التحدي لا يتمثل في إيجاد أي عمل للشباب، بل في بناء مسار يقودهم إلى عمل لائق ومنتج ومستقر. فالوظيفة التي لا توفر دخلًا كافيًا أو عقدًا واضحًا أو حماية اجتماعية قد تخفض معدل البطالة إحصائيًا، لكنها لا تمنح الشاب الأمان اللازم للانتقال إلى الاستقلال وتكوين الأسرة والتخطيط للمستقبل...

هذا التقرير صادر عن منظمة العمل الدولية يرصد عودة البطالة، واتساع الانقطاع عن التعليم والعمل، وتراجع الوظائف المتوسطة تحت ضغط الاقتصاد والذكاء الاصطناعي

تواجه الأجيال الجديدة مرحلة أكثر صعوبة في الانتقال من التعليم إلى العمل، بعدما توقف التعافي المحدود الذي شهدته أسواق العمل عقب جائحة كورونا، وبدأت مؤشرات بطالة الشباب والانقطاع عن العمل والتعليم والتدريب بالارتفاع من جديد. ولا تحدث هذه الانتكاسة في ظل ركود عالمي شامل، بل وسط نمو اقتصادي لا يزال إيجابيًا لكنه بطيء وغير قادر على توليد وظائف تكفي لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين إلى سوق العمل.

هذه هي الصورة التي يقدمها تقرير «اتجاهات الاستخدام العالمية للشباب 2026: العودة إلى المستقبل»، الصادر عن منظمة العمل الدولية. ويرصد التقرير أوضاع الشباب بين عامي 2023 و2025، ويقدم توقعات حتى عام 2027، مع تحليل أثر تباطؤ النمو والصراعات والذكاء الاصطناعي وتغير شروط التوظيف في فرص الشباب ونوعية الأعمال التي يحصلون عليها.

وتكشف النتائج أن الأزمة لا تختصر في عدد العاطلين عن العمل، بل تشمل جودة الوظائف ومستوى الأجور والاستقرار والحماية الاجتماعية ومدى توافق العمل مع المؤهلات. فبعض الشباب لا يجدون وظيفة، وبعضهم ينسحبون من سوق العمل، بينما يضطر آخرون إلى قبول أعمال مؤقتة أو غير رسمية أو أدنى من مستويات تعليمهم. وفي الوقت نفسه، تتقلص الوظائف المتوسطة المهارة التي كانت تمثل المدخل التقليدي إلى الحياة المهنية، فيما تفرض المؤسسات شروط خبرة متزايدة حتى على الوظائف الابتدائية.

نهاية التعافي القصير

بعد الانخفاض الذي أعقب الجائحة، وصل معدل بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين في عام 2023. لكن هذا التحسن لم يستمر؛ إذ ارتفع المعدل العالمي إلى 12.4 في المئة عام 2025، بما يعادل نحو 67 مليون شاب وشابة يبحثون عن العمل ولا يجدونه.

وربما تبدو الزيادة محدودة من حيث النسبة، لكنها تمثل انعكاسًا واضحًا لاتجاه كان يسير نحو التحسن. كما أنها جاءت واسعة جغرافيًا، فقد ارتفعت بطالة الشباب بين عامي 2023 و2025 في ثماني مناطق فرعية من أصل إحدى عشرة، وشملت البلدان مرتفعة الدخل والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى والمنخفض. وسُجلت أكبر الزيادات في شمال أفريقيا وأميركا الشمالية وأوروبا الشمالية والجنوبية والغربية.

وحتى المناطق التي سجلت تحسنًا لم تقدم دائمًا صورة إيجابية متكاملة. ففي آسيا الوسطى والغربية وأوروبا الشرقية انخفضت بطالة الشباب، لكن نسبة المنقطعين عن العمل والتعليم والتدريب ارتفعت. أما أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي فكانت الوحيدة التي سجلت تراجعًا في المؤشرين معًا، إلا أن جزءًا من هذا التحسن ارتبط بانخفاض عدد السكان الشباب، لا باتساع ملموس في قدرة الاقتصادات على خلق الوظائف.

ويكشف اتساع الفجوة بين الشباب والبالغين عن الطبيعة غير المتوازنة لسوق العمل. ففي حين ارتفع معدل بطالة الشباب من 12.3 في المئة عام 2023 إلى 12.4 في المئة عام 2025، انخفض معدل بطالة من تجاوزوا 25 عامًا من 3.7 إلى 3.6 في المئة. وبذلك أصبحت بطالة الشباب تعادل 3.4 أضعاف بطالة البالغين، ما يعني أن ضعف النمو في الوظائف يقع أولًا على من يحاولون دخول السوق للمرة الأولى.

