تعلو بين حين وآخر أصوات يعلوها السخط والنقمة، تردد هذه الأفواه أقاويل وربما آراء كلها تجيء كرد فعل على ما آلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية للعراقيين، وهم في الحقيقة كانوا يأملون بأفضل مما هم فيه الآن بكثير، بيد أن مفاضلة بين الأمس واليوم، تجعلنا على يقين بأن فقدان الأمل بالوصول الى دولة عراقية مدنية قوية ليس صحيحا، أو أنه رأي مبالغ فيه، فالحلم بحسب متابعين ومراقبين لا يزال يتصدر قائمة توقعات كثير من أصحاب التخصص في الحاضر والقادم معا.

بالطبع هذا ليس تفاؤلا فارغا، أو انعكاسا لأوضاع نفسية كئيبة أو متشائمة، وإنما الوقائع ترسم لوحة من هذا القبيل، فقد كان العراقيون أجمع يأملون بمرحلة أفضل بعد رحيل الاحتلال، وخروج آخر جندي أمريكي، كما صرح بذلك مسؤولون أمريكيون وعراقيون رفيعوا المستوى، والسبب أن هذا البلد الذي عانى الاحتراب والانقسام وأعمال العنف في ظل الاحتلال، سوف يتنفس الصعداء بعد رحيله، وسوف يتنبّه قادته الوطنيون الى بناء الشخصية الوطنية العراقية التي كادت أن تتلاشى، في ظل المَسخ المتواصل لها، من لدن جهات كثيرة داخلية وخارجية، يهمها جدا قتل الروح الوطنية، لأنها السبيل الأسرع الذي يمهد لأطماعهم بالسيطرة على هذا البلد وخيراته ومكوناته الاجتماعية والسياسية كافة، إذن هناك هدف سياسي يقف وراء السياسة المنتظمة لإضعاف العراق.

وربما تُثار أسئلة كثيرة في هذا المضمار، جلّها يتعلق بما آلت إليه أوضاع العراق في الراهن، والسؤال الأكثر حضورا وترددا بين المعنيين هو ماذا حدث بعد خروج الاحتلال من العراق، وهل تحقق فعلا ما كان يأمله العراقيون من ساستهم أولا، ومن دول الجوار ثانيا؟، إن المتابع لهذا الشأن سوف يكتشف من دون عناء كبير، بأن ما حلم به العراقيون لم يتحقق حتى الآن، وأن بدايات مرحلة ما بعد خروج الاحتلال لا تبشر بخير، ويمكن رصد الدلائل الأكيدة التي تثبت هذا القول، من خلال ضياع الشخصية العراقية بين ضعف الداخل وصراعاته، وبين تصريحات الخارج وأطماعه التي لا تحتاج الى تفسير أو تأويل بسبب وضوحها السافر.

دولة عراقية ذات كيان واضح

هناك نوع من الغباء وربما يمكن وصفه بعدم ذكاء العاملين في الميدان السياسي في العراق، وثمة شيء ربما لا يشعر به البعض، وأعني بهم السياسيين الذين يتصدرون اليوم حراك السياسة العراقية وتوجيهها، وهو غياب أو ضعف ثقة المواطن العراقي بالشخصية الوطنية للعراق، بمعنى اذا كان العراقيون يشعرون أن لهم دولة وكيان سياسي يحترمه الآخرون رغما عنهم، وكان الجميع يتعامل مع هذا البلد باعتباره دولة ذات سيادة مصانة، لا أحد يجرؤ على التطاول عليها، بالتصريح أو بأي نوع آخر من التجاوز، وكان المواطن العراقي يعتز بعراقه أيما اعتزاز، وكان يشعر بالثقة والاطمئنان بأنه يعيش في بلد واضح ومعروف بهويته وساسته ومرجعياته كافة، وربما أصيبت هذه الثقة بنوع من التراجع بسبب الأداء البائس للطبقة السياسية في غضون السنوات الماضية.

