تتجلى عظمة أبي الفضل العباس عليه السلام في تحويل الوفاء والقوة إلى موقف عملي يضع المبدأ فوق المصلحة الشخصية؛ ليتجاوز الرمز حدوده التاريخية والمناسباتية نحو بناء الضمير الإنساني وترسيخ الإيثار والأمانة كسلوك مجتمعي يردم الفجوة بين الرمز والممارسة...
قد يمر الإنسان في حياته بأشخاص لا يعرفهم إلا من خلال موقف واحد، وربما لا تستغرق رؤيته لهم سوى دقائق قليلة، غير أن ذلك الموقف يبقى في الذاكرة سنوات طويلة، لأن بعض الأفعال تمتلك قدرة غريبة على تجاوز زمنها.
في كربلاء، قبل قرون، كان هناك رجل لم يترك وراءه كتابًا طويلًا يشرح فيه فلسفته في الحياة، ولم يؤسس مدرسة بالمعنى المعروف، ولم يحتج إلى خطاب طويل حتى يثبت ما يؤمن به. ترك شيئًا أكثر صعوبة على الزمن: ترك موقفًا. ذلك الرجل هو أبو الفضل العباس بن علي عليه السلام.
وحين يعود اسمه كل عام إلى الذاكرة، لا يعود بوصفه شخصية من الماضي فحسب، وإنما يعود سؤالًا أخلاقيًا مفتوحًا أمام الإنسان: ماذا يفعل الإنسان عندما تصبح المبادئ مكلفة؟ وأين يقف الوفاء عندما يصبح التخلي أكثر سهولة؟ وما قيمة القوة إذا لم تُستخدم لحماية الضعيف ونصرة الحق؟ ربما هنا تكمن خصوصية العباس عليه السلام.
القوة التي لم تبحث عن نفسها
غالبًا ما تُقاس القوة في المجتمعات الحديثة بما يستطيع الإنسان امتلاكه: المال، النفوذ، المكانة، القدرة على التأثير، أو امتلاك القرار. في سيرة أبي الفضل العباس عليه السلام تظهر صورة أخرى للقوة. إنها القوة التي يستطيع صاحبها أن يضعها في خدمة قضية أكبر من ذاته. وهذه الفكرة تبدو شديدة الأهمية في زمن أصبح فيه النجاح الشخصي هدفًا مستقلًا عن المسؤولية الاجتماعية. كثير من الناس يريدون أن ينجحوا، وأن يحققوا مكانة، وأن يحافظوا على مصالحهم، ثم تأتي القيم في مرتبة لاحقة عندما تسمح الظروف.
أما العباس عليه السلام فيقدم نموذجًا مختلفًا؛ إذ تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بما يفعله عندما تتعارض المصلحة الشخصية مع المبدأ. ولهذا ارتبط اسمه في الوجدان الإسلامي بمعاني الوفاء والإيثار والتضحية، وهي معانٍ تؤكدها الكتابات التي تناولت شخصيته وأبعادها الأخلاقية.
الوفاء ليس كلمة جميلة
نحن نستخدم كلمة الوفاء كثيرًا. نقول: هذا إنسان وفيّ، وهذا صديق وفيّ، وهذا الموظف وفيّ، وهذا الإنسان لم ينسَ أصحابه. لكن الوفاء في الحياة اليومية غالبًا ما يبقى سهلًا ما دامت العلاقة تحقق للإنسان شيئًا. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصبح العلاقة عبئًا، أو عندما يصبح الالتزام مكلفًا، أو عندما تفتح الحياة أمام الإنسان طريقًا أكثر راحة. هنا يصبح الوفاء قرارًا أخلاقيًا.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم عظمة أبي الفضل العباس عليه السلام؛ فقد تحول الوفاء لديه من شعور داخلي إلى موقف عملي، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بهذه القيمة في الذاكرة الحسينية. وتشير المصادر التي تناولت سيرته إلى أن من أبرز خصائصه الوفاء والتصديق والنصيحة والتسليم لقضية الإمام الحسين عليه السلام. وهذه ليست مسألة تاريخية فقط. إنها قضية تخص حياتنا الآن. كم مرة وعدنا شخصًا ثم تراجعنا عندما ظهرت لنا مصلحة أخرى؟ كم مرة تركنا صديقًا في لحظة حاجته لأن مساعدته أصبحت مزعجة؟ كم مرة طالبنا الآخرين بالوفاء، ثم بحثنا لأنفسنا عن مبررات للتخلي؟ هنا يتحول العباس عليه السلام من شخصية نقرأ عنها إلى مرآة نرى فيها أنفسنا.
