في خضم معارك عنيفة مع عناصر داعش، يتعرض أحد الابطال المقاتلين لإصابة بليغة في عينيه وينقل على أثرها الى الطبابة الميدانية ثم الى الخطوط الخلفية لمواصلة العلاج، بيد ان عمق الاصابة في عيني الضابط برتبة رائد في الجيش العراقي، أعيت الاطباء عن انقاذه من فقدان البصر، ليتحول هذا الجندي البطل خلال ساعات الى انسان معوّق ويضع البندقية جانباً ليمسك بدلاً عنها بما يسمى "العصا البيضاء".

عاد الى بيته وعائلته، وعندما اقترب منه ابنه ليعانقه بحرارة الشوق، انتبه الى الحالة الجديدة لعيني أبيه، فسأله ببراءة:

أبي: ماذا حلّ بعينيك...؟! أجاب بما يخفف من صدمة الطفل:

تركتهما في ساحة المعركة...!

انه تركهما حقاً في ساحة المعركة، كما فعل الشيء نفسه، عدد كبير من أقرانه من أبطال القوات المسلحة، ممن ضحوا بأطراف بدنهم من أيدي وأرجل، خلال المعارك مع عناصر داعش خلال السنوات الماضية، الى جانب من ضحوا بأرواحهم، بما يعني أن هؤلاء المصابين (المعوقين) يقفون في المنطقة الوسطى بين الشهادة وعالم الآخرة، وبين عالم الدنيا، فلا هم من الشهداء السعداء، ولا هم كسابق عهدهم بين أهلهم وذويهم وفي اماكن عملهم.

تضحيات لا تنتهي

إن صفة الديمومة للحياة لمن يضحي بروحه في سبيل الله، لهي مكرمة عظيمة من السماء، تميزهم عن سائر الاموات ومن يغادرون هذه الحياة الدنيا، وطالما جاء مدح الشهداء في القرآن الكريم، وأنهم؛ {...أحياءٌ عند ربهم يُرزقون}، و {ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون}، وفي هذه الحالة، ينقطع الشهيد (الميّت) عنّا نهائياً، بيد أن الحال يختلف مع من لا تدركه الشهادة، ولكن؛ يفقد أحد أطرافه أو حتى يصاب بجروح بليغة تعيقه عن ممارسة حياته الطبيعية، بما يمكن إطلاق تسمية "الشهيد الحيّ" على هذه الفئة من المصابين في الحرب.

واذا كان المضحي بروحه، شهيداً على أمته وواقعه عند الله –تعالى- فان المضحي ببدنه، يكون شهيداً حيّاً وحاضراً عند أمته وشعبه وعند الله –تعالى- ايضاً، على واقع يجب تغييره، فالشعوب التي تحقق اهدافها بتضحيات ابنائها، يتحول هؤلاء رموزاً للبطولة ولجميع القيم الاخلاقية والانسانية، بل ويعزى الفضل في تحقيق الازدهار والتقدم في قادم الايام، الى هذه الصفوة الذين وقفوا في خطوط النار دون النساء والاطفال وسائر افراد المجتمع، دفاعاً عما يعتقدون انه مقدس ويستحق التضحية والفداء.

وإذن؛ فإنهم لن يكونوا بحاجة الى "جندي مجهول" في نصب حجري او معدني توقد عنده الشموع وتهدى اليه باقات الزهور، إنما لدينا جنوداً معلومين أحياء يحملون معهم كل معاني الشجاعة والتضحية، كما يحملون ملامح الحرب الضارية.

إن وجود هؤلاء في مهرجانات ومناسبات تتعلق بذكرى الحرب، الى جانب الاطفال والشباب من الجيل الجديد، يرسم العلاقة الوثيقة بين هذا الجيل الجديد وما يعيشه من نعيم ورفاهية وتقدم وبين ما قدمه هؤلاء من تضحيات وبطولات، حتى يعرف هؤلاء الاطفال السبب والدافع وراء تلك التضحيات الجمّة، وما الذي عليهم فعله لرد هذا الجميل؟.

مصادر لتعزيز المعنويات

في العراق نشهد بين فترة وأخرى حراكاً علمياً وبحثياً في المراكز الاكاديمية أو مبادرات طلابية تبعث على التفاؤل، وأعمال طوعية من افراد المجتمع لدعم الحشد الشعبي، و صوراً اخرى تدلّ على الحيوية والتوثّب، كلها مستوحاة من ثقافة التحدي ومواجهة الاخطار الخارجية، كما هو دأب كل الشعوب والأمم الناجحة التي تسجل اول انتصاراتها في جبهتها الداخلية بالتماسك والتعاون، وهذه الحيوية بحاجة الى مزيد من العزم والاندفاع يوفره "الشهداء الأحياء"، فهم يمثلون الصورة الحيّة لساحة المواجهة مع التهديدات الخارجية، فكلما كان هؤلاء "أحياء" في اوساط المجتمع، كلما استفاد منهم الشعب والبلد في أمرين هامين:

الاول: في بلورة اهدافه وسعة تطلعاته، فالتطور الحقيقي لن يكون من خلال اهداف محدودة نابعة من مصالح خاصة وضيقة، كأن يكون الحصول على بعض الاموال والامتيازات والحياة المرفهة، إنما من اجل اهداف كبرى عابرة للحدود تصل الى التأثير على البلاد الاخرى، اقتصادياً وسياسياً وحتى ثقافياً.

الثاني: اكتساب المزيد من العزم والهمّة والصبر على مواجهة الصعاب في مختلف مشاريع البناء والتنمية وحتى التخطيط والبرمجة، فالذي يجلس خلف مقعد الدراسة او في الوظيفة الحكومية او في المتاجر والمزارع وغيرها ، ويرى ما قدمه المقاتل من فقدان بصره او كلتا ساقيه او يديه دفاعاً عنه وعن البلد برمته، فانه يجد نفسه مطالباً بتقديم الافضل وفاءً لكل هذه التضحيات، وأكثر من ذلك؛ يتعلّم معاني الصبر والصمود أمام المشاكل – مهما كان مصدرها ومنشأها- كون العبرة في النتائج، ولو كان هؤلاء المضحون يتوقفون عند هذه المشكلة او تلك، او ينتظرون تأمين هذه الحاجة لهم او تلك، لما تركوا أهلهم وذويهم وأجوائهم الأسرية الدافئة وحياتهم الجميلة، واندفعوا الى جبهات الحرب وتعرضوا للعَوق الجسدي.

إن ايجاد مراكز خاصة للمعوقين من الحرب على داعش في العراق، مثل المنشآت الصحية والرياضية والفنية وحتى العلمية والمهنية، وتكريم هذه الشريحة المضحية بمختلف الاشكال، يعني الابقاء على جذوة التحدي متقدة في نفوس ابناء الشعب العراقي، والتأكيد على أن التضحيات لن تنحصر فقط في جبهات الحرب، وإنما هي مستمرة في الجامعات والاسواق والدوائر الحكومية لتحقيق ما يصبو اليه الجميع من تغيير حقيقي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0