في الأغلب الأعمّ، تكون العلاقة الجامعة بين الحكومة والشعب، شائكة ومعقدة خصوصاً في الدول ذات الحضارة ركيكة القواعد، هذه العلاقة بسبب أهميتها يضعها المختصون في ضمن أوائل المعايير التي يمكن على أساسها قياس مدى تمدّن الشعب، لدرجة أن الانسجام بين الطرفين يشكل دليلا حاسما على قوة واستقرار وتطور وفاعلية الدولة، فالمعادلة التي تتشكل في طرفيها من الحكومة والشعب، تكون ذات مردودات جيدة إذا احترمت الحكومة شعبها، ويحدث النقيض تماما، فإذا تجاوزت الحكومة على شعبها، سوف تمسخ شخصيته وتصيبه بالضعف والهزال، وتجعل منه ألعوبة بيدها وأضحوكة العالم.

لماذا تكون نتيجة الشعب الذي تتجاوز عليه حكومته هكذا؟، لماذا يفقد عناصر القوة لديه، ولماذا يتحول الى مسخ، معطّل عن الابتكار والإبداع والمشاركة في بناء الذات والإنسانية؟، الإجابة باعتقادنا واضحة ولا تحتاج الى كثير عناء، فالشعب حين يكون ضعيف الشخصية لن يكون قادرا على بناء حضارة معترَف بها، ولا يمكنه أن ينخرط مع العالم المتحضر في علاقات متوازنة، لأنه يفتقر ويفتقد للكرامة بسبب تجاوزات الحكومة على حقوقه، ومسخ شخصيته وسحق إرادته بالقمع والاستبداد والإقصاء ومصادرة الحريات.

فيًشترَط أن يتحلى الشعب بالحرية، من خلال احترام حكومته له، لكي يكون شعبا قادرا ومستعدا لبناء الحضارة اللائقة، كيف يمكنه أن يبني الحضارة؟، الجواب لأنه شعب حر، متكامل، يشعر بكرامته غير منقوصة من خلال التزام حكومته بواجباتها تجاهه، وحمايتها لحقوقه وحرياته، فالشعب مع الحرية يكون مبدعا فعّالا منتِجا ومبتكِرا على الدوام.

من الجمل والمعاني السياسية الحضارية المهمة التي وردت في أحد مؤلَّفات الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي قوله: إنَّ (باني الحضارة هو الشعب الحر/ المصدر كتاب تحطم الحكومات الإسلامية بمحاربة العلماء).

ليس غريبا أن يتم الربط بين الحرية والحضارة، فالتاريخ يحدثنا عن الشروط الموضوعية والعلمية لبزوغ الحضارات، ليؤكد ضمن الملاحظات العميقة المستقاة من تجارب بناء الحضارة، على حتمية تحلي الشعب بالحرية لكي يكون قادرا على بناء حضارة راسخة، وهذا يستند الآراء التي تذهب الى أن الحضارات المشهودة، ما كان بالإمكان بنائها لو لا توافر اشتراط حرية الشعب واحترام حكومته لحقوقه وتهيئة الظروف اللازمة لعملية البناء الحضاري، وتقع حرية الشعب في مقدمة تلك الظروف المساعدة على بناء الحضارات.

السؤال المثير هنا، كيف تمكن المسلمون في عهد الرسول الأكرم (ص) من بناء حضارة توهّجَ إشعاعها العلمي والديني والأخلاقي والتربوي والسياسي ليضيء المعمورة كلها في ذلك الوقت، مع أن الخامة البشرية التي أسهمت في صناعة الحضارة، كانت تعاني من آفة الجهل والتعصب والقبلية، لكن قيادة الرسول (ص) التي احترمت الأمة وبثت الثقة في روحها، ومنحتها الحريات اللازمة، أسهمت بتأجيج القدرات المنطفئة والكامنة في العقول والقلوب والأرواح المستعدة لبناء الحضارة الإنسانية التي نقلت البشرية من الظلام الى النور.

واليوم يعاني المسلمون من التخلف قياسا للأمم المتقدمة التي كانت تستعين بها لتكسح الظلام عنها آنذاك، والسؤال الأكثر ألما والذي يحزّ في نفوسنا، لماذا تأخر المسلمون، أين الصناعة والتخطيط والزراعة والابتكارات، كيف انطفأت فينا تلك الجذوة التي كانت مشتعلة في أرواح أجدادنا؟ غريب حقا أن يكون المسلمون في العصر الآني وراء من كانوا يسترشدون بهم.

