ملفات - عاشوراء

عاشوراء يوم الصبر العظيم

ماهو معنى ومفهوم الصبر، ولماذا الصبر مهم في حياة الانسان؟ كيف نفهم الصبر في قضية عاشوراء؟ وكيف تجسد صبر الامام الحسين (ع) في قضية مقتل الرضيع؟ كيف نقرأ صبر السيدة زينب (ع) في يوم عاشوراء؟ وكيف للصبر يجعلنا قادرين على استيعاب المصائب، وماهي الخطوات اللازمة لبناء الصبر في شخصياتنا؟

كان الصبر في عاشوراء ملحمة عظيمة، بل ملحمة عاشوراء هي الصبر كله، ففي هذا الموقف الكبير وفي ذلك القتال والحصار التام حيث حوصر أهل البيت (عليهم السلام) في يوم عاشوراء، تبيَنتْ أعظم ملحمة في تاريخ البشرية، ألا وهي ملحمة صبر الإمام الحسين وأولاده وعائلته (عليهم السلام).

البعض يتصور معنى الصبر بأنه الابتعاد والتخلي وعدم الفعل، ولكن الصبر هو فعل يعبر عن قوة الاستعداد وقوة الإرادة والنفس والانضباط، لذلك يأتي الصبر مع اليقين والإيمان، لذلك إذا أردنا أن نقرن الصبر بشيء فهو مع اليقين، فعن الامام علي (عليه السلام): (أصل الصبر حسن اليقين بالله). لأن الإنسان إذا كان صاحب القضية وأراد أن يوصلها إلى الهدف المراد منه، فلابد أن يحمل صبرا كبيرا من اجل أداء مهمته، لذلك يوم عاشوراء هو يوم الصبر العظيم.

نقرأ في روايات عن الصبر، هو انتصار للإنسان، وعدم الاستسلام، فقد جاء في رواية عن الإمام علي (عليه السلام): (الصبر أن يحتمل الرجل ما ينوبه، ويكظم ما يغضبه)، مع قوة التحكم بالغضب، وعدم الانفعال، لأن الإنسان الذي ينفعل ويغضب يسيطر عليه الجزع واليأس وردّ الفعل ينهزم وينهار، لكن الإنسان الذي يتحكم بغضبه ينتصر.

لذا على الإنسان أن يكون صبورا مؤمنا دائما، ويكون حليما وحكيما، ففي رواية أخرى عن رسول الله (ص): (علامة الصابر في ثلاث: أولها أن لا يكسل، والثانية أن لا يضجر، والثالثة أن لا يشكو من ربه تعالى، لأنه إذا كسل فقد ضيع الحق، وإذا ضجر لم يؤد الشكر، وإذا شكا من ربه عز وجل فقد عصاه)، لكننا في عالم اليوم نلاحظ الكثير من الناس يعيشون الضجر والملل والشكوى والتذمر وتبرير الفشل، وهذه كلها من علامات عدم الصبر.

الصبر هو قوة للإنسان في العمل والجهاد والفعل السليم الصحيح، وهو الرضى بقضاء الله سبحانه، لأنه إذا كسل فقد ضيّع الحق، فيعيش الإنسان بالباطل وليس بالحق، لأن الحق عمل وفعل يحتاج الى استمرار، والإنسان يؤمن به ويعمل به، وإذا لم يعمل بالحق فسوف يعمل بالباطل، وهو كالإنسان الذي لا يعمل بالعلم فيكون عمله الجهل.

إذا ضجر الإنسان لن يؤدي الشكر، وهذا هو الإنسان التبريري المتذمر دائما، تراه لا يشكر الله سبحانه، ومَنْ لا يشكر الله غير موفق في حياته ولا يأتيه الرزق، لأن الرزق يأتي من خلال الشكر وهو تعبير عن الرضى بما قسمه الله، ومن ثم يكون العمل أكثر من اجل تحقيق أشياء أكثر وأعظم، كما أن الناس الذين يفشلون في أعمالهم، لا يراجعون أخطاءهم، ويلقون اللوم على الآخرين ولا يتحملون المسؤولية.

لماذا الصبر مهم في حياة الإنسان؟

الصبر مهم في حياة الإنسان لأنه يشكل شخصيته وقوته وإرادته، وللإنسان إرادة تعمل وتفعل وتفكر عبر منظومة الأخلاق والفضائل، ولابد للإنسان أن يعمل ويتحرك من اجل فعل هذا الشيء، هناك بعض الناس يواجهون صعوبات وعقبات، لأن البنيان صعب والهدم سهل.

