شنت الولايات المتحدة غارة جوية استهدفت مطار في محافظة حمص وسط البلاد، بعد اتهامها لسوريا باستخدام الاسلحة الكيمياوية في منطقة (خان شيخون) في ادلب بتاريخ 3 نيسان 2017، ومطار (شعيرات) العسكري، وهو مطار كبير الحجم قياسا بالمطارات الاخرى، ويقع في منطقة شبهة صحراوية في وسط سوريا، وهو قاعدة جوية مهمة في الحرب ضد الارهاب، ويتواجد فيه خبراء عسكريون روس، فهو يغطي مساحات واسعة، اذ يمكن استخدامه ضد الارهابيين في شرق سوريا في تدمر، وفي شمال البلاد في ادلب وحلب، ويستخدم لشن غارات في جنوب البلاد في القنيطرة ودرعا، لهذا يعد مؤمن عسكريا بشكل كامل ضد اي استهداف من جانب الارهابيين او الطائرات العسكرية.

لهذا لجأت امريكا الى استخدام الصواريخ نوع (توماهوك) لاستهداف القاعدة، وهذه الصواريخ استخدمت اول مرة ضد العراق في حرب الخليج الثانية عام 1991، في عملية اخراج القوات العراقية من الكويت، وقد اسفرت العملية حسب المصادر الاولية الى استشهاد عشرة مدنيين، وخسائر طفيفة في المعدات العسكرية، اذ ذكرت تقارير روسية ان 23 صاروخا من اصل 59 صاروخا سقط على المطار، وبهذا فان الظاهر من الامر ان الضربة الامريكية جاءت مرتبكة، وان هناك معلومات مسبقة عنها، الامر الذي جعل السوريون يخلون القاعدة قبل الضربة العسكرية، كما ان المستشارين الروس لم يصابوا باي اذى، وهو دليل اخر على ان المعلومات سبقت الضربة العسكرية للمطار.

ان الضربة العسكرية الامريكية في سوريا لم تكن مفاجئة للسوريين او للروس، لان امريكا ومنذ الازمة السورية لم تنفك تهدد بضربة عسكرية لسوريا، بل وجهت عدة ضربات لقوات السورية في دير الزور وبالقرب من الحسكة، ادعت فيها امريكا بان هذه الضربات كانت خطأ غير متعمد، كما ان استخدام الاسلحة الكيماوية في خان شيخون لم يكن الاول، بل سبقها في 21 اب 2013، هجوم كيمياوي على الغوطة الشرقية واودى بحياة 1400 شخص، وبعد ردود الفعل الدولية الغاضبة اجبرت سوريا بتسليم نرسانتها من الاسلحة الكيمياوية الى المنظمة الدولية لإتلافها، وفي عام 2015، وقعت ثلاث هجمات بالأسلحة الكيمياوية في غرب محافظة ادلب، وفي تشرين الاول 2016، وقع هجوم اخر بالأسلحة الكيمياوية كان داعش نفذه بغاز الخردل، وهذا الهجوم في 3 نيسان 2017، يعد الرابع في سوريا، وفي اغلب الهجومات وجهت اصابع الاتهام للحكومة السورية، علما انه تم نزع سلاحها الكيمياوي بشكل كامل، وصدر تقرير اممي بهذا الشأن.

ان اسباب ورسائل استخدام امريكا ضربات عسكرية ضد سوريا، وبهذه السرعة عديدة، حتى بدون ان تنتظر امريكا تقريرا محايدا يحدد الجهة المسببة بالضربة الكيمياوية، اذ ذكرت بعض التقارير ان الطائرات السورية قصفت الموقع المستهدف، وهو على ما يبدوا يحتوي على اسلحة او مخلفات مواد كيمياوية جلبها الارهابيون من العراق او من مناطق اخرى، كما ان الهجوم استبق المناقشات حول ثلاث مشاريع قرارات مقدمة في مجلس الامن، حول الضربة الكيمياوية، الاول مقدم من بريطانيا وفرنسا وامريكا، والثاني مقدم من روسيا، اما الثالث فهو مقدم من عشرة دول في مجلس الامن وهو قرار توافقي بين القرارين، لهذا فان هناك اسباب عديدة للضربة العسكرية الامريكية في سوريا، بعضها ليس لخان شيخون ارتباطا بها، وانما جاءت الاخيرة كحجة قوية وداعم اساس للضربة الامريكية، ومن هذه الرسائل هي:

1- ان توجيه ضربة عسكرية امريكية في منطقة نفوذ دولة اخرى روسيا، هي رسالة مفادها ان شهر العسل للعلاقات الامريكية الروسية بعد تولي (ترامب) للرئاسة قد انتهى، والان بدأ وقت العمل الجدي من جانب الجمهوريين في الامور الخارجية، وان كل ما قيل ويقال عن وجود توافق امريكي روسي قد انتهى، اذ ان السبب الاساس الذي دفع (ترامب) لمغازلة روسيا كان هو موجه ضد الصين، اذ حاولت امريكا ان تكسب روسيا الى جانبها ضد الصين، وهي أي امريكا على ما يبدو لم تنجح في مسعاها، لهذا فقد كسرت حاجز التوافق وبدأت بأول عمل عسكري رغم الوجود العسكري الروسي المكثف في سوريا وخاصة في المطارات العسكرية.