تدفع هذه التصورات والنتائج المؤلمة بالسيد محمد الشيرازي كي يتساءل باستغراب: (كيف يكون من المعقول أن ألفي مليون إنسان من المسلمين كما في الإحصائيات الأخيرة ليس لهم من الصناعة شيء يذكر، بينما الغرب يعج بالصناعات، مع أن الحضارة والصناعة والتقدم والعلم كان للمسلمين ومنهم انتقل إلى الغرب، كما صرح بذلك علماؤهم؟؟).

إن الخلل الفادح لابد أن يكمن في رداءة العلاقة بين الحكومة والشعب، وتذبذب طرفيّ هذه المعادلة، وتدهور الحريات في بلاد المسلمين، وانتقاص الحكومات من قدرات الأمة، وإلا بماذا نفسر هذا التناقض الغريب، بين أمة تقود العالم علميا وحضاريا قبل قرون بعيدة، لتصبح اليوم عاجزة عن بناء حضارة معاصرة تجعل منها في موازاة الأمم المتقدمة، ولا نقول تقودها، مع أن المسلمين كانوا قادة العالم في الحضارة والبناء.

إن السبب كما نعتقد، لا يحتاج الى بحث متعب أو عناء كبير، إنه نتج عن الخلل في العلاقة بين الحكومات الإسلامية من جهة وشعوبها من جهة أخرى، فتعثّرت المعادلة التي تجمع بين الطرفين نتيجة لاستهتار الحكومات المذكورة بحقوق الناس، فلم تعد الشعوب قادرة على الإسهام في بناء الحضارة طالما أنها كسيرة الجناح، ففي اندثار الحرية وفي استفحال الاستبداد وانشغال الحكام بحماية عروشهم وكراسيهم ومصالحهم، لم تعد هناك فرصة سانحة لبناء حضارة تليق بالأمة التي قادت العالم فيما مضى الى مرافئ النور.

ولهذا نشأ صراع بين الحكومات الفاشلة وبين شعوبها، نتيجة لرد الفعل المتوقَّع، فالأمة التي يتم مصادرة حرياتها، ويتم التجاوز على حقوقها، لن تقف مكتوفة الأيدي حيال ما يفعله الحكام المستبدين بها، فالأمة عندما تكون عاجزة عن بناء الحضارة هذا لا يعني أنها تقف مشلولة أمام ظلم الحكومات واستهتار الحكام، إن الصراع بين طرفيّ المعادلة (الشعب الحكومة) كان وسيبقى مشتعلا طالما أن الحكومة لا تعبأ بحريات وحقوق شعبها، بالنتيجة سوف يطيح الشعب بحكومته، ولا يذكر لنا التاريخ بأبعاده المتعددة، أن هناك حكومة مستبدة واحدة تمكنت من البقاء في سدة الحكم الى الأبد، فقد تساقطت العروش الظالمة واحدا تلو الآخر، فيما بقيت الأمة حية الى الأبد.

المعنى المذكور في أعلاه نجده في قول للإمام الشيرازي الراحل، فالحكومة التي لا تحترم شعبها سوف ينسفها الشعب (وينتقص منها ولا يحترم قوانينها، فيعمل حينئذ على خلاف ما تريده الحكومة ويهرب من الضرائب ولا يعطي حتى رسوم الماء والكهرباء والمواصلات، ويخرق قوانين الدولة).

إذاً سوف يجد الشعب ألف ذريعة وذريعة، ويبحث عن ألف طريقة وطريقة، لكي يحارب حكومته المستبدة الى أن يطيح بها، نعم قد يفقد فرصة بناء حضارته، ولكن هذا يحدث بسبب الاستبداد، أما إذا كانت الحكومة من قبيل الحكومات التي تراعي الشعب، وتحترم كرامته، وتحمي حرياته، وتسعى لتطوير إبداعه وابتكاراته وتحمي الكفاءات وتضاعف من قانون تكافؤ الفرص، مثل هذه الحكومة، سوف تدفع بشعبها الى أمام وسوف يكون قادرا على التمدّن والتميّز، مع الاحتفاظ بعلاقة وطيدة مع حكومته التي احترمت حقوقه وحرياته، وأسهمت في فتح آفاق الفرص المناسبة له كي ينتمي الى الشعوب المتحضّرة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0