257 مليون شاب خارج العمل والتعليم والتدريب

يمثل ارتفاع عدد الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريبًا الجانب الأكثر إثارة للقلق في التقرير. فقد ارتفعت نسبتهم من 19.7 في المئة عام 2023 إلى 20 في المئة عام 2025، ليصل عددهم إلى 257 مليونًا، بزيادة تسعة ملايين شخص خلال عامين فقط.

وتختلف هذه الفئة عن العاطلين عن العمل. فالعاطل يبحث عن وظيفة ويبقى مرتبطًا بالسوق، أما المنقطع عن العمل والتعليم والتدريب فقد يكون توقف عن البحث، أو لم يدخل السوق أصلًا، أو خرج من التعليم من دون أن يجد مسارًا مهنيًا بديلًا. ولذلك تكون إعادة دمجه في التعليم أو التدريب أو النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة.

وقد تعكس هذه الحالة عوامل متعددة، مثل الإحباط من طول البحث عن العمل، أو ضعف خدمات التشغيل، أو عدم توافق التعليم مع احتياجات السوق، أو المسؤوليات العائلية، أو القيود الاجتماعية، أو غياب الوظائف المقبولة. وكلما طالت مدة الانقطاع، ازدادت احتمالات تآكل المهارات وتراجع الثقة بالنفس وضعف فرص الحصول على عمل مستقر في المستقبل.

ولا تتوقع منظمة العمل الدولية تحسن هذا المؤشر قريبًا؛ إذ يُرجح أن يتجاوز عدد المنقطعين عن العمل والتعليم والتدريب 264 مليون شاب وشابة بحلول عام 2027. كما لا تشير التوقعات إلى تحسن المعدل في أي منطقة فرعية، ما يجعل الانقطاع الاقتصادي والتعليمي مشكلة هيكلية تتطلب تدخلًا أوسع من برامج التوظيف التقليدية.

الدول العربية وشمال أفريقيا في صدارة المؤشرات السلبية

تسجل الدول العربية وشمال أفريقيا أعلى معدلات بطالة الشباب عالميًا. ففي عام 2025 بلغ المعدل 26.2 في المئة في الدول العربية و22.6 في المئة في شمال أفريقيا. وهذا يعني أن أكثر من واحد من كل خمسة شباب مشاركين في سوق العمل لا يستطيع الحصول على وظيفة، وترتفع النسبة في الدول العربية إلى أكثر من واحد من كل أربعة.

وتزداد الصورة صعوبة عند النظر إلى نسبة الشباب المنقطعين عن العمل والتعليم والتدريب؛ إذ بلغت 32.4 في المئة في الدول العربية و30.1 في المئة في شمال أفريقيا. أي إن نحو شاب واحد من كل ثلاثة في المنطقتين يوجد خارج مسارات التشغيل والدراسة والتأهيل.

وتشير توقعات التقرير إلى بقاء معدل بطالة الشباب في الدول العربية عند 26.2 في المئة عام 2027، مع ارتفاع عدد العاطلين من 2.6 مليون عام 2025 إلى 2.8 مليون. وفي شمال أفريقيا قد ينخفض المعدل من 22.6 إلى 21.9 في المئة، لكنه سيظل ضمن أعلى المعدلات في العالم، مع بقاء عدد العاطلين عند نحو 2.7 مليون.

أما عدد المنقطعين عن العمل والتعليم والتدريب، فيُرجح أن يرتفع في الدول العربية من 11.6 مليون عام 2025 إلى 12.2 مليون عام 2027، وفي شمال أفريقيا من 14.3 مليون إلى 15 مليونًا. وتوضح هذه التوقعات أن انخفاض البطالة، حين يحدث، لا يعني بالضرورة دخول الشباب إلى العمل؛ فقد يتوقف بعضهم عن البحث وينتقل إحصائيًا من البطالة إلى عدم النشاط الاقتصادي.

وتظل نسبة تشغيل الشباب إلى إجمالي السكان في المنطقتين منخفضة بشدة. فقد بلغت 20.7 في المئة في الدول العربية و19.2 في المئة في شمال أفريقيا عام 2025، ويتوقع بقاؤها شبه ثابتة حتى عام 2027. ويعكس هذا الضعف مجموعة من العوائق المتراكمة، تشمل محدودية نمو القطاع الخاص، والاعتماد الكبير على الوظائف الحكومية، وعدم توافق التعليم مع السوق، وضعف مشاركة الشابات، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتأثر عدد من البلدان بالصراعات وعدم الاستقرار.

