المهمة الاساس للهيئات الحسينية إقامة الفعاليات المختلفة لإحياء ذكرى استشهاد الامام الحسين، عليه السلام، من إقامة مجالس الوعظ والإرشاد، وتسيير مواكب العزاء في الشوارع، إن كانت في المدن المقدسة، فانها تتخذ من المرقد الشريف نقطة النهاية، كما هو الحال في مدينة كربلاء المقدسة.

تتميز هذه الهيئات، منذ ولادة الفكرة في بدايات القرن الماضي، بدورها الاجتماعي والثقافي، فهي تجمع شرائح المجتمع حول قضية واحدة وفي زمن واحد، وتحديداً شريحة الشباب كونهم يحملون اكثر من غيرهم القدر الأكبر من الحماس والقوة والتفاعل مع قضية هي بالاساس مصدر لإثارة الحماس والمشاعر في النفوس، ولذا نجد معظم الفعاليات الحسينية، وإن كانت تُدار من قبل كبار في السن، ومن ذوي الخبرة الطويلة، بيد أن الحركة في الشارع وفي داخل الهيئات؛ من الحضور تحت المنابر، او إقامة مجالس اللطم، وغيرها من الشعائر الحسينية، وايضاً أعمال الطبخ لإطعام المعزين، وغيرها كثير من الخدمات والفعاليات، تقام على يد جحافل الشباب المتحفّز.

كل هذا يجري خلال شهري محرم وصفر فقط، وما أن ينتهي الشهرين بدخول اليوم الأول من شهر ربيع الأول حتى تغيب عن الساحة الاجتماعية تلك الفعاليات، ولن نجد أثراً لكل ذلك الحماس من الهيئات والحسينيات، إلا من بعض البرامج الاسبوعية لقراءة وتعليم القرآن الكريم، او قراءة الأدعية المأثورة.

مختبر القيم والمبادئ الحسينية

نتحدث عما ضحى الإمام الحسين من أجله في كربلاء يوم عاشوراء عام 61للهجرة، و من أجله انتهكت حُرمت أهل بيت رسول الله بسبي النساء والاطفال في شوارع الكوفة والشام، كما نتحدث ايضاً عن الآثار المفترضة لتلك القيم والمبادئ في حياتنا اليومية، بيد أن المشاركة الكبيرة والحماسية لا تمنع السؤال الكبير الذي ينطلق على ألسن البعض: لماذا –إذن- نعود بعد عاشوراء والاربعين الى الكذب والغش والنفاق والتجاوز على حقوق الآخرين؟!

الاجابة عن هذا السؤال الكبير نجده في الهيئات الحسينية داخل المدن وفي الاحياء السكنية التي أقامت المجالس وبرامج العزاء، ومنها انتشر الحديث عن المساواة والحرية والكرامة والإصلاح، فهل نعيش هذه المفاهيم خلال شهرين فقط؟ وماذا عن العشرة أشهر الاخرى؟

ربما يكون الإصلاح أكثر ما يبحث عنه الناس ويشكون الآثار المدمرة لغيابه، وبإمكان الهيئة الحسينية، وإن كانت صغيرة وبسيطة من حيث الظاهر والامكانات، أن تجد مصاديق عملية لهذه القيمة الحضارية العليا في الاسلام من أبسط شيء مثل؛ نظافة الطرق الفرعية للاحياء السكنية، والتعاون مع البلدية وعمال النظافة على أن تكون للنفايات مكان مخصص بحاوية كبيرة، وفي خطوة متقدمة اخرى؛ نصب حاويات متعددة لجمع نفايات مختلفة (الزجاج، والورق، والمعادن، والمواد الغذائية) ، كما معمول به في عديد دول العالم النامي والمتحضر، من اجل تسهيل المهمة على معامل تفكيك النفايات وتدويرها.

في حياتنا اليومية هنالك الكثير من المسائل البسيطة بحاجة الى تنظيم و إدارة حتى لا تتحول الى مشاكل كما هو الحاصل اليوم، وحتى لا تتحول الى ألغام وسط العلاقات الاجتماعية بين الجيران والاصدقاء في المناطق السكنية.

