إنّ الذي يقدّم الماءَ لزائر الحسين، أو يمسحُ عن قدمِه تعبَ الطريق، أو يهيّئ له الراحة، أو يخدمُ حتى الدابةَ التي تحملُ الزائرَ في طريقِه إلى كربلاء، إنما يخدمُ معنىً عظيمًا؛ لأنّه يرى في هذا الزائر ضيفًا على طريقِ الوفاء، وضيفًا على رايةِ إمامٍ أصبحت كربلاءُ رمزًا للكرامة والحرية والحق...
في رحابِ الحسين عليه السلام، حيثُ تلتقي الدموعُ بالوفاء، والخطى بالمعنى، لا تكونُ خدمةُ زائرِ الإمام الحسين عليه السلام مجرّدَ عملٍ اجتماعيٍّ أو عادةٍ موروثة، بل هي مدرسةٌ أخلاقيةٌ وإنسانيةٌ تُعلّم الإنسانَ كيف يكونُ خادمًا للخير، وكيف يتحوّل العطاءُ إلى عبادة، والمحبةُ إلى رسالة.
إنّ الذي يقدّم الماءَ لزائر الحسين، أو يمسحُ عن قدمِه تعبَ الطريق، أو يهيّئ له الراحة، أو يخدمُ حتى الدابةَ التي تحملُ الزائرَ في طريقِه إلى كربلاء، إنما يخدمُ معنىً عظيمًا؛ لأنّه يرى في هذا الزائر ضيفًا على طريقِ الوفاء، وضيفًا على رايةِ إمامٍ أصبحت كربلاءُ رمزًا للكرامة والحرية والحق.
فخدمةُ مطيّة زائر الحسين عليه السلام ليست خدمةً لحيوانٍ فقط، بل هي احترامٌ للطريق، وتقديرٌ لمن حملَ في قلبه عهدَ الوفاء. إنّ الأخلاقَ الراقيةَ تظهرُ حين يخدمُ الإنسانُ ما يخدمُ الإنسانَ، وحين يرى الكرامةَ في كلّ ما يرتبطُ برسالة الخير.
وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾
(سورة الحج: 32)
فمن أعظم صور التعظيم أن يحفظ الإنسانُ حرمةَ الأماكنِ والرموزِ التي ارتبطت بالحق والتضحية والهداية.
إنّ ترابَ كربلاء لم يكن ترابًا عاديًا في الوجدان الإسلامي؛ فقد ارتبط بدمٍ طاهرٍ بذله الإمام الحسين عليه السلام في سبيل الإصلاح. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إنَّ اللهَ تعالى جعلَ تُربةَ الحسين عليه السلام شفاءً من كلِّ داءٍ وأمانًا من كلِّ خوف»
(ورد في مصادر الحديث الشيعية، منها: كامل الزيارات، باب فضل تربة الحسين عليه السلام)
وتبقى قيمة التربة في معناها العميق: فهي تذكّر الإنسانَ بالتضحية، وبأنّ الحقَّ قد يُروى بالدم، وأنّ المبادئَ تحتاجُ إلى رجالٍ يحملونها مهما كانت التضحيات.
ومن أجمل ما قيل في فضل التمسك بالحسين عليه السلام:
إذا شئتمُ الخلاصَ من النوازلِ
تمسّكْ بالحسينِ أبا الفضائلِ
وخُذْ من عَتْبِ تربتِهِ شفاءً
فإنَّ النارَ لا تمسُّ جسدًا
عليهِ غبارُ زُوّارِ الحسينِ
فغبارُ زائر الحسين ليس غبارَ طريقٍ فقط، بل هو في الوجدان غبارُ رحلةِ محبة، وخطواتُ إنسانٍ خرج يبحث عن معنى الوفاء. إنّ تلك الآثار التي تحملها أقدامُ الزائرين تُذكّر بثقافةٍ اجتماعيةٍ عظيمة: مجتمعٌ يقوم على البذل، وإكرام الضيف، والتعاون، وخدمة الآخرين.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«مَن لا يَرحم لا يُرحم»
(صحيح البخاري، وصحيح مسلم)
فالرحمةُ هي جوهرُ الخدمة، وخدمةُ الزائر صورةٌ من صور الرحمة والتكافل بين الناس.
وقال الإمام الحسين عليه السلام في كلمته الخالدة:
«إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدّي»
(مذكور في مصادر المقاتل، ومنها بحار الأنوار)
ومن هنا يصبح طريقُ الحسين طريقَ إصلاحٍ وأخلاق؛ فليس المقصودُ أن تبقى كربلاءُ ذكرى، بل أن تتحول إلى سلوك: صدق، ورحمة، عدالة، خدمة، ومحبة.
ومن الجانب الإنساني، نجدُ في زيارة الحسين صورةً نادرةً لوحدة القلوب؛ يجتمع الناس على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم، في مشهدٍ يثبت أن القيمَ الكبرى قادرةٌ على جمع الإنسان حول مبادئ الرحمة والكرامة.
ومن الجانب الاجتماعي والاقتصادي، تكشفُ مواكبُ الخدمةِ عن ثقافةِ العطاء؛ فهناك من يقدّم المال، ومن يقدّم الوقت، ومن يقدّم الجهد، لتصبحَ الخدمةُ اقتصادًا أخلاقيًا قائمًا على التكافل لا على المنفعة.
ومن الجانب الفلسفي، فإنّ غبارَ الطريق يطرح سؤالًا عميقًا: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
ويبقى الجواب: تبقى مواقفه، وأثره، وما قدّمه للآخرين.
أما تحت قبة الحسين عليه السلام، فهي في وجدان محبيه موضعُ رجاءٍ ودعاء، ومكانٌ يستحضرُ فيه الإنسانُ معاني التضحية والصبر والوفاء. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إنَّ الحسين عليه السلام حيٌّ عند ربّه يُرزق، وينظر إلى زوّاره»
(من الروايات الواردة في كتب الزيارات، ومنها كامل الزيارات)
إنّ أعظم ما تمنحه كربلاء للإنسان ليس فقط دمعةً على الماضي، بل عهدًا للمستقبل: أن يكون الإنسانُ رحيمًا، وأن يجعلَ من خدمته للآخرين طريقًا إلى الله.
فطوبى لمن حملَ الماءَ لزائر الحسين، وطوبى لمن مسحَ تعبَ الطريق، وطوبى لمن كان خادمًا لمن قصدَ بابَ أبي عبد الله عليه السلام؛ لأنّ خدمةَ الزائر في حقيقتها خدمةٌ لقيمٍ أرادها الحسين أن تبقى حيّةً في ضمير الإنسانية.



اضف تعليق