وأحاطت بالإمام الحسين بن علي (عليه السّلام) عدّة من المسؤوليات الدينية والواجبات الاجتماعية وغيرها، فحفّزته إلى الثورة ودفعته إلى التضحية والفداء، وهذه بعضها:

1 ـ المسؤولية الدينيّة، 2 ـ المسؤولية الاجتماعيّة، 3 ـ إقامة الحجّة عليه، 4 ـ حماية الإسلام، 5 ـ صيانة الخلافة.

6 ـ تحرير إرادة الأُمّة:

ولم تملك الأُمّة في عهد معاوية ويزيد إرادتها واختيارها، فقد كانت جثة هامدة لا وعي فيها ولا اختيار، قد كُبّلت بقيود ثقيلة سدّت في وجهها منافذ النور والوعي، وحيل بينها وبين إرادتها.

لقد عمل الحكم الاُموي على تخدير المسلمين وشلّ تفكيرهم، وكانت قلوبهم مع الإمام الحُسين، إلاّ إنّهم لا يتمكّنون من متابعة قلوبهم وضمائرهم، فقد استولت عليها حكومة الاُمويِّين بالقهر، فلمْ يملكوا من أمرهم شيئاً، فلا إرادة لهم ولا اختيار ولا عزم ولا تصميم، فأصبحوا كالأنصاب لا وعي فيهم ولا حراك، قد قبعوا أذلاء صاغرين تحت وطأة سياط الاُمويِّين وبطشهم.

لقد هبّ الإمام إلى ساحات الجهاد والفداء؛ ليطعم المسلمين بروح العزّة والكرامة، فكان مقتله نقطة تحوّل في تاريخ المسلمين وحياتهم، فانقلبوا رأساً على عقب، فتسلّحوا بقوة العزم والتصميم، وتحرروا من جميع السلبيات التي كانت ملمّة بهم، وانقلبت مفاهيم الخوف والخنوع التي كانت جاثمة عليهم إلى مبادئ الثورة والنضال، فهبّوا متضامنين في ثورات مكثّفة وكان شعارهم (يا لثارات الحُسين)، فكان هذا الشعار هو الصرخة المدوّية التي دكّت عروش الاُمويِّين وأزالت سلطانهم.

7 ـ تحرير اقتصاد الأُمّة:

وانهار اقتصاد الأُمّة الذي هو شرايين حياتها الاجتماعية والفردية، فقد عمد الاُمويِّين بشكل سافر إلى نهب الخزينة المركزية، والاستئثار بالفيء وسائر ثمرات الفتوح والغنائم؛ فحازوا الثراء العريض، وتكدّست في بيوتهم الأموال الهائلة التي حاروا في صرفها، وقد أعلن معاوية أمام المسلمين أنّ المال مال الله وليس مال المسلمين فهو أحقّ به.

ويقول سعيد بن العاص: إنّما السّواد بستان قريش، وقد أخذوا ينفقون الأموال على أغراضهم السياسية التي لا تمتّ بصلة لصالح الأُمّة.

أمّا موارد إنفاقهم البارزة فهي:

أ ـ شراء الضمائر والأديان: وقد تقدّمت الشواهد المؤيدة لذلك عند البحث عن سياسة معاوية الاقتصادية.

ب ـ الإنفاق على لجان الوضع: لافتعال الأخبار التي تدعم الكيان الاُموي وتحطّ من قيمة أهل البيت، وقد ألمعنا إلى ذلك بصورة مفصلة.

ج ـ الهبات الهائلة، والعطايا الوافرة للوجوه والأشراف: لِكَمِ أفواههم عمّا تقترفه السّلطة مِنْ الظلم للرعية.

د ـ الصرف على المجون والدعارة: فقد امتلأت بيوتهم بالمغنين والمغنيات، وأدوات العزف وسائر المنكرات.

هذه بعض الموارد التي كان يُنفق عليها الأموال، في حين أنّ الجوع قد نهش الأُمّة وعمّت فيها المجاعة، وانتشر شبح الفقر في جميع الأقطار الإسلاميّة سوى الشام، فقد رفّه عليها؛ لأنّها الحصن المنيع الذي كان يحمي جور الاُمويِّين وظلمهم.

