجراءات الحكومية حيال الشعب، وينبغي أن يُنظَر الى دور المرجعية الرشيدة على أنه صمّام الأمان الذي يحفظ الدولة والحكومة والشعب في نفس الوقت، وعلى العكس من ذلك، أي إذا توهّمت الحكومة، ونظرت وتعاملت مع المرجعية الرشيدة على أنها مصدر تهديد لها فهذا يعني أنها تقصي صمام الأمان وتعطله عن عمله في حفظ التوازن بين الحكومة والأمة.

هل يوجد مثال حالي ينطبق عليه هذا الكلام؟

 بالطبع نحن نؤكد بأن ما يحدث في بعض الدول الإسلامية ومنها إيران يقع تحت هذه النظرة، فالحكومة فيها لا تنظر إلى دور المرجعيات بهذا المنظار، أي أنها تهمل دور المرجعيات كصمام أمان يحمي الجميع من السيل الجارف للانتفاض الشعبي، وبهذا تصرّ الحكومة على قمع المرجعيات ومنعها من القيام بدورها التصويبي المتوازن بين الشعب والحكومات.

ومن الأساليب المعروفة للحكومات الرافضة للرأي المعارض والصوت الآخر، بأنها تلجأ إلى اختلاق الصراع مع جهات خارجية، وتثير أزمات كبيرة تضغط على الشعب، فتمتص كل انشغالاته بمعاناته ويتم التركيز على الأزمة المختلَقة فقط، هذه هي سياسة صناعة الأزمات في الأنظمة الفردية، لا شك أن نتائجها لن تكون في صالح الحكومة نفسها ولا في صالح الشعب في أي حال من الأحوال.

فلا يمكن لحكومة أن تضمن بقائها في ظل إصرارها على المنهج الخاطئ، في حال تنظر للمرجعيات بمنظار العدو لها، وإذا كانت الحكومة تمتلك الحصافة والرؤية الثاقبة لدور المرجعية، فإنها ينبغي أن تكون مصدر دعم وليس تقويض أو محاربة، أو اعتقال، والحكومات الرشيدة تقول (رحم الله من أهدى لنا عيوبنا)، ولا تذهب بعيدا في سياسة القمع، لأن النتيجة في جميع الأحوال لن تكون في صالح الحكومة المستبدة ولا في صالح القائد الأوحد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1