الإنسان يُعرف عندما تضيق الخيارات
في الأيام العادية يستطيع كثير من الناس أن يظهروا بصورة جميلة. الكلمات سهلة، والمواقف الودية سهلة، والابتسامة سهلة. لكن الإنسان يكشف حقيقته عندما تضيق الخيارات. عندما يخسر شيئًا من أجل مبدأ. عندما يستطيع أن يتخلى ولا يتخلى. عندما يستطيع أن ينجو وحده ويختار أن يحمل مسؤولية الآخرين. هذه اللحظة هي التي تمنح السلوك قيمته الأخلاقية.
ولهذا فإن دراسة شخصية أبي الفضل العباس عليه السلام لا ينبغي أن تتوقف عند الشجاعة الجسدية، لأن اختزال شخصيته في البطولة العسكرية يحرمها من بعدها الإنساني الأوسع. القوة الجسدية كانت جزءًا من شخصيته، لكن القيمة التي بقيت في الوجدان هي الطريقة التي وضع بها هذه القوة في خدمة الوفاء والإيثار والمسؤولية. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:
ما الذي نفعله بالقوة التي نملكها؟ قد تكون قوة الإنسان علمًا، أو مالًا، أو منصبًا، أو خبرة، أو قدرة على التأثير. المشكلة ليست في امتلاك القوة. المشكلة تبدأ عندما تتحول القوة إلى وسيلة لخدمة الذات وحدها.
من كربلاء إلى تفاصيل الحياة
ربما نحتاج اليوم إلى قراءة أبي الفضل العباس عليه السلام خارج إطار المناسبة فقط. فالوفاء الذي نتحدث عنه في عاشوراء يمكن أن يتحول إلى سلوك داخل الأسرة. والإيثار يمكن أن يظهر في علاقة الأب بأبنائه. والأمانة يمكن أن تظهر في الوظيفة. والشجاعة الأخلاقية يمكن أن تظهر عندما يرفض الإنسان الظلم، حتى عندما يكون الصمت أكثر راحة. والنصيحة يمكن أن تتحول إلى ثقافة اجتماعية تمنع الصديق من السقوط بدل أن تتركه يسقط ثم تبدأ في الحديث عنه. هنا تصبح كربلاء مشروعًا لبناء الإنسان، لا مجرد ذاكرة للحزن. وهذا التحول هو الذي يعطي الشخصيات التاريخية قدرتها على الاستمرار. فالإنسان لا يحتاج إلى أن يعيش في القرن الأول الهجري حتى يتعلم من العباس عليه السلام. يكفي أن يعيش في زمن يواجه فيه الاختيار بين المبدأ والمصلحة. وهذا يحدث كل يوم.
حين يصبح الإيثار فعلًا اجتماعيًا
الإيثار كلمة تبدو كبيرة، لكنها تبدأ من أشياء صغيرة. أن تعطي شخصًا وقتك عندما تكون مشغولًا. أن تسمع إنسانًا يحتاج إلى من يسمعه. أن تساعد زميلًا دون انتظار أن يرد لك الجميل. أن تترك شيئًا تحبه لأن شخصًا آخر يحتاج إليه أكثر. أن تستخدم معرفتك لمساعدة الآخرين بدل استخدامها لإثبات تفوقك عليهم. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع أخلاق المجتمع.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا بقيت شخصية أبي الفضل العباس عليه السلام حاضرة في الوعي الشعبي والديني؛ لأن القيم التي ارتبطت به قابلة للترجمة إلى سلوك، وليست مجرد أوصاف تاريخية. وقد تناولت دراسات معاصرة شخصيته تحديدًا من زاوية التطبيقات التربوية والأخلاقية، في محاولة لربط قيم الوفاء والإيثار والتضحية بمشكلات الإنسان والمجتمع المعاصر.
الضمير... ذلك الصوت الذي لا يراه أحد
هناك شيء آخر يجعل شخصية العباس عليه السلام ذات دلالة معاصرة: الضمير. فالإنسان يستطيع أحيانًا أن يخدع الآخرين، وقد يستطيع أن يقدم تفسيرًا مقبولًا لسلوكه، وقد ينجح في إقناع المجتمع بأنه كان مضطرًا. لكن هناك مساحة داخل الإنسان لا يستطيع الهروب منها بسهولة. إنها مساحة الضمير. والضمير لا يسأل الإنسان عن مقدار ما كسبه فقط، وإنما يسأله: كيف كسبته؟ ومن دفع الثمن؟ وهل كنت عادلًا عندما امتلكت القدرة؟ وهل وقفت مع من يحتاجك عندما كان بإمكانك الابتعاد؟ من هنا تصبح سيرة العباس عليه السلام تذكيرًا بأن الأخلاق ليست زينة تضاف إلى الشخصية بعد اكتمالها، وإنما هي البنية التي تحدد اتجاه الإنسان عندما تتعارض الطرق.