الأزمة تحمل وجهًا نسائيًا

تتحمل الشابات النصيب الأكبر من مشكلة الانقطاع عن العمل والتعليم والتدريب. ففي عام 2025 شكلت النساء أكثر من ثلثي هذه الفئة عالميًا، وبلغ معدل الانقطاع بين الشابات 27.4 في المئة، مقابل 13.1 في المئة بين الشباب الذكور.

كما اتسعت الفجوة قليلًا بين عامي 2023 و2025؛ إذ ارتفع معدل الانقطاع بين الشابات بنصف نقطة مئوية، مقابل 0.2 نقطة لدى الذكور. ولا تعود هذه الفجوة إلى ضعف التحاق النساء بالتعليم، بعدما أصبحت مستويات الالتحاق الدراسي متقاربة بين الجنسين عالميًا، وإنما ترتبط بدرجة أكبر بالقيود التي تظهر بعد انتهاء الدراسة.

ومن أبرز هذه القيود مسؤوليات الرعاية المنزلية غير المدفوعة، والتمييز في التوظيف والأجور، وضعف وسائل النقل الآمنة، وقلة خدمات رعاية الأطفال، ومحدودية الوظائف المناسبة، فضلًا عن الأعراف الاجتماعية التي تحد من الحركة والمشاركة الاقتصادية. وتظهر هذه العوامل بصورة أشد في الدول العربية وشمال أفريقيا وجنوب آسيا.

وفي سوق العمل نفسه، بلغت نسبة العاملين إلى إجمالي السكان الشباب 43.3 في المئة بين الذكور، مقابل 30.6 في المئة بين الإناث. وعلى الرغم من تقلص الفجوة قليلًا، فإنها لا تزال تقارب 13 نقطة مئوية، ما يدل على أن الاستثمار في تعليم الشابات لا يتحول بالقدر نفسه إلى مشاركة اقتصادية وفرص عمل.

الوظائف تنمو بأقل من نمو السكان

يتوقع التقرير ارتفاع عدد الشباب العاملين عالميًا من 476.3 مليون عام 2025 إلى 486.4 مليون عام 2027، أي إضافة نحو 10.1 ملايين وظيفة. غير أن هذه الزيادة لن ترفع نسبة التشغيل العالمية إلا بصورة طفيفة؛ إذ يتوقع استقرارها قرب 37.2 في المئة بسبب استمرار نمو السكان الشباب.

كما تتوزع الوظائف الجديدة بصورة غير متوازنة. فأفريقيا جنوب الصحراء يُرجح أن تستحوذ وحدها على 6.4 ملايين وظيفة، أي نحو ثلثي الزيادة العالمية، بسبب النمو السكاني الكبير. لكن هذا لا يعني بالضرورة توفير وظائف مستقرة، لأن جزءًا كبيرًا من التشغيل في المنطقة يتركز في الاقتصاد غير الرسمي والأعمال منخفضة الإنتاجية.

وفي المقابل، يُتوقع أن تشهد جنوب آسيا، رغم امتلاكها أكبر تجمع سكاني شاب، تغيرًا محدودًا في التشغيل. كما قد يتراجع عدد العاملين الشباب قليلًا في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى انكماش عدد السكان في هذه الفئة العمرية.

وسيبقى معدل تشغيل الشباب مرتفعًا نسبيًا في أفريقيا جنوب الصحراء عند نحو 47 في المئة، وفي أميركا الشمالية عند 46.7 في المئة عام 2027. إلا أن التشابه في النسب يخفي اختلافًا جوهريًا في نوعية الوظائف؛ ففي أميركا الشمالية يغلب العمل الرسمي والمستقر، بينما يضطر كثير من الشباب الأفارقة إلى قبول أي عمل متاح من أجل تأمين الدخل.

انخفاض البطالة قد يخفي هشاشة أعمق

يحذر التقرير من التعامل مع معدل البطالة بوصفه مقياسًا كافيًا لصحة سوق العمل. ففي أفريقيا جنوب الصحراء بلغ معدل بطالة الشباب 8.4 في المئة عام 2025، وهو أقل من المتوسط العالمي بأربع نقاط مئوية، لكنه لا يعكس بالضرورة وفرة في الوظائف الجيدة.

