جموع غفيرة بايعت الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في غدير خم، لكنّهم عندما وجدوا أنّ غالبية المجتمع قد أدارت ظهرها للإمام، حذت حذوها وتنكّرت لبيعته. كذلك الحال مع الإمام سيّد الشهداء (عليه السلام)، فالذين تخلّفوا عن نصرته عندما رأوا تخلّي الأكثرية عن بيعته، فعلت الشيء ذاته ونكثت عهده.

وهو حال أي مجتمع يستحوذ عليه الدهماء، فلا يكون هدف الفرد في هذا المجتمع (المتدين ظاهراً) المأزوم العمل بأحكام الله، بقدر ما يكون شغله الشاغل رضا الناس وسخطهم.

وفي التاريخ، بحسب تعبير مؤلف كتاب (عبقرية الإمام علي)، قد "أصر الغوغاء على اختيار الأشعري، رغم رفض الإمام له"، ثم اختار معاوية ابن العاص الماكر بالأشعري الذي قال لابن العاص: (مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث). فأجابه ابن العاص: (ومثلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً). يقول العقاد: (كلب وحمار قررا مصير الأمة).

وبعد أن "شرعن صحابة (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق) وفقهاء الشيطان، فإن الدهماء-الغوغاء الذين قتلوا سيد شباب أهل الجنة، أشباههم اليوم أداة للإرهاب، فهناك آلاف يفجرون أجسادهم والسيارات المفخخة وسط المدنيين، كما أن الذين تنكروا بالأمس لعهد الغدير، أمثالهم اليوم أداة لتعطيل بناء الإنسان ودولة الإنسان.

إن من أسباب خلود الثورة الحسينية هو التمسك بأخلاقيات الإسلام العليا، فالله تعالى حينما وصف الرسول الأعظم بأحسن الصفات قال: (وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). وحينما حصر الرسول الأكرم هدف بعثته إلى البشرية، وهو خاتم الأنبياء، قال (صلى الله عليه وآله): (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

من هذا يتضح أن المسار الأخلاقي هو العنوان الحقيقي والجلي لماهية الشرائع السماوية، فالأخلاق هي المعيار الأهم في تقييم المؤمن (عقيدة وسلوكاً)، وإن المسيرة الحسينية بمواقفها السامقة اختزلت كل معاني خلق الإسلام والإنسان، ومن تلك المواقف –وما أكثرها وأندرها وأجلّها وأعظمها- كان موقفاً فريداً بنبله وشموخه وفروسيته لسفير الإمام الحسين، الشهيد مسلم بن عقيل، فحينما اقترح هاني بن عروة على مسلم خطة لقتل عبيد الله ابن زياد، القادم إلى بيت هانئ لعيادته، لم يُقْدِم مسلم على التنفيذ قائلاً: (منعني عن ذلك خلتان، الأولى: حديث علي عن رسول الله أن الإيمان قيّد الفتك فلا يفتك مؤمن). والثانية: امرأة هاني فإنها تعلقت بي، وأقسمت عليّ بالله أن لا أفعل هذا في دارها، وبكت في وجهي). علماً بأنه كان عازماً على التمهيد لثورة إلهية كبرى.

لقد جسّد الشهيد الهاشمي الكبير مسلم ابن عقيل (عليه السلام) حقيقة الانتماء الى سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) الذي من أولويات ثوابته الالتزام الكامل بالإسلام (فقهاً ومُثُلاً).

وهنا، تتأكد أهمية ترسيخ ثقافة عاشوراء، والارتقاء بوسائل إيصالها، مضموناً ومنهجاً وأهدافاً، فقد حفظت قيم كربلاء هوية الإسلام، وهي تعدّ البيئة الصالحة لتنشئة وبناء أجيال صالحة، وإن مما أعطته ثقافة عاشوراء للشيعة أنها:

1- أعطت الشيعة حصانة من تسرب الفكر التكفيري الذي دأب أصحابه على ممارسة أبشع السلوكيات العدوانية الوحشية.

2- رسّخت عند عموم الشيعة التورع عن ظلم الآخر، وإن بالغ الآخر في الظلم والبغي والعدوان، وهو ما جرى ويجري في العراق وسوريا واليمن والبحرين وغيرها.

ففي الأعوام الماضية، كان يسقط آلاف الشيعة، في كل عام، ما بين قتيل وجريح، في العراق، وخاصة في الزيارة الأربعينية التي تمتد مسيرات المشاركين مئات الكيلومترات ويصعب حمايتها بشكل كامل، وعلى الرغم من أعداد المشاركين في هذه الزيارة العظيمة، وتصل إلى ما يقارب عشرين مليون زائر، لم نسمع أن واحداً من هذه الملايين استغل هذه الفاجعة الأليمة متقوياً بكثرة الأنصار، المتأججة عواطفهم والمتوثبة إراداتهم، فبادر إلى قتل مخالف في المذهب أو من لا يمثل له استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) أية خصوصية، علماً بأن السيارات المفخخة والانتحاريين كانوا يقدمون على قتل الزوار السائرين مشياً على الأقدام، من قرى ومدن محاذية لطريق كربلاء، وهي معروفة، فقط كان الشيعة يتورعون عن القتل بالظن والشبهة.

3- كرّست روح الثبات والانتصار، فكان الشيعة دائماً هم الغالبون، فما انحنوا مرة ولا انكسروا، وإن بني أمية وبني عباس وبني عثمان حكموا قرابة ألف سنة، فاضطهدوا فيها الشيعة، وشرّدوهم وقتلوهم وأحرقوهم، ولكن عبر هذا التاريخ المليء بالإرهاب، صار كثير من أولاد أولئك شيعة، والتشيع يعيش اليوم، ومنذ سنوات، ثباتاً وتوسعاً وازدهاراً.

وهو ما أكدته سيدة التقى والإباء، الحوراء زينب (عليها السلام) بقولها: (ليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محو أمرنا وطمسه، فلا يزداد إلا ظهوراً وعلوا). فإن للثبات منهج وللانتصار عقيدة، كتبهما ذبيح كربلاء بدمه: (وأسير بسيرة جدّي رسول الله، وسيرة أبي عليّ بن أبي طالب).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0