2- الرسالة الاخرى موجه الى الامم المتحدة، اذ انه بعد الضربة العسكرية الامريكية لم يعد للأمم المتحدة دورا اساسيا في حل الازمة السورية، فعلى الرغم من الدور الضعيف وغير الواضح للأمم المتحدة في سوريا من اندلاع ازمتها عام 2011، الا انه كان هناك بصيص امل من ان يمكن ان تساهم المنظمة الدولية في حل الازمة في جنيف او استانا، ولكن بعد الان اصبح دورها انساني فقط، وتقديم مساعدات لاغير.

3- الرسالة الثالثة، ان الحل السياسي اصبح بعيد المنال، او على الاقل امر صعب الوصول اليه، لان كل طرف اصبح يتخندق بالقوة العسكرية، فالمعارضة السورية التي تسمي نفسها بالمعتدلة، سوف تصعد من هجماتها وشروطها بعد الان، لأنها وحسب تصريحات قادتها اصبحت في موقف المتوفق، بعد الدعم الامريكي المباشر لها، كما وان المجموعات المسلحة الارهابية هي الاخرى اصبحت محمية من قبل امريكا ودول اوربا واخرى اقليمية، لان محافظة ادلب يتواجد فيها عناصر النصرة، وهم القوة الرئيسية فيها، وهذه المنظمة وصفت انها ارهابية وغير مشمولة باي تسوية او هدنة، لهذا فان اي استهداف حكومي سوري لأي منطقة في سوريا لا يتوافق من امريكا حتى وان كان ضد داعش، فانه سيواجه بغضب امريكي عارم، لهذا فان الضربة العسكرية هي دعم للمعارضة المسلحة، وسد نوافذ الحل السلمي ان وجدت.

4- الرسالة الرابعة، ان امريكا دخلت بشكل مباشر الحرب في سوريا، اذ بعد فشل المعارضة السورية خلال ست سنوات في تحقيق اي هدف ذا اهمية لأمريكا، كما ان فشل الدول الاقليمية الراعية للمشروع الامريكي هي الاخرى، مثل السعودية التي انزلقت في حرب اليمن، وتركيا الحائرة بمشاكلها الداخلية وخلافاتها مع اوربا، كما ان دول اخرى مثل قطر والامارات، هي الاخرى لم تستطيع المطاولة في حرب اكبر من امكانيات هذه الدول، لهذا اصبح الدور الامريكي المباشر الان هو سيد الموقف، وهذا الهجوم رسالة الى الحكومة السورية وروسيا مفادها ان امريكا قادمة وبقوتها من اجل تحقيق اهدافها بنفسها.

5- الرسالة الخامسة للداخل الامريكي، اذ بعد ان كثر الحديث اخيرا عن ظهور مشاكل كثيرة للإدارة الامريكية الجديدة، وانها غير كفوءة في ادارة السياسة الخارجية الامريكية، وهناك تحقيقات عن دور روسي ساعد الرئيس (ترامب) في الوصول لسدة الرئاسة، لهذا فان الادارة الجديدة ومن اجل اثبات موقفها وانها قادرة على مواجهة النفوذ الدولي المعادي لها، لجأت الى ما يسمى الحرب التكتيكية، او حرب جس النبض في سوريا، من اجل تحقيق اهدافها.

6- الرسالة السادسة للدول الاقليمية الحليفة لأمريكا والمعادية لها، فرسالة الدول الحليفة هي ان امريكا سوف لن تتخلى عنهم تحت اي ظرف كان وهي سوف تحميهم ولو كانوا في وسط الاعداء، والرسالة الاخرى لأعداء امريكا في المنطقة، مفادها ان امريكا جاهزة وفي اي لحظة لضرب اي دولة او جهة تقف عائقا امام المصالح الامريكية، حتى وان كانت هذه الدول او المجموعات محمية من قبل دول عظمى ولها مصالح معها.