ففي الاقتصادات الفقيرة لا يستطيع كثير من الشباب تحمل فترة طويلة من البطالة والبحث عن وظيفة مناسبة، ولذلك يقبلون بأعمال غير رسمية أو موسمية أو منخفضة الأجر. وقد يعمل الشاب لحسابه الخاص في نشاط محدود الإنتاجية، أو داخل الأسرة من دون أجر منتظم، أو بعقد قصير يفتقر إلى التأمين والحماية.

ويعمل نحو تسعة من كل عشرة شباب في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل الأدنى ضمن الاقتصاد غير الرسمي. كما بقي اثنان من كل ثلاثة عاملين بين 25 و29 عامًا في هذه البلدان ضمن فئات العمل غير المستقر، سواء بالعمل لحسابهم الخاص أو بأجر مؤقت.

وتكشف مقارنة مستويات الدخل عمق الفجوة في الأمان الوظيفي. فقد بلغت نسبة العاملين الشباب في الوظائف غير المستقرة 24.6 في المئة في البلدان مرتفعة الدخل، و36.8 في المئة في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، و66.1 في المئة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل الأدنى. وبذلك تكون فرصة الشاب في البلد الفقير للحصول على عقد مأجور يمتد عامًا واحدًا على الأقل أضعف بنحو ثلاثة أضعاف من نظيرتها في البلد مرتفع الدخل.

نصف الشباب العاملين تقريبًا في الاقتصاد غير الرسمي

تشير البيانات التي شملها التقرير إلى أن 50.8 في المئة من الشباب العاملين بين 15 و29 عامًا كانوا في وظائف غير رسمية عام 2025 أو في أحدث سنة توفرت عنها البيانات. ويمثل ذلك تحسنًا طفيفًا قدره 1.2 نقطة مئوية مقارنة بعام 2023، لكنه يعني أن نصف الشباب العاملين تقريبًا ما زالوا خارج مظلة العمل الرسمي.

ولا تقتصر العمالة غير الرسمية على المشروعات الصغيرة غير المسجلة؛ إذ يمكن أن يعمل الشاب لدى مؤسسة رسمية لكنه يظل في وضع غير رسمي إذا لم يكن لديه عقد مكتوب أو تأمين اجتماعي أو إجازة سنوية ومرضية مدفوعة. وبلغت نسبة العمالة غير الرسمية نحو 45.6 في المئة حتى بين الشباب العاملين بأجر، وارتفعت إلى 77.5 في المئة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل الأدنى.

كما أسهم انتشار المنصات الرقمية في توسيع فرص الحصول على الدخل، لكنه لم يضمن انتقال العاملين إلى وظائف مستقرة. فكثير من أعمال التوصيل والنقل والخدمات الرقمية والعمل الحر تتسم بتذبذب الدخل وضعف القدرة التفاوضية وغياب التأمين والحماية الاجتماعية.

العمل في أكثر من وظيفة يتحول إلى وسيلة للبقاء

يرصد التقرير اتساع ظاهرة الجمع بين عدة وظائف، حيث يعمل بعض الشباب في وظيفة نهارية ثابتة أو مؤقتة، ثم ينتقلون إلى خدمات التوصيل أو العمل عبر المنصات في المساء. وقد يكون هذا النمط اختيارًا مهنيًا لدى بعضهم، لكنه يمثل لدى كثيرين استجابة لعدم كفاية دخل الوظيفة الواحدة.

وفي الدول الصناعية ترتبط زيادة العمل في أكثر من وظيفة بارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور وعدم الاستقرار. أما في الاقتصادات النامية، فالجمع بين العمل الحر والوظائف اليومية أو المؤقتة يعد استراتيجية بقاء معروفة، وإن كانت المنصات الرقمية قد منحتها أشكالًا جديدة.

ولا تعني كثرة الأعمال بالضرورة تحسن الدخل أو الاستقلال؛ فقد يكون الشاب منشغلًا ساعات طويلة في مجموعة وظائف تفتقر جميعها إلى الاستقرار والتأمين وإمكانات التطور. ولذلك يدعو التقرير إلى تطوير أنظمة حماية اجتماعية قابلة للانتقال بين الوظائف، بحيث لا يفقد العامل حقوقه كلما انتقل من منصة أو صاحب عمل إلى آخر.

تآكل الوظائف المتوسطة المهارة

من أبرز التحولات التي يرصدها التقرير تراجع الوظائف المتوسطة المهارة التي كانت تستوعب خريجي المدارس الثانوية والمعاهد التقنية عند بداية حياتهم المهنية. وتشمل هذه الفئة الأعمال المكتبية وخدمات البيع والمهن الزراعية والحرفية وتشغيل الآلات وخطوط الإنتاج والتجميع.

