بالرغم من تباين آراء العديد من المختصين بشأن شخصية ترامب ومدى التزامه بتقاليد السياسة الخارجية الأمريكية، إلا أن هناك الكثير من الباحثين يرون أن الولايات المتحدة الأمريكية ستقبل على تغييرات هامة سيما بعد ان أصبح صوت الحاجة إلى التفكير بإعادة تماسك الولايات الأمريكية يعلو بشدة.

إن ما يمنح الولايات المتحدة الأمريكية الرغبة في تغيير سياستها تجاه القضايا العالمية هو رغبتها بمواجهة تحدي الصعود الصيني في آسيا الباسفيك والذي سيضعف من نفوذها الإستراتيجي هناك، ومن ثم فإن تغيير الصيغ الإستراتيجية في إدارة القضايا العالمية هو الأهم بالنسبة الى الولايات المتحدة الأمريكية في ادارة الرئيس ترامب.

حدود الدور.. المصالح والإلتزامات القيمية

إن واحدة من اهم الرؤى التي تتبناها بعض الجماعات داخل الولايات المتحدة أن الرئيس ترامب هو ذو شخصية قائمة على حسابات المصالح، وهذا قد يكون أقل تاثيراً على الفلسطينيين من الرؤساء المؤمنين بالقيم العقائدية كالحالة مع الرئيس بوش الإبن، أو الذين يطرحون فكرة حل الدولتين كالحالة مع باراك أوباما وماتضمنه البرنامج الإنتخابي للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلنتون. ففي خطاب النصر، وَعَد ترامب بأن "تتعامل إدارته بعدل مع الجميع كل الناس وكل الدول الأخرى".

يبدو ان الفلسطينيين بشكل عام اصبحوا على يقين أن فكرة حل الدولتين ماهي إلا فكرة مستحيلة غير قابلة للتطبيق في ضوء التوسع الإسرائيلي وعدم إقتناعهم بأي حل سياسي أو أممي، إلا أن الشعور بقوة شخصيته ونفوذه الإقتصادي قد يجعله بمعزل عن تأثير اللوبيات وجماعات الضغط.

وفي الحقيقة قد لا يكون دونالد ترامب مديناً بشكل خاص لجماعات المصالح الخاصة الآن؛ ولكن حتى الرئيس باراك أوباما، الذي صعد إلى السلطة كدخيل خارجي معارض لجماعات المصالح الخاصة، وقع تحت نفوذ جماعات الضغط بعد فترة وجيزة نسبياً من توليه مهام منصبه. ومن ثم فإن ترامب سيتأثر بشكل أو بآخر بذلك خاصةً في ضوء مواقف نائبه مايك بينس المؤيد بشكل كبير لإسرائيل.

اسرائيل الرابح الأكبر

برغم أن الرئيس دونالد ترامب غير مدين الى اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة على أثر فوزه في الإنتخابات الرئاسية الا أنه من الصعب أن يدير البيت الأبيض من دون تأثيرها أو بمعزل عنها، سيما وأن نفوذ ايباك داخل الكونغرس يتجاوز المؤسسات الرسمية وغير الرسمية المؤثرة في صنع القرار ويمتد الى الشركات الكبرى ومعظم مراكز الإقتصاد العالمي. وفي ضوء ذلك فإنه سيجد نفسه أمام تأثيرات لايمكن تجاوزها بسهولة وسيضطر إلى التعامل معها وفقاً لما تقضيه المبادئ والتقاليد في السياسة الخارجية الأمريكية.

ومع أن خبرة الرئيس ترامب ليست بالمستوى الكافي لإدارة الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن فريقه الرئاسي وخبرة نائبه سيكون لها الأثر الأكبر في إدارة القضايا العالمية سيما تجاه الشرق الأوسط، إذ أعلن بينس تأييده لإسرائيل في ما يراه حقها في "مهاجمة أهداف" بإيران لمنعها من "تطوير أسلحة نووية"، ودافع أيضاً عن استخدامها "القوة المفرطة" في حربها على قطاع غزة، كما ساند تدخل قوات حلف الأطلسي (الناتو) للإطاحة بالعقيد معمر القذافي في ليبيا.

وفي الواقع، يبدو الإسرائيليون على قدر كبير من التفاؤل بأن رئاسة ترامب من شأنها أن تقلب الموازين لصالحهم بشكل أكبر. حتى أن وزير التعليم اليميني الإسرائيلي نفتالي بينيت قال إن فوز ترامب يمنح الفرصة لإسرائيل "لسحب فكرة إنشاء دولة فلسطينية في قلب البلاد". ومن ثم فإن عدم وجوده سوف يمنح الاسرائيليون قدرة أكبر على التوسع وتحقيق مصالحهم بشكل أفضل.

إن الإدارة الأمريكية برئاسة باراك أوباما انتقدت بشكل مستمر النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، واعتبرتها عقبة في طريق السلام، ولكنها لم تضغط على إسرائيل لوقفها. في حين إن "دونالد ترامب لا يعتبر المستوطنات الإسرائيلية عائقا أمام السلام" وهذا ماصرح به جاسون غرينبلات المستشار الأعلى للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لإذاعة الجيش الإسرائيلي.

إن حدود المصالح التي تتحرك بها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هي التي تصوغ مواقفها وإستراتيجيتها، فنفوذ اسرائيل العالمي وتفوقها في التأثير على القرارات الإستراتيجية العالمية هو الذي سيدفع الرئيس ترامب إلى تعزيز مكانتها في الشرق الأوسط.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001-Ⓒ2017
http://mcsr.net

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0