قال الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام):

من أتى قبر الحسين (عليه السلام) (عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر).

عندما يأتي الزائر الى زيارة الامام الحسين (عليه السلام) لابد ان يكون عارفا بحق سيد الشهداء معرفة كبيرة، ولكن معرفة مقامه شيء أكبر من ادراكنا وما نقدر عليه هو التعرف على منهج الامام الحسين (عليه السلام).

وحين يقول: (وما تقدم) أي حين يغفر الله الذنوب لزوار الامام الحسين (عليه السلام) أي في ما مضى، (وما تأخر) معناه التغيير الكامل للإنسان في المستقبل من خلال الاستلهام من المنهج الحسيني في الحاضر والاعتبار من الماضي والاستعداد للمستقبل. فزيارة الامام الحسين (عليه السلام) برنامج تربوي متكامل يهدف الى التغيير الفردي والاجتماعي عبر محاسبة النفس والاستغفار وإصلاح الذات والمجتمع.

وفي زيارة الاربعين يقول الامام الصادق (ع): (وبذل مهجته فيك، ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة).

فالإمام الحسين (عليه السلام) نهض من اجل ان ينقذ الامة من الرذيلة الى الفضيلة ومن الخضوع الى الحرية ومن السكينة الى الكرامة، وينتشلهم من الركود الى التقدم، ومن الشر الى الخير، وهذا هو الهدف من المنهج الحسيني لذلك حين نزور الامام الحسين (عليه السلام) وجب علينا ان نكون عارفين ومؤمنين بمنهجه ونقرأ سيرته ونتعمق في كلماته ونتبعه بمعرفة تامة، والزيارة هي فرصة من اجل التغيير الاجتماعي نحو السلوكيات الحسنة.

تدمير المجتمع في انعدام المسؤولية

ان من اهم الأهداف في قضية الامام الحسين (عليه السلام) هو التغيير الاجتماعي ذلك ان أي تحول في مختلف المستويات لايمكن ان ينجح اذا لم يكن هناك تحول اجتماعي، فمثلا حين تبني أفضل مدرسة وفيها أكفأ المدرسين ولكن القيم فيها بائسة، قائمة على العنف والتلقين سيكون التعليم فاشلا لأنها سلسلة مترابطة فتحتاج الى قيم حقيقية صادقة قائمة على ممارسة اللين والاقناع والحوار لتحقيق التعليم العميق والابداع وبناء الاخلاقيات الإنسانية، لذلك فإن الذي يمارس العنف ضد ابناء مجتمعه لايمكن ان يكون من اتباع المعصوم (عليه السلام) لان منهجهم ضد العنف والظلم والاكراه. وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن الله عز وجل رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويحب كل قلب خاشع حزين رحيم، يعلم الناس الخير ويدعو إلى طاعة الله). وعنه (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): (يا علي، من صفات المؤمن أن يكون... ضحكه تبسما، واجتماعه تعلما، مذكّر الغافل، معلم الجاهل).

وأول شيء نحتاجه من اجل التحول الاجتماعي هو بناء المسؤولية الانسانية في المجتمع. ففي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم). والمسؤولية هي اساس المجتمع الناجح واذا تحملنا المسؤولية جميعنا ساهمنا في بناء المجتمع لبنة لبنة.

والطاقات موجودة ولكن الاغلبية سلبيون سلبية مدمرة مقتنعين اننا نعيش في مجتمع متهالك لا جدوى منه ولاتنفع معه الإصلاحات، وهناك مفردات يستخدمها البعض مثل (شعلية معلية شبدية) فاذا الاغلبية تقول هكذا انتشر وباء اللامبالاة والتهرب من المسؤولية، فاذا التاجر تهرب والموظف ورجل الدين والجامعي فنصل الى مجتمع اناني غير مصلح يستولي عليه الانحراف والعبث.