يحتاج بناء الشخصية وتحسين السلوك إلى عمل مستمر، لذلك فإن الصبر مهم جدا في عملية بناء الشخصية والإرادة عند الإنسان، حتى يتقدم خطوة بخطوة نحو الإمام، والصبر هو الذي يسند الإنسان من اجل أن يتقدم ولا ينهزم ولا يكسل ولا يتذمر ولايبرر.

يقول الإمام علي (عليه السلام) في صفة المتقين: (صبروا أياما قصيرة، أعقبتهم راحة طويلة)، مثال ذلك الدراسة، فهناك بعض الناس يكسل عن الدراسة، ونراه راكدا يراوح في مكانه دائما، وهناك إنسان يواصل دراسته سنينا طويلة، فيصبح شخصية ناجحة من خلال الجهد المستمر الذي يقدمه، كذلك في جانب المعنويات يحتاج الإنسان إلى عملية بناء وتراكم مستمر من العمل والجهد لكي تصبح التقوى ملكة لديه.

لذا فإن الصبر هو الذي يمسك الإنسان من أن يتراجع أو يسقط، يقول رسول الله (ص): (إن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرا)، فالصبر هو طريق النجاح والنجاة، وطريق الوصول الى الهدف، وأولئك الذين وصلوا لأهدافهم حققوا ذلك بصبرهم.

يقول الإمام علي (عليه السلام): (لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمان)، ففي بعض الأحيان قد نشكو ونتذمر وهذه طبيعة البشر دائما، حيث نلوم الآخرين والظروف المحيطة او المكان الذي نعيش فيه، إن الله سبحانه وتعالى مع التيسير دائما، فبعد فترة من الزمن سوف يحدث اليسر في حياة الإنسان، بعد أن يصبر حتى يتحقق له ما يصبو إليه.

ليس هناك شيء سهل وبسيط في الحياة، لأن بناء حياة الإنسان يحتاج الى عمل وجهد مستمر، ولابد ان يكون الإنسان مثل الألماس، فعندما يستخرجونه يكون مجرد حجر، ولكن بعد أن يدق دقا كثيرا ويُصقَل يصبح جوهرة جميلة، فالصبر هو الذي يشكل جوهرة الإنسان ونجاحه وانتصاره ووصوله الى أهدافه.

كيف نفهم مفهوم الصبر في قضية عاشوراء؟

إن قضية عاشوراء قامت على الصبر من اجل الله سبحانه (وبذل مهجته فيك)، والمسيرة الحسينية التي انطلقت من المدينة ووصلت الى كربلاء، وتلك الأحداث الهائلة المؤلمة العظيمة التي رافقتها، تدل على منهجية الصبر والوصول إلى الهدف الإلهي الذي جاء من اجله الإمام الحسين (عليه السلام).

إن الإمام الحسين (عليه السلام) هو وأصحابه لم يجزعوا أبدا، فكانوا مثال الصبر في عاشوراء، وإن أحد عناوين الصبر قوة التصميم، أي أن يكون الإنسان مصمما على تحقيق الهدف، يقول الامام الحسين (عليه السلام): (لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا اللّه رضانا أهل البيت نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين)، فكل إنسان مبتلى، وهناك من يصبر على الابتلاء ويحقق الجزاء الكبير، وهناك من يجزع ويستسلم.

في يوم عاشوراء كان هناك معسكران، فريق الصابرين وفريق المنهزمين المستسلمين، فقد صنف أحد الكتاب هؤلاء المستسلمين إلى المعسكر اليزيدي الأموي وأن بعضهم جاء من اجل المادة، أو أنه حاقد على أهل البيت، وكثير منهم كانوا خائفين مستسلمين ويبكون على الإمام الحسين (عليه السلام) وهم في جيش يزيد، هؤلاء انهاروا واستسلموا في يوم عاشوراء، لأنهم لا يملكون قوة الإيمان والصبر وقوة اليقين التي تحكم وتضبط الإنسان، وعاشوراء كانت قوة اليقين الذي تجلى في صبر أهل البيت (عليهم السلام).

صبر الإمام الحسين (عليه السلام) في مقتل الرضيع

ما أعظم قلب الإمام الحسين (عليه السلام)، وكم هو قلب صبور، ولا يمكن لنا أن نجد من هو أعظم من هذا القلب، لقد كان الإمام (عليه السلام) ينظر الى أصحابه ثم أولاده ثم اخوانه واحدا بعد الآخر يقطعون أوصالا، ثم يأتي بالرضيع فيُقتل بين يديه، (عندئذٍ وضع الحسين (عليه السلام) يده تحت نحر الرضيع حتّى امتلأت دماً، ورمى بها نحو السماء قائلاً: اللّهم لا يكن عليك أَهون من فصيلِ ناقة صالح. ثمّ قال: هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله)، أي من اجل الله، فهذه قوة الصبر بعين الله، فأيّ يقين عظيم هذا، وما هذا الإيمان العظيم الذي تحلّى به الإمام (عليه السلام).