الهيئات الحسينية من شأنها ان تكون مركز تنظيم شؤون المواطنين –إن جاز التعبير- بما يشبه الإدارة الذاتية، تستقبل الافكار والآراء لتتم مناقشتها وإنضاجها ومن ثمّ التحول الى التطبيق العملي بالتعاون مع الاغلبية المتفاعلة.

اذا نجحنا في إطار الاحياء السكنية، وفي مسائل بسيطة، بالامكان التوسع الى ميدان العمل والسوق للإسهام في إدارة مسائل أكبر وأهم مثل؛ الأماكن المناسبة لباعة الخضار والفاكهة والدجاج والاسماك وغيرها، ثم مناقشة مشكلة التجاوز على الأرصفة والاماكن العامة رغم تعقّد المشكلة وتشابكها مع ملفات اخرى؛ سياسية وأمنية وعشائرية، بيد أن الهيئة الحسينية لما لها من خلفية حضارية وإطار مقدس تبتعد كل البعد عن "الشخصنة" والمصالح الذاتية والفئوية، وبحضورها الفاعل والقوي في الساحة أن تسهم في صياغة حلول وبدائل نابعة من إرادة جمهور عريض.

الإجابة عن الاستفهامات الحائرة

كلما كان الناس أعمق في ثقافتهم ووعيهم، كانوا أقوى على التأثير على الواقع الذي يعيشونه، وأقدر على حل مشاكلهم بكل ثقة واطمئنان بالنتائج، لأن مسائل مثل الحقوق والحريات والأخلاق لابد ان تكون واضحة وجليّة في ضوء معطيات النهضة الحسينية لتكون النموذج الحيّ لما يعيشه الناس، مثلاً؛ أن يكون الانسان مسالماً لا عنيفاً؛ لابد من معرفة الآلية التي استخدمها الامام الحسين، عليه السلام، خلال حركته الإصلاحية، وتحديداً لحظة التقائه بأول كتيبة لجيش عمر بن سعد، و كانت بقيادة الحُر الرياحي، وكيف أنه أثبت، والى آخر لحظة في حياته بأنه لم يكن رجل حرب ولا قتال، إنما هو رجل إصلاح ونُصح وبناء للإنسان. وكذا مسألة الحرية الفردية، وكيف يعلمنا الإمام إطلاق حرية الاختيار ثم تحمّل مسؤولية هذه الحرية وعواقبها.

وثمة مسائل عدّة لها مدخلية بالحياة الاجتماعية، وعلاقة الناس بالحاكم، بل وفلسفة الحكم والقانون والنظام ومسائل قيمية اخرى باتت اليوم عبارة عن اسئلة –في معظمها- تدور في أذهان الكثير –لاسيما الشباب- بل وتحولت الى مصدر للتشكيك والإيهام بوجود تناقضات بين القيم والواقع، لابد من تسليط الضوء عليها دون هوادة لتوضيحها بشكل كامل، مثل؛ العلاقة بين الاخلاق والقانون، وبين الدين والسياسة، وهل ان العاطفة والبكاء والمظلومية كافية لانتصار الحق على الباطل؟ أم هناك آليات وسبل اتبعها الأئمة الاطهار، وتحديداً الإمام الحسين، عليه السلامن يوم عاشوراء؟

الاجابات والمناقشات حول كل ذلك ممكن في ندوات مفتوحة للشباب، بل ولعامة الناس، وأن يكون للمرأة حضورها المميز في هذه الفعاليات لما لها من صلة مباشرة بمعظم المشاكل والازمات الاجتماعية، وامكانية إسهامها في حل الكثير من المعضلات في ميدان التربية والتعليم وتنظيم العلاقات الاجتماعية البناءة، ولمكافحة ظواهر سيئة مثل العنف الأسري.

الهيئات والحسينيات عليها أن تفتح ابوابها أكثر من الساعات التي تفتح فيها المساجد والجوامع ابوابها للصلاة، لانها تحمل اسم الامام الحسين، عليه السلام، الذي استشهد من أجل إقامة الصلاة، كما فعل من قبله أمير المؤمنين في حربه ضد معاوية، و أن تكون لهذه الصلاة روح تدب في حياة الطفل والمرأة والرجل داخل البيت، وفي جميع أرجاء المجتمع، وتتحقق الآية الكريمة على أرض الواقع: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، هذا النهي لن يكون إلا بتعميق الوعي والثقافة لدى الناس.

اضف تعليق