ولا يعني ذلك اختفاء هذه الوظائف تمامًا، لكنه يشير إلى أن نموها أصبح أضعف من الوظائف العالية المهارة أو بعض الأعمال المنخفضة المهارة. وينتج عن ذلك ما يمكن وصفه بتفريغ وسط سوق العمل؛ إذ تتوسع الوظائف المعرفية المتخصصة في الأعلى، وتستمر الأعمال الخدمية البسيطة في الأسفل، بينما تتراجع الفرص التي كانت تتيح انتقالًا تدريجيًا ومستقرًا بينهما.

ويثير تراجع الوظائف التقنية التشغيلية في البناء والصناعة وتجهيز الأغذية مخاوف خاصة بشأن مستقبل التعليم والتدريب المهني. فقد سجلت هذه الوظائف نموًا محدودًا بين الشباب في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، وتراجعت أو بقيت ضعيفة في فئات الدخل الأخرى.

وتتضاعف أهمية هذه المشكلة في البلدان النامية التي تراهن على التصنيع والاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية لخلق وظائف واسعة. فإذا لم تعد الصناعات التحويلية قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الداخلين الجدد، ستحتاج هذه البلدان إلى البحث عن قطاعات بديلة تجمع بين الإنتاجية العالية وكثافة التشغيل.

الوظائف المعرفية تقدم جانبًا أكثر إيجابية

في مقابل تقلص بعض الوظائف المتوسطة، واصلت المهن التقنية المعرفية المرتبطة بالعلوم والهندسة والصحة وتقنيات المعلومات والاتصالات نموها في مختلف فئات البلدان. وكان نموها قويًا بصورة خاصة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل الأدنى، إذ بلغ 11.7 في المئة بين عامي 2023 و2025.

ويمثل هذا الاتجاه فرصة لتخفيف ظاهرة عدم التوافق التعليمي، حيث يضطر حملة الشهادات الجامعية إلى شغل وظائف أدنى من مؤهلاتهم بسبب قلة الفرص المناسبة. لكنه لا يحل المشكلة بالكامل، لأن الوظائف المتخصصة تتطلب تعليمًا وتدريبًا جيدين، ولا تكون متاحة لجميع الشباب أو موزعة بالتساوي بين المدن والمناطق والفئات الاجتماعية.

كما أن توسع هذه الوظائف قد يتزامن مع تراجع فرص الدخول إليها. فالمؤسسات تستطيع توظيف عدد أقل من العاملين ذوي المهارات العالية، أو استخدام التقنية لأداء المهام الابتدائية التي كان يتولاها الخريجون الجدد، ما يجعل امتلاك المؤهل شرطًا ضروريًا لكنه غير كافٍ للحصول على الوظيفة.

الذكاء الاصطناعي يغير بداية الحياة المهنية

يقدر التقرير أن 6.1 في المئة من الوظائف التي يشغلها الشباب بين 15 و29 عامًا تقع ضمن الفئات الأكثر تعرضًا لتأثير الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الوظائف المكتبية والإدارية. وإذا أدى استخدام التقنية إلى اختفاء 10 في المئة فقط من الوظائف شديدة التعرض، فقد يواجه نحو 5.6 ملايين شاب احتمال البطالة أو تغيير المهنة أو الخروج من قوة العمل.

ولا يعني التعرض للذكاء الاصطناعي أن الوظيفة ستختفي بالضرورة؛ فقد تستخدم التقنية لتغيير بعض المهام ورفع إنتاجية العامل بدل استبداله. لكن الشباب يواجهون خطرًا خاصًا لأن الشركات قد تستخدم الأدوات الذكية لأداء الأعمال الروتينية التي كانت تسند تقليديًا إلى الموظفين المبتدئين، مثل إعداد المسودات وتنظيم البيانات وخدمة العملاء وبعض المهام الإدارية.

وتتركز الوظائف الأكثر تعرضًا في الدول مرتفعة الدخل، بينما تبلغ نسبتها 5.8 في المئة في الدول العربية و4 في المئة في شمال أفريقيا. غير أن انخفاض النسبة في الاقتصادات النامية لا يمثل حماية كاملة؛ فهو يعكس جزئيًا ضعف انتشار الوظائف المكتبية والرقمية، وقد يعني في الوقت نفسه محدودية قدرة الشباب على الوصول إلى الفرص الجديدة التي تخلقها التقنية.