إذا كان لدى أحدنا رضيع يُصاب بمرض بسيط، تراه قلقا خائفا عليه، فكيف به والرضيع يُقتل بسهم وهو بحجر الإمام، إنها صورة مهمة تعبر عن ذلك الصبر الكبير للإمام الحسين (عليه السلام) من اجل الله، كل هذا يهون بعين الله، لأنه صاحب رسالة ومبدأ لديمومة الإسلام، واستمرارا لرسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

كيف نقلت المقاتل صبر الإمام الحسين (عليه السلام)؟

تجسدت قوة الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء، عندما قُتل اولاده واصحابه وبقى وحيدا وسقط على الارض، لاحظ كيف تعامل هذا الإمام العظيم مع هذا الوضع وبماذا تكلم واعطى الرسالة المطلوبة في قضيته، في رواية يقول الامام زين العابدين في وصف الإمام الحسين (عليهما السلام): (كان كلما يشتد الأمر يشرق لونه، وتطمئن جوارحه)، فقال بعضهم من الذين ينقلون المقاتل: (انظروا كيف لا يبالي بالموت)، ويقول عبدالله بن عمار: (فو اللّه ما رأيت مكثورا قد قتل أولاده وأصحابه اربط جأشا منه، ولا أمضى جنانا منه، وو اللّه ما رأيت قبله ولا بعده مثله..).

إن هذه المواقف تعطينا دروسا يجب علينا ان نتعلمها في حياتنا، لاحظ دعاء الإمام (عليه السلام) حيث اتجه في تلك اللحظات الأخيرة الى اللّه فأخذ يناجيه ويتضرع إليه بقلب منيب ويشكو إليه ما ألم به من الكوارث والخطوب قائلا: (صبرا على قضائك لا إله سواك، يا غياث المستغيثين، مالي رب سواك ولا معبود غيرك. صبرا على حكمك، يا غياث من لا غياث له، يا دائما لا نفاد له يا محيى الموتى، يا قائما على كل نفس احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين).

إنها حياة الخالدين والعظماء، لذلك أصبح الامام (عليه السلام) مصباح هداية وسفينة نجاة، لأنه قمة النموذج العظيم الذي يحتاجه كل انسان منا في حياتنا، في الماضي والحاضر والمستقبل.

كيف نقرأ صبر السيدة زينب (ع) في يوم عاشوراء؟

هذا جانب آخر من قضية الصبر، يقال أن السيدة زينب (عليها السلام) جبل الصبر، وحتى الجبل لا يقاس بقلب السيدة زينب، وإنما لتقريب الصورة، فلا يُقاس هذا القلب العظيم بأكبر الجبال، إنها امرأة قُتل أمام عينيها الحسين والعباس وأولادها واخوانها، وبقت وحيدة في حصار ذلك الجيش الكبير الذي هجم عليهم، واحرق الخيام، فيا لهذا هذا الصبر الكبير، وبقيت صامدة فإرادتها قوية لم تتزحزح.

كلماتها عظيمة في معانيها، كل كلمة تقولها السيدة زينب (عليه السلام) كانت تجسد قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، فحينما وقفت عليها السلام على جثمان أخيها العظيم الذي مزقته السيوف، وجعلت تطيل النظر إليه ورفعت بصرها نحو السماء وهي تدعو بحرارة قائلة: (اللهم تقبل هذا القربان).

لقد أسقطت قضية الامام الحسين (عليه السلام) الدولة الاموية، واسقطت دولا كثيرة أعقبت الدولة الأموية، كما توضح ذلك في موقف السيدة زينب (عليه السلام) عندما وقفت أمام الطاغية يزيد وهزته هزا، وأسقطت ذلك الطاغية (يزيد) وحطمت غروره، بعد تلك الكلمات العظيمة التي ألقتها في الكوفة وفي الشام.

ففي خطبتها في الشام نرى الإمام علي (عليه السلام) في بلاغته، فما أعظم تلك الكلمات لغةً ومعنى وبلاغةً، ونلاحظ ذلك التجسيد الكبير لـ فاطمة الزهراء (عليها السلام) في شجاعتها وهيبتها، حيث تقول: (فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جاهدك. فو اللّه لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا ولا يرخص عنك عارها، وهل رأيك الا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك الا بدد، يوم ينادي المنادي الا لعنة اللّه على الظالمين).