هكذا يبدو العقل السياسي لا يفهم ولا يقرأ جيدا ما يدور في أذهان وأحلام الشعب، فساسة اليوم من العراقيين لا يقدرون مدى خطورة شعور المواطن بالضياع، وهو يعيش في قلب وطنه، ولا يريدون أن يفهموا بأن الأمان والاستقرار الفردي والجماعي، يبدأ من لحظة ايمان الانسان باستقلالية وطنه وحكومته وسيادته التامة، وهم بدلا من أن يتنبهوا لهذه النقطة الحيوية، ويحاولوا معالجتها من خلال تعميق الشعور الوطني بوحدة العراق واستقلاليته، يذهبون بقوة الى التناحر والصراع الذي تدفع به أجندات وأطماع خارجية وجهوية باتت معروفة لأقلّ الناس وعيا وفهما، بمعنى يتحوّل الساسة العراقيون الى أدوات لصراعات خارجية تحدث داخل البلد، وهذا السلوك الفاضح هو الذي يدفع باتجاه مسخ الشخصية العراقية وإضعاف الروح الوطنية، وترك البلد أسير التصريحات والتدخلات الخارجية من جهة، وأسير الصراعات المتهورة بين قادته السياسيين من جهة ثانية، وهذا دليل على غياب مزدوج للحنكة والحكمة القيادية، خصوصا أن الناس قد خرجت من أوضاع قاهرة وكانت تأمل بحاضر أفضل بكثير مما هي عليه الآن.

ماذا يلوح في الأفق السياسي؟

كان كثيرون يعدون الناس بأن الاحتلال هو سبب الخراب، ولكن بعد خروج الاحتلال ساءت الأمور والأوضاع أكثر، ولم يكن العراقيون يأملون بما يحدث الآن بعد رحيل الاحتلال، ولم يتوقع المواطن العراقي، أنه سيعيش شعوره المزمن، بفقدان وطنه لشخصيته المعنوية، في دوامة الصراع الداخلي والأطماع الخارجية، التي ما فتئت تتفاقم مع الضعف والانقسام الخطير للارادة الوطنية، بمعنى أن المواطن العراقي يعيش اليوم شعورا مدمّرا، يدفعه للتسليم بفقدانه للوطن المستقل ذي السيادة التامة، التي ينبغي أن لا أحد يجرؤ على المساس بها، حتى لو كان ذلك بالتصريح، كما فعلت بعض دول الجوار مؤخرا، وآخر هذه التجاوزات ما قامت به تركيا من ضربات عير مخول بها لسنجار، وهي ارض عراقية لا يجوز التطاول عليها، ما أثار ويثير قلقا على مصير الشعب كله وليس الدولة المدنية التي باتت أشبه بالحلم العصيب.

من هنا خوف يتصاعد باستمرار حول هذا الشأن تحديدا، حيث يتساءل العراقيون، هل ضاعت شخصية العراق كدولة مستقلة كاملة السيادة، تمنح الشعور بالاطمئنان والاستقرار التام لمواطنيها، أم أن السياسيين سينكرون ذلك، ويعلنون بالكلام وحده سيادة لا تزال تحت مرمى دول الجوار، فضلا عن سهام السياسيين أنفسهم التي توجَّه لبعضهم البعض، فتصيب جسد الوطن من دون أن يشعروا بذلك ولا بخطورته لأسباب معروفة يقف في المقدمة منها انشغالهم بامتيازات السلطة، ونسيانهم لما ينبغي القيام به من أدوار وواجبات حيال الشعب والدولة.

لذلك يبقى الهدف الأهم بالغ الوضوح، ذلك أن المواطن العراقي يريد أن يتخلص من شعوره بضياع شخصية الوطن، وهو شعور معروفة نتائجه للقاصي والداني، ومعروفة خطورته للجميع، يتحقق هذا بظهور الإرادة السياسية الوطنية المستقلة، التي تستطيع بهيبتها أن تحمي هيبة الدولة العراقية الجديدة، المسالمة والقوية في آن، يستطيع السياسيون الذين يتصدون اليوم لإدارة البلاد، أن يفهموا خطورة المرحلة الراهنة وحساسيتها، إن البلد على كف عفريت، ويقع في مفترق طرق، فأما أن يؤسس السياسيون لدولة لا تتبع سوى ذاتها المستقلة وشخصيتها المعنوية الراسخة، وأما تبقى هذه الشخصية تائهة في أتون الضياع والتمزق والتلاشي في دوامة التناقضات الداخلية والأطماع الخارجية، وهو أمر لا يصب في صالح بناء الدولة المدنية القادرة على تقديم الحماية اللازمة لمواطنيها فضلا عن فرص العيش الرغيد التي باتت شبه معدومة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0