ويشدد التقرير على أن المهارات المطلوبة مستقبلًا لن تكون تقنية فقط. فقد أظهر تحليل إعلانات التوظيف في ثماني دول، بينها مصر والأردن والمغرب والإمارات، أن المهارات الاجتماعية والانفعالية، مثل الموثوقية والقدرة على التكيف والتواصل، شكلت 51.8 في المئة من المهارات المطلوبة. وشكلت المهارات المعرفية، مثل التخطيط وحل المشكلات، 22.9 في المئة، بينما توزعت النسبة الباقية بين المهارات الرقمية والتقنية واليدوية.

«تضخم الخبرة» يغلق الوظائف الابتدائية

إلى جانب أثر التقنية، يواجه الشباب مشكلة متزايدة تتمثل في رفع شروط الخبرة المطلوبة لشغل الوظائف الابتدائية. فإعلانات يفترض أنها موجهة إلى الخريجين الجدد باتت تطلب سنوات من الخبرة ومهارات قيادية وقدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، وهي شروط لا تتوافر عادة لمن يدخل سوق العمل للمرة الأولى.

ويصف التقرير هذه الظاهرة بـ«تضخم الخبرة»، وهي امتداد لتحول سابق كان يرفع المؤهلات الدراسية المطلوبة للوظائف. ومع توسع التوظيف الرقمي وارتفاع أعداد المتقدمين، تستخدم الشركات الخبرة والشهادات والمهارات المتقدمة وسائل لتقليل عدد الطلبات وخفض مخاطر التوظيف.

وتظهر هذه الظاهرة بصورة أوضح في الوظائف الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي؛ إذ تبين أن أكثر من نصف المهارات الجديدة المضافة إلى إعلانات الوظائف الابتدائية في هذه المجالات كانت ترتبط تقليديًا بالعاملين ذوي الخبرة. وبدل أن تسهل التقنية دخول الشباب إلى السوق، قد تجعل المؤسسات أقل استعدادًا للاستثمار في تدريبهم من البداية.

وهكذا يجد الخريج نفسه أمام حلقة مغلقة: يحتاج إلى العمل حتى يكتسب الخبرة، لكنه يحتاج إلى الخبرة حتى يحصل على العمل. وقد يضطر نتيجة ذلك إلى قبول تدريب غير مدفوع، أو البقاء مدة أطول في البحث، أو العمل في مهنة لا تتناسب مع تخصصه، أو الانسحاب من السوق كليًا.

الصراعات والتباطؤ الاقتصادي وراء انسداد السوق

يربط التقرير تراجع فرص الشباب بتباطؤ الاقتصاد العالمي وضعف خلق الوظائف وتصاعد الصراعات. فعندما يتباطأ النمو تقل الوظائف الجديدة، وتصبح الشركات أكثر حذرًا في التوظيف، ويكون الشباب أول المتضررين لأنهم أقل خبرة وأضعف حماية من العاملين المستقرين.

كما تضاعف الصراعات آثار الأزمة عبر تدمير المؤسسات والبنية التحتية وإضعاف الاستثمار وتعطيل التعليم والتدريب ودفع الشباب إلى النزوح أو الهجرة. وتتحول مرحلة الانتقال إلى العمل في البلدان الهشة إلى مسار أكثر اضطرابًا، حيث تتداخل البطالة مع الفقر وانقطاع الدراسة وضعف الحماية وانحسار الثقة بالمؤسسات.

غير أن خصوصية المرحلة الحالية تكمن في عدم وجود أزمة اقتصادية عالمية واحدة وواضحة كتلك التي شهدها العالم خلال الأزمة المالية أو الجائحة. فالاقتصاد ينمو، لكنه لا يخلق ما يكفي من الوظائف للشباب، بينما تتغير بنية الوظائف نفسها بسرعة. وهذا ما يجعل المشكلة أكثر تعقيدًا من مجرد انتظار عودة دورة النمو.

أربعة أركان لسياسة تشغيل متكاملة

تقترح منظمة العمل الدولية حزمة متكاملة تقوم على أربعة أركان مترابطة. الأول هو خلق الوظائف من خلال سياسات اقتصادية ومالية وصناعية تراعي الشباب والفوارق بين الجنسين، وتشجع نمو المؤسسات والقطاعات الجديدة وريادة الأعمال. ولا يمكن لبرامج التدريب أن تنجح إذا لم يكن الاقتصاد قادرًا أصلًا على توليد فرص تستوعب المتدربين.