لقد دمرت يزيد تدميرا كاملا في ذلك اليوم، وهذا هو انتصار الصابرين والعظماء من أهل البيت (عليه السلام)، فالصبر يتجسد في حياة أهل البيت (عليه السلام)، بمواقفهم وسيرتهم وكلماتهم العظيمة، فهذه الكلمات تعبر عن ذلك الصبر الكبير للإنسان الذي يتكلم بذلك المنطق العميق، فكم هو منطق مؤثر وبلاغة عظيمة جسد معنى الصبر الجميل وجمال الصبر، فقد (روى السيّد ابن طاووس: «أنَّ ابْنَ زِيَادٍ جَلَسَ فِي الْقَصْرِ لِلنَّاسِ وَأذِنَ إِذْناً عَامّاً، وَجِي‏ءَ بِرَأْسِ الحُسَيْنِ عليه السلام، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأُدْخِلَ نِسَاءُ الحُسَيْنِ وَصِبْيَانُهُ إِلَيْهِ، فَجَلَسَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ عليها السلام مُتَنَكِّرَةً، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ: هَذِهِ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ.

فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي فَضَحَكُمْ وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَكُمْ. فَقَالَتْ: إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ، وَيَكْذِبُ الْفَاجِرُ، وَهُوَ غَيْرُنَا. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ الله بِأَخِيكِ وَأَهْلِ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلاً، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَبَرَزُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَسَيَجْمَعُ الله بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فَتُحَاجُّ وَتُخَاصَمُ، فَانْظُرْ لِـمَنِ الْفَلْجُ يَوْمَئِذٍ، ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا بْنَ مَرْجَانَةَ).

كيف للصبر أن يجعلنا قادرين على استيعاب المصائب؟

من أهم القضايا التي نستفيد منها في النهضة الحسينية ومن مأساة الامام الحسين (عليه السلام)، أن نستوعب المصائب التي تدور في حياتنا، فعندما يتوفى شخص، يذهبون به إلى القبر ويدفنونه يذكرون قصة الامام الحسين (عليه السلام)، وإذا كان شابا يقرأون قضية علي الاكبر، وإذا كانت امرأة يذكرون مصيبة السيدة زينب او فاطمة الزهراء (عليه السلام)، لأن المصائب التي مر بها أهل البيت عندما يقرأها او يسمعها الانسان تهون عليه مصيبته.

تقول الآية القرآنية: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون).

فالابتلاء هو تكامل للإنسان، وتكميل لشخصيته، والانسان الذي لا يُبتلى تكون شخصيته ضعيفة، بعض الناس يعزل نفسه بالبيت بعيدا عن الناس، ويبحث عن السهولة والسكون، فتكون شخصيته ضعيفة وهشة، لكن الإنسان الذي يدخل في ابتلاءات وتحديات ويواجه القضايا الصعبة دائما، يكون عنده نوع من القوة والثبات في الشخصية.

لذلك نقرأ في القرآن (وبشر الصابرين)، لأن الصابر دائما تكون لديه نجاحات في حياته، ويقول الإمام علي (عليه السلام) في عملية استيعاب المصيبة: (إنك إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور). فالمقادير ستجري سواء صبرت أم لم تصبر، وعنه (عليه السلام): (من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع).

أي أن الإنسان الذي يمر بمصيبة ولا يصبر، يصبح لديه مشكلتين، الأولى: المصيبة التي يمر بها، والثانية: مشكلة الجزع، فيصبح الهلاك حتميا، بينما يستطيع الإنسان الصابر أن يستوعب المصيبة ويحتويها، وبالتالي يتجاوز الآثار التي تنشأ منها.

الخطوات اللازمة لبناء الصبر

الاستقامة مهمة جدا في حياة الإنسان، (فاستقم كما أُمرت)، ولابد أن لا يتزلزل الانسان في مواجهة التحديات، هذه نقطة مهمة جدا، ولابد أن نلتزم بها لأنها تسير بنا الى النقطة الثانية: الإيمان، فأغلب الناس ينهارون بسبب تزعزع إيمانهم، في حين من المهم جدا أن يكون الانسان صحاب ايمان قوي لا يتزعزع ولا ينهار ولا يستسلم. فعن رسول الله (ص): (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك اذا ذهب الصبر ذهب الإيمان).

يجب على الإنسان ان يحافظ على إيمانه من خلال استذكار المواعظ، والرضى بالله سبحانه وقضائه، واستذكار مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، يقول الإمام علي (عليه السلام): (لا يتحقق الصبر إلا بمقاساة ضد المألوف)، فهناك من يذهب مع الناس أينما يذهبون، ويميل معهم أينما مالوا إن سرقوا يسرق معهم، ولاينعق مع كل ناعق فيتأثر كثيرا بالأجواء والاعلام وشبكات التواصل والتضليل الذي يستهدف العقول.