على الرغم من ان الله تعالى دائما في قرآنه الكريم يوجه الانسان نحو الامام (وعلى الله فليتوكل المتوكلون) ومعناه العمل بكل إيجابية. فعن الإمام الصادق (عليه السلام): (لما سئل عن حد التوكل: أن لا تخاف مع الله شيئا). وقال (عليه السلام): (أدنى حد التوكل أن لا تسابق مقدورك بالهمة، ولا تطالع مقسومك، ولا تستشرف معدومك، فتنقض بأحدهما عقد إيمانك وأنت لا تشعر). وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله). وعنه (صلى الله عليه وآله): (من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى). وعن الإمام الباقر (عليه السلام): (من توكل على الله لا يغلب، ومن اعتصم بالله لا يهزم).

واهم نقطة ان تراكم القيم السيئة تصنع مجتمعا سيئا والعكس بالعكس، لذلك نحن نحتاج ان نذهب الى رواية اهل البيت (عليهم السلام) ونستخرج منها القيم النبيلة مثل الصدق والأمانة واللين والصفح والعفو والتعاون، وننبذ القيم السلبية مثل: الاستبداد، الاحتكار، التهميش، التعصب الكذب الكراهية، فهذه السلوكيات هي من تدمر المجتمع وتسلب الثقة وتفكك المجتمع.

وهناك من لايحترم اي شيء مثل الشارع، الاماكن العامة، المال العام. برغم ان ثقافة الاحترام قيمة كبيرة طرحها اهل البيت كثيرا في رواياتهم. فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطفه بها، أو مجلس يكرمه، لم يزل في ظل من الله تعالى ممدود عليه الرحمة، ما كان في ذلك). وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله نظر إلى الكعبة فقال: مرحبا بالبيت ما أعظمك وأعظم حرمتك على الله؟! والله للمؤمن أعظم حرمة منك، لان الله حرم منك واحدة، ومن المؤمن ثلاثة: ماله، ودمه، وأن يظن به ظن السوء.

المواطنة واهميتها في عملية الاستنقاذ

المواطنة مفهوم كبير ونستطيع ان نقول ان زيارة الاربعين ساهمت في بناء مفهوم المواطنة ولكن نحتاج الى الاستمرارية ونحن نبحث عن وطن والوطن يحمي الانسان ويدافع عن كرامته ويحمي حقوقه وحريته المشروعة ويوفر له الهوية والسكن والتعليم، ويأتي من خلال تحقيق البناء الاجتماعي المشترك، والاستنقاذ هو المبادرة ونحن مطالبون بهذه المبادرات سواء أكان منظمات المجتمع المدني او المؤسسات الاعلامية او الجامعات او الحوزات او المدارس والجميع مطالب بالاستنقاذ من اجل بناء البلد وتحقيق المواطنة.

فالإنسان الذي لا يملك منزلا ويشعر ان حقوقه مسلوبة تجده لا يملك روح المواطنة لأنه يرى ان الوطن لم يعطه حقه وربما يتحول الى مجرم وعنيف، وكذلك التلميذ الذي يضرب ويحتقر في المدرسة او في البيت او في الشارع.

ومفهوم المواطنة يجب ان يحقق العدل الاجتماعي لنا جميعا وهذا يحتاج الى عملية مبدئية قائمة على الاحساس بالمسؤولية والمبادرة وتحمل المسؤولية.

ويحتاج مفهوم المواطنة الى بناء سلسة من قيم التعليم والتربية والحرية وبناء فكري واسع يأتي من خلال البيت والبيئة والمدرسة فهي عملية تكاملية، وبناء ثقافة الحصول على الحقوق فالحقوق المسلوبة لا تحفز على المواطنة.

والمواطنة كما هي سبب في التغيير ولكن قبل ذلك هي نتيجة لتحقيق مجموعة مقدمات وقيم لابد ان نبادر بها لاستنقاذ الناس، لابد ان نربي مجتمعنا من خلال استخدام اللاعنف وتعزيز التسامح، واليوم نرى العنف مستشر مثل الاب الذي يتعامل بعنف مع اولاده والمعلم كذلك في المدرسة وهذا العنف يخرج اطفال غير متسامحين في المستقبل.

