صحيح ان الله تعالى قد اختص الرجال دون النساء لحمل رسالة السماء، ودعوة الناس لعقيدة التوحيد وإتمام مكارم الاخلاق فبعث الانبياء والائمة، ولكنه جل وعلا قد منح المرأة دورا مفصليا ومكملا لدور المبشر والمنذر والمجاهد لكثير من الرسل والاوصياء، وهو حفظ الشريعة ونشرها ويظهر ذلك في الكثير من النماذج التاريخية كـ (آسيا) زوجة فرعون ومرورا بـ السيدة (مريم) والسيدة (خديجة) وانتهاء بـ ام الائمة فاطمة الزهراء، وابنتها الحوراء زينب عليهم جميعا أفضل السلام.

وبين هؤلاء الشخصيات وبعدهن الكثير من النساء اللواتي تحملن مسؤوليات كبيرة، وسجلن اسماءهن في صفحات البطولة وخلدهن التاريخ وفاءا لتضحياتهن وصبرهن، واحدى اهم المسؤوليات واثقلها على الاطلاق كانت في يوم فجيع ومنعطف تاريخي خطير، حيث كان الاسلام على شفى حفرة من الاندثار وكنا سنقرأ على الدين السلام، لولا نهضة سبط الرسول (ص) وقد سعى اعداء الامة جاهدين لإخفاء حادثة عاشوراء ومعالمها المؤلمة، فأنيط دور عظيم بعدها لحمل سلاح من نوع اخر لامرأة اسمها زينب، ومهمتها هي نشر وقائع كربلاء ورسالة عاشوراء ومقارعة النظام الاموي بسيف الكلم!.

مما لاشك فيه ان السيدة زينب (ع) قد نجحت كل النجاح في تخليد قضية عاشوراء، والفكر الحسيني ودروس معركة الطف، فهي قد كرست كل حياتها بعد استشهاد اخيها ابي عبد الله لنشر أهداف الثورة الحسينية، على الرغم من كل المصائب التي رأتها في يوم عاشوراء وسبيها مع الاطفال، وكل الاحزان التي كانت كفيلة بكسر اي انسان في مثل وضعها، إلا انها كانت جبل الصبر بحق وتصدت لهذه المهمة بكل شجاعة.

بالتأكيد هي لم تكن مهمة سهلة وسط مجتمع جاهل وعقول بررت جريمة قتل الحسين (ع)، ورأت نهضته خروج على الحاكم وهذه الافكار كانت نتيجة الماكينة الاعلامية الاموية التي وظفت كل الوسائل، وحشدت جيشا من رجال الدين الذين حرفوا الاحاديث وفسروا الآيات القرآنية وفق أهوائهم، فكان الناس بسببهم يرون السبايا خوارج!.

وقد واجهتهم السيدة زينب بنفس السلاح وكانت الحرب المضادة فاستطاعت من خلال كلماتها وخطبها العصماء في الكوفة والشام، ان تكشف الحقائق وتنقل وتوثق كل تفاصيل معركة الطف، وقد قال فيها بشر بن خزيم الاسدي (ونظرت الى زينب بنت علي عليه السلام يومئذ فلم أر خفرة أنطق منها كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين وقد أومأت الى الناس أن اسكتوا فارتدت الأنفاس وسكنت الاجراس).

وكانت سلام الله عليها ترد كلام ابن زياد بأبلغ منه وهي مرغمة مترفعة عن الكلام مع الفاسق وشارب الخمر (ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك.. اني لاستصغر قدرك واستعظم تقريعك واستكبر توبيخك...... فو الله لا تمحو ذكرنا).

