كثر الحديث عن تصدير داعش صورة خاطئة عن الإسلام، وهناك كثيرون يرددون هذا القول سعيا منهم لتبرئة الدين الإسلامي من تهمة الإرهاب والسبي والغنم، تلك الجرائم المنافية للخلق القويم ولحقوق الإنسان وحرية الرأي والمعتقد، والتي تتعارض بشدة مع قوله تعالى: {إنا أرسلناك رحمة للعالمين}، وقوله (صلى الله عليه وآله): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

والذي أراه وأعتقد به يقينا أن هذا الرأي قاصر جدا، فداعش وكل التنظيمات الإرهابية والسلفية الأخرى، تعمل وفق قواعد إسلامية معتبرة، وتصدر أحكامها بالذبح والحرق والسبي والمصادرة بناء على فتاوى ووقائع وأحداث سبق وأن قام بها الأوائل، ورواياتها موجودة في تاريخنا الإسلامي، ومتداولة بين الإفتائيين، وتُدَّرس في المحافل العلمية الإسلامية، حيث تضمها عدة مجلدات من الكتب المنهجية المعتمدة في الأزهر ومركز الإفتاء السعودي وغيرها.

لكن ما يجب التنبيه إليه، أن هناك أمرا مسكوتا عنه، لا يجدون الجرأة للتحدث عنه، أو يجدون في الحديث عنه طعنا بتاريخهم الموروث، وطعنا ببعض الرموز التي يقدسونها ويحترمونها ويباهون بها، وتوهينا للعقيدة التي يتعبدون بها. هذا الأمر هو حقيقة أن الكثير من المسلمين يتعبدون اليوم بإسلام هو غير الإسلام الذي نزلت به رسالة السماء، بعدما أسهمت مجموعة آليات بمصادرة إسلام السماء، ونشرت عوضا عنه إسلام السياسة، اعتمادا على بعض منظوماته التي جيء بها لتيسير فهم مبانيه، ومعرفة حدود أحكامه، فصودر مضمونها وأعيدت صياغة مبانيها وسوقت البدائل المستحدثة على أنها منهجية دينية؛ لكي تكسب السياسة دعم وقبول المسلمين من خلال الإفادة من قدسية محتوى تلك المنظومات وصبغتها الإسلامية.

هذه الآليات التي نجحت بمصادرة الإسلام وأعادت تشكيله وتسويقه على أنه (الإسلام) هي:

• السياسة العربية التي هيمنت على مقاليد الحكم بعد عصر البعثة بزمن يسير.

• منظومة الحديث النبوي الذي تعرض إلى الحصار والتضييق والدس والتشويه والإضافة والقطع والوضع والاجتزاء.

• منظومة التفسير بعدما استقت جل أخبارها من منظومة الحديث، وكتبت بناء على رغبات السياسيين وحفدة الذين سطروا روايات السيرة وأحداثها.

• منظومة الناسخ والمنسوخ التي أعادت ترتيب العقل المسلم من خلال فتح الباب للتلاعب بالآيات وإعادة تقييمها من خلال استخدام هذا الحكم، فقيل عن آيات تتعارض مع مناهجهم: إنها منسوخة، وقيل عن أخرى منسوخة: إنها غير منسوخة، ووصل بهم الأمر للإدعاء بوجود آيات منسوخة حكما ثابتة قراءة.

• منظومة حقل التاريخ الإسلامي، حيث أعيدت صياغة الأحداث وفقا لهوى الحكام ورغبتهم من خلال استخدام المتهافت في المنظومات الثلاث الأخيرة، وثبت في كتب التاريخ على أنه الحقيقة المطلقة وكل ما خالفه باطل.

وقد نجحت هذه المنظومات في إعادة صياغة المناهج الدينية وفق رؤاها، ثم ضمَّنت مفاهيمها إلى ما يعتقد المسلمون بإسلاميته، مراهنة على القدسنة التي شاعت بين المسلمين بسبب التشتت الفرقي الذي فرض نفسه بعد أن سل السيف المسلم على المسلم وبعد أن قتل المسلمون بسيوفهم من المسلمين أضعاف ما قتله كل الأعداء منهم، بدأً بحروب مانعي الزكاة والردة، مرورا بقتل ثلاثة من الخلفاء بيد رعيتهم من المسلمين لا من أعدائهم، وصولا إلى حروب الجمل وصفين والنهروان.

ومن خلال ذلك نجحت السياسة العربية الناهضة والمتمكنة في منهجة الفكر الإسلامي، ليقبل ما قبلته حتى ولو شك في صحته، ويرفض ما رفضته حتى لو وثق من يقينيته. ولما كانت السياسة لا تؤمن إلا بتحقيق مصالح الحكام الشخصية وأتباعهم من أبناء الفصيل السياسي؛ دون النظر إلى مدى مطابقة تلك المصالح مع بنود العقيدة، فإنها بعد أن وجدت نفسها محاصرة وفي عين الخطر أكثر من مرة أدركت أن أفضل طريقة لدرء الخطر هي بتحرك وعاظ السلاطين، ليستنبطوا من منظومات العقيدة التي أسهموا في إعادة صياغتها حسب هواهم ومنفعتهم؛ ما يبيح للحكام استخدام الشدة المفرطة مع المسلمين حرقا وذبحا وتغييبا؛ بحجة حماية الدين من المخاطر.

ومع مرور الوقت اختفت الأحكام والمفاهيم الإسلامية الرسالية لتحل مكانها مفاهيم السياسة والانحراف. ولما تباعد الزمان بين ذلك التاريخ والتواريخ اللاحقة ولاسيما بعد أن برز في ساحة الفتوى الشيخ ابن تيمية وتربع على قمتها، وبعد أن بات الخليفة العثماني الأعجمي أميرا للمؤمنين وسيدا للمسلمين، وبعد أن ملأ الانحراف بطون كتب السيرة والفقه والأحكام والتاريخ، أصبح التمييز بين المنهجين في غاية الصعوبة، بل شبه مستحيل، وبدت الكثير من المفاهيم الإسلامية الرسالية في غاية الغرابة؛ لا يعرفها إلا القلة، وتشكك بها الكثرة؛ لأنها تتعارض مع ما بين أيديهم من المواريث، فعاد الإسلام غريبا كما جاء غريبا، مصداقا لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ومن هذه الغربة وهذا الانحراف، استقت داعش وكل الحركات الإسلامية المتطرفة مناهج عقيدتها وأحكامها؛ وهي على يقين أنها أحكام شرعية لا يشك بصحتها، ولذا أعود وأقول: إننا يجب أن نكون شجعانا، وان نعترف بأن جميع التنظيمات الإرهابية وبعض النظم الإسلامية الموجودة اليوم، تعمل وفق قواعد الإسلام المنحرف الذي وصلنا بسبب سوء الإدارة والتعامل المصلحي وهيمنة قطاع السياسة وأبناء الفصيل السياسي التاريخيين على قطاع الفقه الإسلامي الرسالي ومصادرته وتحويل عقيدتهم السياسة إلى دين يتعبد الناس به.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0