نحتاج الى تعزيز مجتمع من القيم القائمة على اللاعنف والتسامح والاستنقاذ عبر منهج اهل البيت (عليهم السلام) لانهم القمة في التسامح وخير مثال، واللين بالمعاملة وهذه المعاملة تجعل الانسان يشعر بالكرامة والانسانية وهذه المشاعر هي من تولد الاحساس بالمواطنة والانتماء للوطن فكيف نريد من شخص مسلوب الحرية والكرامة أن يشعر بالمواطنة؟

وعن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (المؤمن أعظم حرمة من الكعبة). وعنه (عليه السلام) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله تبارك وتعالى: ليأذن بحرب مني من آذى عبدي المؤمن، وليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن، ولو لم يكن في الأرض ما بين المشرق والغرب إلا عبد واحد مع إمام عادل لاستغنيت بهما عن جميع ما خلقت في أرضي، ولقامت سبع سماوات وسبع أرضين بهما، وجعلت لهما من إيمانهما انسا لا يحتاجون إلى انس سواهما).

بلوغ معايير اهل البيت (ع)

ان عملية ترسب الصراعات وتولدها هي نتيجة لعدم وجود ثقافة اجتماعية قائمة على كيفية التعامل مع الآخر فيقولون –مثلا- يعبر عن منطق الظالمين (اذا ضربك احدهم ارجعها بقوة) نحن نحتاج اليوم الى التعامل بالاحتواء والصبر لان الصبر فضيلة والقرآن ذكر كثيرا الصبر، وزائر الحسين الحقيقي هو صبور ومتسامح لأنه من المفترض ان يعرف المعرفة الحقة منهج اهل بيت رسول الله. وقد قال الله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)، وروي عن الإمام علي (عليه السلام): (أيها الناس عليكم بالصبر، فإنه لا دين لمن لا صبر له).

الدول العالمية تضع مؤشرات لقياس مستوى تقدمها او تأخرها وتسمى معايير مثل معايير الجودة والربح والاستقرار، والمسلم الحقيقي والشيعي عليه ان يقرأ ويستكشف هذه المعايير التي وضعها اهل البيت ويطبقها على نفسه وينشرها بين الناس.

ومن المعايير ان يمارس زائر الامام الحسين (عليه السلام) الاخلاقيات الجيدة وأن يأتي الى قبر الحسين (عليه السلام) بقلبٍ سليم وإخلاص صاف، لكي نستنقذ أنفسنا بالخلق الحسن والتعايش والتصالح.

الصدقة الجارية في تربية الاباء

الآباء هم المسؤولون الاكبر في دعمهم لأبنائهم، فاذا رأيت ابن فاشل في حياته المستقبلية فاعلم ان والده كان السبب الاكبر في فشله وبالعكس، فالأب ليس فقط يطعم اولاده بل لابد ان يربيه ويعلمه السلوكيات الصالحة ويعمل على تثقيفه، ولابد ان يكون صبورا على ابنه ويمارس عملية التربية بالإقناع والحوار والاحترام، ولا يعتبر نفسه صاحب السلطة المطلقة عليه، فالتربية الصالحة تنتج انسانا ناجحا، بعض الناس يترحمون على آبائهم بسبب التربية الصالحة وهذه هي الصدقة الجارية. فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (حق الولد على والده أن يعلمه الكتابة، والسباحة، والرماية، وأن لا يرزقه إلا طيبا)، وعنه (صلى الله عليه وآله): (رحم الله من أعان ولده على بره، وهو أن يعفو عن سيئته، ويدعو له فيما بينه وبين الله)، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (بر الرجل بولده، بره بوالديه). وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم). والابن الذي لا يبر والديه او لا يصلهم لا يحمل معيار اهل بيت رسول الله.

وصلة الرحم من اهم ثمار زيارة الاربعين فمن عنده مشكلة مع اهله او اي شخص عليه باستثمار هذه الزيارة ويذهب ليصالحه وان كان ذلك الشخص هو المخطيء. فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك).

* من حوار بث على قناة المرجعية الفضائية سابقا مع إضافات جديدة

اضف تعليق