وهو دور سبقتها به امها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) عندما قامت من محراب تبتلها وخرجت لنصرة امام زمانها بلسانها، وهي التي قالت قبلا (خير للمرأة ان لا ترى رجلا ولا يراها رجل) لكنها ضحت بمبادئها في سبيل دينها، ودافعت عن امير المؤمنين كإمام قبل ان يكون زوجا، وكشفت القناع عن الكثير من المنافقين وكذلك كانت ابنتها زينب صرخة حق في وجه الباطل، فرسمت كـ والدتها بموقفها الاستثنائي وحربها الكلامية حقبة جديدة من تاريخ البشرية، يكون فيها للنساء دورا اساسيا في اعلاء كلمة الله.

وباتت زينب مصدر رعب للأمويين يتوجسون خيفة من صوتها، فيخرجونها من المدينة الى الشام لتموت هناك غريبة. ولكن من الذي انتصر في كربلاء في النهاية؟؟ بالمنطق العسكري لم يربح الحسين امام يزيد فقد ذبح مع اصحابه من الوريد الى الوريد وحرقت خيامه وسبيت نسائه.. لكن زينب قلبت المقاييس فأوضحت للناس ان الدم والمظلوم انتصرا على السيف، وعاشوراء كحادثة تاريخية انتهت لكن النهضة قد بدأت.

وقد اعلنت ذلك لطاغية زمانها (ما رأيت إلا جميلا! هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ.. ثكلتك أمك يا ابن مرجانة)!. وانهار الحكم الأموي بعد سنوات وقبر يزيد اليوم هو عبارة عن خربة ومرمى للاوساخ، اما الامام الحسين واخيه ابا الفضل واخته زينب (ع) لهم اضرحة تعانق السماء شموخا واصبحوا كعبة لكل العاشقين.

وها هي عاشوراء تصل الينا بلا رتوش بفضل تضحيات الحوراء زينب، وبتنا كل عام نجدد العهد والولاء في شهري محرم وصفر ونلبس السواد ونحضر المجالس الحسينية، ونبكي ونلطم ولم يمحَ ذكر الحسين كما قالت زينب فهل أدينا الحق وقمنا بالواجب؟؟.

بالتأكيد لا.. فالسيدة زينب غادرت هذه الدنيا راضية مرضية، لكنها حملتنا أمانة أكبر من ممارسة الشعائر (طبعا على الرغم من أهميتها فهي التي حفظت قضية الحسين) وهي أمانة حمل اللواء من بعدها والاستمرار في نشر قيم الطف الى كل العالم، وبذات الوسيلة وهي الكلمة التي تعتبر من أقوى الاسلحة وأكثرها فتكا على الاطلاق، وهذا ما نلمسه في وقتنا الحاضر، فبسببها قامت ثورات وأسقطت حكومات، وهنا نستحضر قول لمانويل ملك البرتغال للصحافيين عندما خلع عن عرشه: أنتم سبب سقوطي.

فالكلمة سواء كانت منطوقة او مكتوبة وفي اية وسيلة كانت.. في التلفزيون او الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على رأسها كالفيس بوك والتويتر فهي الرائجة في زمننا هذا. وهي قد سهلت علينا الكثير وطوت عدة مراحل للوصول الى الناس في شرق الارض وغربها. وهو فضاء تكون فيه الحرية بأعلى مستوياتها فحري بنا ان نحيي أمر أهل البيت في هذه الوسائل ولاسيما قضية الحسين (ع)، ففيها من القوة والعاطفة ما يكون سببا في ادخال الكافر الى الاسلام بإسم الحسين!، وهي كلمة طيبة لأهداف سامية ضحى الحسين بمهجته في سبيل وصولها الينا.

"ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون" فمن يملك الكلمة يملك مفاتيح الدخول الى عقول وقلوب الناس وعاشوراء هي قاموس غني بالقيم والرسائل والمبادئ الانسانية، لها قدرة في تغيير فكر وقناعات الناس، ولنا في الحوراء زينب قدوة حسنة لنستلهم منها ونحذو حذوها ونقتدي بها كنموذج.

فعلا.. ان الاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء وحركة الاصلاح كانت حسينية الحدوث زينبية البقاء.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0