اواخر العام 1980 وقبل انتهاء حملة الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر، بايام، للفوز بولاية ثانية، جرى الحديث عن صفقة للافراج عن الدبلوماسيين الاميركان المحتجزين في ايران، والمعروفة باسم "ازمة الرهائن الاميركان"، فما كان من منافسه رونالد ريغان، الاّ ان يعبر عن غضبه ورفضه لهذه الصفقة، اذ قال: اين كان الرئيس من الافراج عنهم سابقا؟ من دون ادنى شك، ان الرهائن الذين كانوا يريدون الذهاب الى اهلهم بأية وسيلة، لا تعنيهم كثيرا حملة السيدين كارتر وريغان، او أي منهما سيفوز او يخسر، وان هذا لم يكن في بالهم او ما يشغلهم، لكن من المؤكد ايضا ان خلاص هؤلاء الرهائن وعودتهم الى اهلهم لا تعني الكثير لأي من المرشحين اللّذين لاهم لهم في تلك الظروف سوى حشد اكبر عدد من المصوتين للفوز بالرئاسة.

هذه الواقعة التي حصلت قبل نحو 38 عاما، وتابعتها من خلال الراديو، وقتذاك، تحضر امامي باستمرار عند اقتراب موعد الانتخابات في العراق، وكيف ان الكتل المتنافسة تستخدم مآسي الناس وتوظفها لمصالحها، او للايقاع بالخصوم، وان كان ثمن هذا الفعل الحاق الضرر بالدولة والشعب، وهو ما حصل ويحصل فعلا ويعرفه الجميع. وقد كتبت عن تأخير اقرار الموازنة قبل انتخابات العام 2014 بسبب تنافس الكتل السياسية، ولكي تقطع الطريق امام الكتلة الحاكمة، آنذاك، كي لا تحقق للناس ما يدفعهم الى انتخاب مرشحيها، وهكذا تضررت مصالح الشعب والدولة معا، تحت ضغط مصالح الساسة وتنافسهم للوصول الى السلطة.

اليوم تعاد الكرة نفسها، ولكن بشكل اوسع من السابق، اذ اصبح لدينا مهجرون، وهؤلاء يترجمون في اذهان الساسة الى اصوات انتخابية. ولدينا تداعيات استفتاء الاقليم والقضايا العالقة بين بغداد واربيل. ولدينا انتصار على داعش الارهابي، أي ان هناك ثلاثة مداخل للوصول الى قلوب الناخبين، وان العمل على استثمارها يبقى حسب اجتهاد كل جهة وكيفية قراءتها لمزاج الناس، او محاولة صنعه، وهو ما يجري العمل عليه اليوم وبكثافة. فبعض ساسة الاقليم يتحدثون عن ضرورة حسم الخلاف مع بغداد قبل الانتخابات، وفي مقدمتها اعادة النظر بحصة الاقليم التي اصبحت 14 بالمائة بدلا من 17، وبعض قادة اتحاد القوى استخدموا ورقة النازحين، سواء بصدق او للابتزاز، وبعض قوى التحالف الوطني لها تطلعاتها في الحصول على اكبر قدر من الاصوات على حساب الاخرى، وان كل جهة ترى نفسها الاحق في تصدر المشهد. وهكذا اصبحت مصالح الناس رهينة مصالح القوى السياسية وتطلعاتها، بعد ان اصبحت المعادلة معكوسة، بمعنى ان الساسة بدلا من ان يكونوا في خدمة الناس، جعلوا الناس ومصالحها في خدمة مصالحهم الحزبية او الشخصية.

قد يقول قائل، هكذا هي السياسة، من دون قلب، ونقول، انها فعلا كذلك، لكن حين يتصرف السياسي لخدمة وطنه وشعبه، فيتجاوز عواطفه ليتخذ القرار الذي يخدم الناس، ومصالحهم العليا.

لا احد يعرف اليوم، متى تقر الموازنة. والسبب هو التنافس الانتخابي لا غير. ولا احد يعرف متى تحل مشكلة النازحين، لان ذلك يتطلب جهودا كبيرة ووقتا اطول يتجاوز موعد الانتخابات، لكن هذه المسالة الانسانية دخلت لعبة التنافس الانتخابي ايضا، ومن جميع الاطراف وليس طرفا واحدا. ولا احد يعرف كيف ستحل المشاكل مع الاقليم والتي تراكمت منذ اكثر من اربعة عشر عاما، وان حلها بشكل نهائي يستغرق وقتا طويلا بالتأكيد.

ترى، بعد كل الذي رايناه وعشناه، الا ينبغي لنا ان نعذر السيد ريغان حين اعتراض على صفقة الافراج عن الرهائن، كي لا تجيّر لصالح منافسه كارتر؟ اقول، لا نعذره بل نتفهم قراءته للتوقيت فقط، لانه ومنافسه يقفان على سقف دولة كبرى مستقرة، وليس فيها أية خدمة للناس معطلة او تتعطل بسبب الانتخابات او غيرها، اما ما يحصل لدينا، فالعكس تماما، أي ان خدمة الناس هي اخر ما يفكر به اغلب الساسة، حين يتعلق الامر بمصالحهم الشخصية والحزبية، وهنا يكمن الفرق الكبير.

ويبقى السؤال الاهم، هو، متى تحل مشكلة الشعب مع ساسته؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0