الإنسان الصبور هو الذي لا يتأثر بما يراه عند الناس، فيسير في بعض الاحيان عكسهم، يرى الناس يرتكبون الحرام لكنه يعمل العكس تماما، أو قد يذهبون وراء الفساد، وهو لا يذهب معهم نحو ذلك، فيكون صبورا في مواجهة الحرام، ويمتثل الى طاعة لله، لأن أحد أوصاف الصبر ان يكون صبورا في مواجهة المعاصي، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تفسير الصابرين: (الذين يصبرون على طاعة الله وعن معصيته، الذين كسبوا طيبا، وأنفقوا قصدا، وقدموا فضلا، فأفلحوا وأنجحوا). وعن الإمام الصادق (عليه السلام) لما سئل عن الصابرين المتصبرين: (الصابرون على أداء الفرائض، والمتصبرون على اجتناب المحارم).

علم نفسك التصبر

أما التصبر، فهو مرتبة كبيرة من الصبر يحتاج الإنسان أن يتعلمها، فيصبر نفسه عندما يقع في موقف صعب أو ابتلاء معين، فيذكر قضية علي الاكبر والإمام الحسين والسيدة زينب وأبا الفضل العباس (عليهم السلام) ويفهم كيف صبر أهل البيت (عليه السلام) فيحاول ان يتصبر لتكون إرادته قوية منضبطا متأملا لعواقب الأمور. وعن الامام علي (عليه السلام): (من توالت عليه نكبات الزمان أكسبته فضيلة الصبر).

وجاء في رواية عن رسول الله (ص): من يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، وما أعطي عبد عطاء هو خير وأوسع من الصبر). فإذا يستعفف الفقير او يستغني يعطيه الله سبحانه مكافأة على صبره ويغنيه، وعندما يصبر الإنسان المؤمن على عدم المعصية ويثبت على طاعة الله سبحانه الله، يعطيه ويوفيه أجور الصابرين (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ).

علم نفسك التصبر وروضها على ذلك حتى تصبح عادة دائمة، الإنسان الصبور ليس لديه قرارات سريعة ولا ردود افعال سريعة، فإن سبه أحد لا سامح الله لا يرد عليه بالمثل لأنه صبور: (وإذا مروا باللغو قالوا سلاما)، كذلك إذا واجهك أحد في قضية عنف يجب أن تتحكم بغضبك، تكظم غيظك. بعض الناس كظموا غيظهم وعودوا أنفسهم على الصبر والتصبر، ولم يتخذوا موقفا متسرعا، فكان هذا السلوك كنتيجة أفضل، ولو كانت هناك ردة فعل سريعة على الشخص المعتدي، ستكون هناك حرب استنزافية، كما نلاحظ ذلك في الحياة الاسرية والاجتماعية حيث تحدث المشاكل بين الأسر وبين أفراد الأسرة الواحدة، والمشاكل اجتماعية بين الجيران بسبب فقدان الصبر والتصادم الانفعالي. فعن الإمام علي (عليه السلام): (الصبر أن يحتمل الرجل ما ينوبه، ويكظم ما يغضبه).

أما إذا كان هناك صبر وتعود على التصبر، فسوف ينطفئ النزاع بسرعة، وتنتهي الأزمة، وكل هذه الازمات التي نراها في مجتمعاتنا تحدث بسبب عدم الصبر، لذلك اذا اردنا ان نعيش حياة سعيدة، لابد ان نمتلك الصبر والتصبر، ويجب أن يكون الصبر عملية سلوكية ونفسية وروحية مستمرة في حياتنا من اجل ان نعيش حياة سعيدة. وقد قال تعالى: (ولمن صبر وغفر إنّ ذلك لمن عزم الأمور)، وعن الإمام علي (عليه السلام): (عود نفسك التصبر على المكروه، ونعم الخلق التصبر في الحق). وعنه (عليه السلام): (التصبر على المكروه يعصم القلب). عنه (عليه السلام): (أفضل الصبر التصبر).

أفضل عملية لبناء الصبر والتصبر في شخصيتنا تكمن في الاستفادة من اهل البيت (عليهم السلام)، لاسيما صبر الإمام الحسين (عليه السلام)، نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من الذين تعلموا الصبر من نهضة عاشوراء.

* نص حوار من مجموعة حوارات بثت على قناة المرجعية في أيام عاشوراء 1443

اضف تعليق