ويتمثل الركن الثاني في إعداد الشباب للعمل عبر التعليم الجيد والتدريب المهني والتلمذة المنظمة والتعلم المستمر. وينبغي أن تجمع هذه البرامج بين المعرفة النظرية والتدريب داخل مواقع العمل، وأن توفر عقودًا واضحة وإشرافًا مؤهلًا وأجرًا عادلًا وحماية اجتماعية وشهادات معترفًا بها.

أما الركن الثالث فيتعلق بتسهيل الانتقال من المدرسة إلى العمل من خلال الإرشاد المهني وخدمات التشغيل وقواعد معلومات سوق العمل والتدريب الداخلي ودعم الأجور وحوافز التوظيف وتمويل المشروعات الصغيرة. ويشدد التقرير على أهمية المتابعة بعد التدريب؛ لأن حصول الشاب على دورة أو شهادة لا يضمن استمرار عمله ما لم يحصل على التوجيه والربط بأصحاب العمل.

ويركز الركن الرابع على الشمول والحماية، ويشمل ضمان الحقوق والسلامة المهنية والتأمين الاجتماعي والدعم النفسي، مع برامج تستهدف الشابات وذوي الإعاقة وسكان الأرياف والمهاجرين واللاجئين والشباب في المناطق الهشة. ويقتضي ذلك الوصول إلى الفئات المنقطعة عن المؤسسات بدل انتظار تقدمها بنفسها إلى البرامج الحكومية.

البرامج المتكاملة أكثر فاعلية

استند التقرير إلى مراجعة مشتركة لمنظمة العمل الدولية والبنك الدولي شملت 228 تقييمًا دقيقًا لنحو 220 برنامجًا في 62 دولة على مدى ثلاثة عقود. وأظهرت النتائج أن برامج سوق العمل الموجهة إلى الشباب يمكن أن تحسن فرص التشغيل والدخل، ولا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.

وكانت برامج دعم ريادة الأعمال وتنمية المهارات من بين الأكثر تأثيرًا، لكن نجاحها ارتبط بجمع عدة أدوات ضمن برنامج واحد. فالتدريب المقترن بالتوجيه والمساعدة في التوظيف والوصول إلى التمويل يحقق نتائج أفضل من تقديم دورة تدريبية منفردة.

كما تبين أن الجمع بين المهارات التقنية والتواصل والعمل الجماعي والمرونة والثقافة المالية يرفع فرص النجاح، وأن الشهادات المعترف بها تساعد أصحاب العمل على تقييم المهارات. وتزداد الفاعلية عندما تتعاون الحكومات والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتستمر خدمات التوجيه بعد حصول الشاب على الوظيفة.

الحماية الاجتماعية يجب أن تبدأ قبل الوظيفة الأولى

لا يحصل الباحثون عن أول وظيفة عادة على إعانات البطالة لأنهم لم يدفعوا اشتراكات سابقة في أنظمة التأمين. ويجعلهم ذلك أكثر تعرضًا للفقر والاعتماد الطويل على الأسرة وقبول الوظائف الرديئة، ولذلك يدعو التقرير إلى تكييف أنظمة الحماية مع حاجات الداخلين الجدد.

وقد قدمت بعض الدول نماذج في هذا المجال. فالجزائر استحدثت إعانة للباحثين الشباب عن أول عمل وذوي الدخل المنخفض، استفاد منها أكثر من مليوني شخص، مع ربطها بالمشاركة في التدريب المهني. وقدمت ولايات هندية دعمًا للدخل مقترنًا بالتدريب وخدمات التشغيل، فيما منحت الصين حوافز للمؤسسات التي توظف الخريجين الجدد والشباب العاطلين وتسجلهم في التأمين الاجتماعي.

كما خففت دول أخرى شروط الاشتراك في إعانات البطالة للشباب، أو احتسبت فترات التعليم والتدريب والتلمذة ضمن شروط الاستحقاق. ويقترح التقرير كذلك تقديم مساعدات انتقالية، ودعم تكاليف السكن والنقل ورعاية الأطفال، وبرامج عمل عامة مؤقتة تمنح الشباب دخلًا وخبرة وجسرًا إلى أول وظيفة رسمية.

إدارة الذكاء الاصطناعي بمقاربة تضع الإنسان في موقع القرار

يدعو التقرير إلى اعتماد مبدأ بقاء الإنسان في موقع القيادة عند استخدام الذكاء الاصطناعي، بحيث تظل مسؤولية تحديد المخاطر والحدود والقرارات النهائية بيد البشر. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في التوظيف، حيث تستخدم الخوارزميات في البحث عن المرشحين وفرز السير الذاتية وإجراء المقابلات وتقييم المتقدمين.