وقد ثار الإمام الحُسين (عليه السّلام) ليحمي اقتصاد الأُمّة ويعيد توازن حياتها المعاشية، وقد صادر أموالاً من الخراج كانت قد أُرسلت لمعاوية، كما صادر أموالاً أُخرى أُرسلت من اليمن إلى خزينة دمشق في أيّام يزيد، وقد أنفقها على الفقراء والمعوزين، وكان (عليه السّلام) أكثر ما يعاني من الآلام هو أنّه يرى الفقر قد أخذ بخناق المواطنين، ولمْ ينفق شيء مِنْ بيت المال على إنعاش حياتهم.

8 ـ المظالم الاجتماعية:

وانتشرت المظالم الاجتماعية في أنحاء البلاد الإسلاميّة، فلم يعُد قطر من الأقطار إلاّ وهو يعجّ بالظلم والاضطهاد مِنْ جورهم، وكان مِنْ مظاهر ذلك الظلم ما يلي:

1 ـ فقد الأمن: وانعدم الأمن [وانعدامه] في جميع أنحاء البلاد، وساد الخوف والإرهاب على جميع المواطنين، فقد أسرفت السّلطة الاُمويّة بالظلم، فجعلت تأخذ البريء بالسّقيم، والمُقبل بالمُدبر، وتعاقب على الظنّة والتهمة، وتسوق الأبرياء بغير حساب إلى السجون والقبور، وكان الناس في عهد زياد يقولون: انج سعد فقد هلك سعيد، ولا يوجد أحد إلاّ وهو خائف على دمه وماله، فثار الإمام الحُسين (عليه السّلام) لينقذ الناس مِنْ هذا الجور الهائل.

2 ـ احتقار الأُمّة: وكان الخط السياسي الذي انتهجه الاُمويّون العمل على إذلال الأُمّة والاستهانة بها، وكان مِنْ مظاهر ذلك الاحتقار أنّهم كانوا يختمون في أعناق المسلمين كما توسم الخيل؛ علامة لاستعبادهم كما نقشوا على أكفّ المسلمين علامة لاسترقاقهم كما يصنع بالعلوج من الروم والحبشة (1).

وقد هبّ الإمام (عليه السّلام) في ميادين الجهاد ليفتح للمسلمين أبواب العزّة والكرامة، ويحطّم عنهم ذلك الكابوس المظلم الذي أحال حياتهم إلى ظلام قاتم لا بصيص فيه من النور.

9 ـ المظالم الهائلة على الشيعة:

وذهبت نفس الإمام الحُسين أسى على ما عانته الشيعة ـ في عهد معاوية ـ مِنْ ضروب المحن والبلاء، فقد أمعن معاوية في ظلمهم وإرهاقهم. وفتك بهم فتكاً ذريعاً، وراح يقول للإمام الحُسين: يا أبا عبد الله، علمت أنّا قتلنا شيعة أبيك فحنّطناهم وكفّناهم وصلّينا عليهم ودفناهم (2).

وقد بذل قصارى جهوده في تصفية الحساب معهم، وقد ذكرنا عرضاً مفصّلاً لما عانوه في عهد معاوية، وخلاصته:

1 ـ إعدام أعلامهم: كحِجْر بن عَدِي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وصيفي بن فسيل وغيرهم.

2 ـ صلبهم على جذوع النخل.

3 ـ دفنهم أحياءً.

4 ـ هدم دورهم.

5 ـ عدم قبول شهادتهم.

6 ـ حرمانهم من العطاء.

7 ـ ترويع السيّدات مِنْ نسائهم.

8 ـ إذاعة الذعر والخوف في جميع أوساطهم.

إلى غير ذلك مِنْ صنوف الإرهاق الذي عانوه، وقد ذُعِرَ الإمام الحُسين (عليه السّلام) ممّا حلّ بهم، فبعث بمذكرته الخطيرة لمعاوية التي سجّل فيها جرائم ما ارتكبه في حقّ الشيعة، وقد ذكرناها في البحث عن حكومة معاوية.

لقد كانت الإجراءات القاسية التي اتّخذها الحكم الأموي ضدّ الشيعة مِنْ أسباب ثورته، فهبّ لإنقاذهم مِنْ واقعهم المرير وحمايتهم مِنْ الجور والظلم.