رغم اهمية هذه الضربة العسكرية وتوقيتها الذي فاجأ اغلب دول العالم، وكسر كل التوقعات حول وجود توافق امريكي – روسي في سوريا، والرسائل الامريكية التي تقف ورائها، الا ان هناك نتائج لهذه الضربة قد تكون ليس في صالح امريكا وحلفائها في المنطقة العربية، ومن هذه النتائج هي:

1- هذه الضربة قد تكون سابقة خطيرة ضد دول امست ولا زالت تستخدم العنف وتقتل الابرياء في المنطقة، اذ ان الحرب السعودية في اليمن منذ عامين خلفت مئات الالاف من القتلى والجرحى من الاطفال الشيوخ والنساء، اضافة الى استخدام اسلحة محرمة دوليا مثل قنابل النابالم والعنقودية، لهذا لا يستبعد ان تستخدم روسيا الحجة ذاتها ضد السعودية وانتهاكها حقوق الانسان في اليمن.

2- ان انفراد امريكا في قرار مهاجمة سوريا بدون تفويض دولي، سيقود الى فوضى دولية في المنطقة، كما حصل في العراق، خاصة وان المنطقة تشهد صراعا طائفيا قوميا حاد جدا، سيقود الى حدوث كوارث في المنطقة وان اي انهيار قد يحصل في سوريا سيقود الى مجازر دموية كما حدث في العراق عام 2014، لهذا فان امريكا وان حصلت على تأييد بعض الدول وخاصة الدول الخاسرة في سوريا، الا انها سوف تجابه بمعارضة دولية سواء من جانب الامم المتحدة او دول مؤثرة اخرى، خاصة وانه لم يثبت لحد الان ان النظام السوري هو من استخدم السلاح الكيمياوي.

3- الهجوم الامريكي على سوريا يسكون حجة قوية سوف تستخدم من قبل روسيا لتسليح الجيش السوري بأسلحة متطورة وخاصة في مجال الدفاع الجوي، خاصة بعد التنديد الروسي بهذه الضربة، ووصفها بالعدوان المتعمد، وهو ما يؤثر حتما على التوازنات العسكرية الهشة في المنطقة، وقد يقود الى صراعات اقليمية واسعة.

4- الهجوم الامريكي على سوريا سوف يقوض فرص التعاون الروسي الامريكي في سوريا، خاصة وان بعض التقارير الروسية ذكرت ان الهجوم الامريكي اعد له سلفا، ولا علاقة له بالهجوم الكيمياوي في خان شيخون، لان مثل هذا الهجوم وبالصواريخ يحتاج الى فترة زمنية طويلة من الاعداد والرصد، ولا يتم بليلة وضحاها، لهذا فان اعلان وزارة الدفاع الروسية من ان اجراءات سوف تتخذ لحماية القواعد العسكرية السورية سوف يعقد التعاون بين الدولتين.

5- ان الضربات الصاروخية ضربات محدودة الاثر، ولا تعيق عمل سلاح الجو السوري والروسي لوجود عدة قواعد عسكرية في سوريا، كما ان استخدام الصواريخ بعيدة المدى عمل غير مجدي عسكريا، لأسباب عديدة منها التكلفة العالية لهذه الصواريخ، وعدم الدقة في اصابة الاهداف، اذ ان من بين 59 صاروخا فان 23 فقط اصابت اهدافها، وهذا مؤشر على محدودية اثر هذه الضربة العسكرية.

6- ان دخول امريكا المباشر في الحرب على سوريا سوف يقود الى تقوية الجبهة الداخلية السورية، والجبهات المتحالفة معها، لان اي انهيار للنظام السوري سوف لن يقف في سوريا، فالعراق وايران ولبنان سوف يتأثر به، لذلك فان هذه الضربة سوف تطيل امد الحرب في سوريا بدلا من انهائها.

اخيرا، ان هذه الهجمات الامريكية ضد اهداف سورية هي ليست الاولى ولن تكون الاخيرة، كما ان اي توسيع لها مستقبلا سوف يؤدي الى حوث اضرار واصابات للقوات الروسية المنتشرة في سوريا، وهو ما يكون مكلفا لأمريكا وحلفاءها، لهذا فان اغلب التحليلات اكدت على محدودية الضربة من جهة، وان روسيا وسوريا كانا على علم بها، وهي سوف تكون مفيدة للنظام السوري اكثر من ضررها، لان اسرائيل ولأكثر من مرة استهدفت الجيش السوري، ولم تؤثر فيه هذه الاستهدافات، كذلك ان الضربة العسكرية ستكون فرزا للأوراق في سوريا، وخروج القوى الاقليمية وبقاء ورقتين فقط هما امريكا وروسيا في اللعبة السورية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1