وقد تحمل هذه الأنظمة تحيزات تؤدي إلى استبعاد بعض الفئات أو تجعل الوصول إلى الوظيفة أكثر غموضًا. كما يشعر الباحثون الشباب بالإحباط عندما لا يستطيعون تجاوز عمليات الفرز الآلية، بينما يتزايد شك أصحاب العمل في السير الذاتية والطلبات التي أُعدت باستخدام الذكاء الاصطناعي.

ومن ثم لا ينبغي أن تقتصر السياسة العامة على تدريب الشباب على استخدام الأدوات الجديدة، بل يجب أن تشمل حماية حقوقهم عند التوظيف، ومراقبة التمييز الخوارزمي، وإلزام المؤسسات بالشفافية، وتشجيع الشركات المستفيدة من التقنية على إعادة تدريب العاملين المعرضين لفقدان وظائفهم.

الشباب شركاء في صنع السياسة

يؤكد التقرير أن السياسات الموجهة إلى الشباب لا ينبغي أن تُصمم من دون مشاركتهم. فإشراكهم في إعداد برامج الانتقال من التعليم إلى العمل يساعد على فهم العقبات الفعلية التي يواجهونها، ويقلل الفجوة بين ما تقدمه المؤسسات وما يحتاج إليه الباحثون عن العمل.

وتشمل المشاركة المطلوبة إشراك منظمات الشباب في الحوار بين الحكومات وأصحاب العمل والنقابات، وتعريف العاملين الشباب بحقوقهم، وتوفير آليات واضحة لاستقبال ملاحظاتهم ومحاسبة الجهات المنفذة. كما تستطيع الشركات الحد من دوران العمالة ورفع الإنتاجية عندما توفر للعاملين الأصغر سنًا علاقات مهنية جيدة وفرصًا للتقدم ومرونة في العمل ودعمًا للاستقرار المالي والنفسي.

ليست أزمة وظائف فقط

يخلص تقرير منظمة العمل الدولية إلى أن التحدي لا يتمثل في إيجاد أي عمل للشباب، بل في بناء مسار يقودهم إلى عمل لائق ومنتج ومستقر. فالوظيفة التي لا توفر دخلًا كافيًا أو عقدًا واضحًا أو حماية اجتماعية قد تخفض معدل البطالة إحصائيًا، لكنها لا تمنح الشاب الأمان اللازم للانتقال إلى الاستقلال وتكوين الأسرة والتخطيط للمستقبل.

وتبدو حدة المشكلة أوضح في الدول العربية وشمال أفريقيا، حيث تجتمع البطالة المرتفعة مع انخفاض المشاركة الاقتصادية واتساع الانقطاع عن التعليم والعمل، ولا سيما بين الشابات. لذلك لا يكفي توسيع التعليم إذا بقي الاقتصاد عاجزًا عن استيعاب الخريجين، ولا يكفي تدريب الشباب على مهارات جديدة إذا كانت الوظائف نفسها لا تنمو، كما لا تكفي الدعوة إلى ريادة الأعمال من دون تمويل وأسواق وإرشاد وحماية من المخاطر.

أما الذكاء الاصطناعي، فلا يقدم تفسيرًا وحيدًا للأزمة، لكنه يضيف ضغطًا جديدًا إلى سوق تعاني أصلًا ضعف خلق الوظائف وتراجع المهن المتوسطة وارتفاع شروط الخبرة. وقد يفتح فرصًا في المجالات التقنية والمعرفية، لكنه قد يغلق في المقابل بعض المداخل التي استخدمتها الأجيال السابقة لاكتساب الخبرة والانتقال التدريجي داخل المؤسسات.

وتتمثل الرسالة الأساسية للتقرير في ضرورة الانتقال من التدخلات المتفرقة إلى سياسة تشغيل متكاملة تجمع بين خلق الوظائف والتعليم والتدريب وخدمات التشغيل والحماية الاجتماعية والتنظيم العادل للتقنية. فاستعادة ثقة الشباب بالمستقبل لا تتحقق بإعلان فرص مؤقتة، بل ببناء اقتصاد قادر على تحويل التعليم والمهارات إلى عمل يحفظ الكرامة ويوفر الدخل والأمان وإمكانات التقدم.

* المصدر: منظمة العمل الدولية، *اتجاهات الاستخدام العالمية للشباب 2026: العودة إلى المستقبل، جنيف، 2026. وهذا النص هو معالجة صحفية وليس ترجمة رسمية صادرة عن منظمة العمل الدولية.

اضف تعليق