10 ـ محو ذكر أهل البيت (عليهم السّلام):

ومِنْ ألمع الأسباب التي ثار مِنْ أجلها أبو الشهداء (عليه السّلام) هو أنّ الحكم الاُموي قد جهد على محو ذكر أهل البيت (عليهم السّلام) واستئصال مآثرهم ومناقبهم. وقد استخدم معاوية في هذا السبيل أخبث الوسائل، وهي:

1 ـ افتعال الأخبار في الحطّ مِنْ شأنهم.

2 ـ استخدام أجهزة التربية والتعليم لتربية النشء على بغضهم.

3 ـ معاقبة مَنْ يذكر مناقبهم بأقصى العقوبات.

4 ـ سبّهم على المنابر والمآذن وخطب الجمعة.

وقد عقد الإمام الحُسين (عليه السّلام) مؤتمره السياسي الكبير في مكّة المكرّمة، وأحاط المسلمين علماً بالإجراءات الخطيرة التي اتّخذها معاوية إلى إزالة أهل البيت عن الرصيد الإسلامي، وكان (عليه السّلام) يتحرّق شوقاً إلى الجهاد، ويودّ أنّ الموت قد وافاه ولا يسمع سبّ أبيه على المنابر والمآذن.

11 ـ تدمير القِيَم الإسلاميّة:

وعمد الاُمويّون إلى تدمير القِيَم الإسلاميّة، فلمْ يعد لها أيّ ظلّ على واقع الحياة الإسلاميّة، وهذه بعضها:

أ ـ الوحدة الإسلاميّة:

وأشاع الاُمويّون الفرقة والاختلاف بين المسلمين فأحيوا العصبيات القبلية، وشجّعوا الهجاء بين الأُسر والقبائل العربية حتّى لا تقوم وحدة بين المسلمين.

وقد شجّع يزيد الأخطلَ على هجاء الأنصار الذين آووا النّبي (صلّى الله عليه وآله) وحاموا عن دينه أيّام غربة الإسلام ومحنته.

لقد كانت الظاهرة البارزة في شعر ذلك العصر هي الهجاء المقذع، فقد قصر الشعراء مواهبهم الأديبة على الهجاء والتفنن في أساليب القذف، والسبّ للأُسر التي كانت تنافس قبائلهم.

وقد خلا الشعر الاُموي عن كلّ نزعة إنسانية أو مقصد اجتماعي، وتفرّد بظاهرة الهجاء، وقد خولف بذلك ما كان ينشده الإسلام من الوحدة الشاملة بين أبنائه.

ب ـ المساواة:

وهدم الاُمويّون المساواة العادلة التي أعلنها الإسلام، فقدّموا العرب على الموالي، وأشاعوا جوّاً رهيباً من التوتر والتكتّل السياسي بين المسلمين، وكان مِنْ جرّاء ذلك أنْ ألّف الموالي مجموعة مِن الكتب في نقض العرب وذمهم، كما ألّف العرب كتباً في نقض الموالي واحتقارهم، وعلى رأس القائمة التي أثارت هذا النحو من التوتر بين المسلمين زياد بن أبيه، فقد كان حاقداً على العرب، وقد عهد إلى الكتاب بانتقاصهم.

وقد خالفت هذه السياسة النكراء روح الإسلام الذي ساوى بين المسلمين في جميع الحقوق والواجبات على اختلاف قومياتهم.

ج ـ الحرية:

ولمْ يعُد أيّ مفهوم للحرية ماثلاً على مسرح الحياة طيلة الحكم الاُموي، فقد كانت السلطة تحاسب الشعب حساباً منكراً وعسيراً على كلّ بادرة لا تتفق مع رغباتها، حتّى لمْ يعُد في مقدور أيّ أحد أنْ يطالب بحقوقه، أو يتكلّم بأيّ مصلحة للناس، فقد كان حكم النّطع والسيف هو السائد في ذلك العصر.

لقد ثار أبو الأحرار لينقذ الإنسان المسلم وغيره مِن الاضطهاد الشامل، ويُعيد للناس حقوقهم التي ضاعت في أيّام معاوية ويزيد.