لماذا نحتاج إلى العباس اليوم؟
لأن العالم الحديث منح الإنسان وسائل هائلة، ولم يمنحه بالضرورة القدرة نفسها على استخدامها بحكمة. أصبح الإنسان قادرًا على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق، لكنه قد يعجز عن الوصول إلى شخص قريب منه. يمتلك أدوات التواصل، لكنه قد يعاني من العزلة. يمتلك المعرفة، لكنه قد يفتقر إلى الحكمة. يمتلك القوة، لكنه قد لا يعرف متى يستخدمها. وهنا تعود الحاجة إلى النماذج الأخلاقية. نحتاج إلى شخصيات تذكرنا بأن الإنسان لا يساوي مقدار ما يمتلك، وإنما مقدار ما يستطيع أن يمنحه للآخرين.
العباس في الوعي الاجتماعي
ليس من الصعب ملاحظة حضور اسم أبي الفضل العباس عليه السلام في الثقافة الشعبية العراقية والعربية، وفي المواكب والمجالس والشعائر، وفي اللغة اليومية التي تستحضر اسمه عند الحديث عن الوفاء والشهامة وقضاء حوائج الناس. لكن القيمة الأكبر تبدأ عندما ينتقل هذا الحضور من الذاكرة إلى السلوك. فالمدينة التي ترفع اسم العباس تحتاج إلى موظف يؤدي عمله بأمانة. والأسرة التي تتحدث عن وفائه تحتاج إلى أبناء يتعلمون احترام الوالدين وحفظ العهد. والمجتمع الذي يحيي ذكراه يحتاج إلى أفراد يرفضون الغدر والخيانة والظلم. والمؤسسة التي تستلهم أخلاقه تحتاج إلى إدارة عادلة تحفظ حقوق العاملين. عند هذه النقطة يصبح إحياء الذكرى فعلًا اجتماعيًا منتجًا. أما إذا بقيت القيم داخل الشعائر والخطابات، فإن المسافة بين الرمز والسلوك ستظل واسعة.
أثر لا ينتهي
ربما كان سر بقاء أبي الفضل العباس عليه السلام في الوجدان أن الزمن لم يستطع إغلاق قصته. كل جيل يعيد قراءته وفق أسئلته. جيل عاش الحروب قرأ فيه معنى التضحية. وجيل عاش الأزمات قرأ فيه معنى الوفاء. وجيل يواجه الفردية والمادية يستطيع أن يقرأ فيه معنى الإيثار. والجيل الذي يبحث عن القدوة يستطيع أن يجد في سيرته نموذجًا للإنسان الذي لم يجعل قوته وسيلة لتكبير ذاته. وهكذا تتحول الشخصية التاريخية إلى طاقة أخلاقية متجددة. ليست العبرة أن نبقى نتحدث عن العباس عليه السلام فقط، وإنما أن نسأل أنفسنا ماذا بقي من العباس في سلوكنا؟ هل بقي الوفاء عندما أصبح التخلي أسهل؟ هل بقي الإيثار عندما أصبحت الأنانية ثقافة يومية؟ هل بقيت الشهامة عندما أصبح كثير من الناس ينظرون إلى مشاكل الآخرين باعتبارها شأنًا لا يعنيهم؟ وهل نستطيع أن نجعل من حبنا لأبي الفضل العباس عليه السلام مشروعًا لإصلاح أنفسنا قبل أن يكون مجرد مناسبة نستعيد فيها سيرته؟ ربما يكون هذا هو الأثر الذي لا ينتهي. فالرجال يمضون، والسنوات تتغير، والأحداث تصبح صفحات في الكتب، لكن القيمة التي تتحول إلى سلوك تستطيع أن تعيش قرونًا أخرى.
ولهذا فإن أبا الفضل العباس عليه السلام لا يقف في الذاكرة عند حدود رجل عاش في كربلاء؛ إنه نموذج إنساني يضع أمامنا سؤالًا دائمًا: عندما تأتي اللحظة التي يصبح فيها الوفاء مكلفًا، والإيثار صعبًا، والحق يحتاج إلى من يحمله... أيّ إنسان سنختار أن نكون؟



اضف تعليق