12 ـ انهيار المجتمع:

وانهار المجتمع في عصر الاُمويِّين، وتحلّل مِنْ جميع القِيَم الإسلاميّة.

أمّا أهمّ العوامل التي أدّت إلى انهياره فهي:

1 ـ حرمان المجتمع مِن التربية الروحية: فلمْ يحفل بها أحد مِن الخلفاء سوى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)، فقد عني بها عناية بالغةً، إلاّ إنّه قد مُنِيَ بالأحداث الرهيبة التي منعته مِنْ مواصلة مسيرته في إصلاح الناس وتقويم أخلاقهم.

2 ـ إمعان الحكم الاُموي في إفساد المجتمع وتضليله، وتغديته بكلّ ما هو بعيد عن واقع الإسلام وهديه.

إنّ هذين العاملين ـ فيما نحسب ـ مِنْ أهم العوامل التي أدّت إلى انهيار ذلك المجتمع. أمّا مظاهر ذلك التحلّل والانهيار فهي:

1 ـ نقض العهود:

ولمْ يتأثم أغلب أبناء ذلك المجتمع من نقض العهود والمواثيق، فقد كان عدم الوفاء بها أمراً عادياً ومتسالماً عليه، وقد شجعهم على ذلك (كسرى العرب)، فقد أعلن في خطابه بالنّخيلة أنّ كلّ ما شرطه على نفسه للإمام الحسن لا يفي به، وعمد إلى نقض جميع الشروط التي أعطاها له.

وكانت هذه الظاهرة مِنْ أبرز ذاتيات الكوفيين، فقد أعطوا للإمام الحُسين أعظم العهود والمواثيق على مناصرته ومناجزة عدوّه، إلاّ أنّهم خاسوا ما عاهدوا عليه الله فخذلوه وقتلوه.

2 ـ عدم التحرّج مِن الكذب:

ومِن الأمراض التي أُصيب بها ذلك المجتمع عدم التحرّج مِن الكذب، وقد مُنِي الكوفيون بذلك بصورة خاصة، فإنّهم لمّا أحاطوا بالإمام الحُسين (عليه السّلام) يوم الطفّ لقتله، وجّه (عليه السّلام) سؤالاً إلى قادة الفرق الذين كاتبوه بالقدوم إليهم، فقال: «يا شبث بن ربعي، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا زيد بن الحرث، ألمْ تكتبوا إليّ أنْ قد أينعت الثمار، واخضرّ الجناب، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة».

ولمْ تخجلْ تلك النفوس القذرة مِنْ تعمّد الكذب، فأجابوه مجمعين: لمْ نفعل.

وبُهِرَ الإمام فاندفع يقول: «سُبحان الله! بلى والله لقد فعلتم».

وقد جرّوا إلى المجتمع بما اقترفوه مِن الآثام كثيراً مِن الويلات والخطوب، وتسلّح بهم أئمّة الظلم والجور إلى اضطهاد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون.

3 ـ عرض الضمائر للبيع:

وقد كان مِنْ أحطّ ما وصل إليه ذلك المجتمع مِن الانحراف والزيغ عرض الضمائر والأديان لبيعها على السّلطة جهاراً، وقد ألمعنا إلى ذلك بصورة مفصّلة عند البحث عن عهد معاوية.

4 ـ الإقبال على اللّهو:

وأقبل المجتمع بِنَهَمٍ على اللّهو والدعارة، وقد شجّع الاُمويّون بصورة مباشرة حياة المجون لزعزعة العقيدة الدينية مِن النفوس، وصرف الناس عمّا ينشده الإسلام مِن التوازن في سلوك الفرد.

هذه بعض الأمراض التي ألمّت بالمجتمع الإسلامي، وقد أدّت إلى تسيّبه وانهيار قِيَمِه.

وقد ثار الإمام الحُسين (عليه السّلام) ليقضى على التذبذب والانحراف الذي مُنِيَت به الأُمّة.

* مقتبس من كتاب حياة الامام الحسين، دراسة وتحليل، لمؤلفه الشيخ باقر شريف القرشي

.......................................
(1) تاريخ التمدّن الإسلامي.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 206.

اضف تعليق