هناك طرق عدة لنشر الإسلام الحقيقي الذي جاء به النبي محمد (ص)، لجعل البشرية عبارة عن تجمّع واعٍ ومثقف، ويدرك أن الخلاص قائم على المفكرين الواعين الذين يساعدون الناس على الإدراك بأن التعايش السلمي ومراعاة حقوق الآخرين، هو أساس الحياة الكريمة، وهنا لابد من القول بأن المنبر الحسيني والمجالس الحسينية، كان لها دور كبير في بيان وتوضيح أن الدين جاء واعظا للناس وناصحا لهم، كما جاء في الحديث النبوي الشريف (إنما الدين النصيحة)، ومن هذا المنطلق ندرك أن بناء المجتمع وتقويمه قائم على أساس الأفكار التي يطرحها رجال الدين من على المنابر الحسينية.

لقد كان الإمام علي (عليه السلام)، في خطبه البليغة والشهيرة، يقدم للناس ما يحتاجونه فعلا من خلال المنبر، ويراعي ما يلامس مشاعرهم ومعنوياتهم واحتياجاتهم الفعلية والنفسية، وكانت خطبهُ عبارة عن مواعظ ونصائح يستفيد منها الناس قديما وإلى يومنا هذا، وقد طرح (ع) في مضامين خطبه مبادئ الإسلام وقيمه الصحيحة، وفي مقدمتها الإنصاف والمحبة واللاعنف والعفو، وهي قيم عظيمة أخذها الإمام الحسين (ع) وعمل بها.

لذلك نستطيع من خلال المنابر والمجالس الحسينية، تنمية وتطوير القيم المعنوية لدى الناس وإبعادهم عن القيم المادية السيئة، عبر طرح الأفكار التي تبيّن بأن الإنسان ما أن يسعى إلى منفعة غيره، فإن الله سوف يجزيه عن ذلك بمنفعة أكبر، وتجدر بنا الإشارة - ونحن في شهر محرم الحرام -، أن نستذكر القيم والمواعظ المذكورة في خطب الإمام الحسين لاسيما في وقفته العظيمة بمعركة الطف ورفضه لظلم يزيد وحرفه لمسيرة الإسلام.

الإمام (ع) لم يخرج أشرا ولا بطرا وإنما خرج لطلب الإصلاح في أمة جده الرسول الأكرم (ص)، وعليه يجب التذكير دائما عبر المجالس الحسينية على أن الغاية منها، إيصال الثقافة الإسلامية ونشر الوعي والفكر الحسيني العظيم الذي يضمن للمجتمع، أي مجتمع كان، حياة أفضل على مستوى العالم أجمع.

ولغرض البحث أكثر في هذا الموضوع، توجهت (شبكة النبأ المعلوماتية)، إلى عدد من المهتمين، واستطلعت آراءَهم عبر السؤال التالي: ما هو دور المجالس الحسينية في نشر الوعي الثقافي بين أفراد المجتمع، وما آفاق تطويرهِ؟

البعد الروحي الكبير للمجالس الحسينية

الكاتب الإعلامي علي الخباز أجابنا عن دور المجالس الحسينية في نشر الوعي الثقافي: يمتلك المنبر الحسيني متنفسا مهما للمعاني الروحية في زمن طغيان المادة، تنوع هذه المجالس وزيادة عددها تفرز لنا خطباء كبار على مستوى الشيخ الوائلي، والشيخ هادي الكربلائي، وعبد الزهراء الكعبي، وتبرز لنا إمكانيات الخطباء المؤثرين اجتماعيا وفكريا، القضية الأولى هي قضية طموحنا الذي لا يقف عند حد وإنما نطالب المنبريين بمستويات أداء ناضجة فكريا، وعلينا أن نشير لمسيرة هذا المنبر ومرتكزات الوعي ومديات التأثير.

كان في السبعينيات هناك تأثير اجتماعي كبير على الناس بحيث له القدرة على قيادة الجمهور لقلة وجود المؤثرات المنافسة، من تلفزيونات وفضائيات والوسائط الالكترونية، هذا مرتكز، المرتكز الثاني، إن الخطاب يوجه للاستقبال المباشر والمحصور بعدد محدد ونفس الهوية ومن أبناء الانتماء الواحد، اليوم انفتاح الخطاب المنبري صار يُبث عبر الأثير وبالعديد من وسائط البث تنوع الجمهور، يعني تنوعت الهويات والانتماءات الدينية والمذهبية، فتحول الخطاب من المحلي الى الكوني.

مثال اليوم يتم تقديم صورة وصفية تفضح حقيقة يزيد للعالم، رجل يشرب الخمرة، الغرب ليس لديهم مشكلة مع الخمرة، أغلب الشعوب يستقبلونها كحسنة ليزيد ويلاعب القرود والكلاب وهذه هي أوربا وحضارة أوربا، ورأفتهم بالحيوان أكثر من احترامهم لإنسانيتهم، لو رجعنا إلى خطاب الحسين عليه السلام كيف قدم يزيد إلى العالم قال عنه (قاتل النفس المطمئنة) اشتغال كوني قدمه إلى العالم، مجرم يعلن الفسق.

القضية الثانية لابد للخطاب المنبري أن يعمل لنشر منهجية أهل البيت، ونشر الثقافة الإنسانية للفكر الحسيني، لهذا هو يحتاج إلى خطيب مثقف واعٍ يمتلك أسلوبا مثقفا في طرح التاريخ بمعناه التوجيهي، وليس التوبيخي لكي لا ينفر منه الناس على أن لا يكون الخطاب استفزازي بل خطاب توجيهي يعتمد على الإقناع.

القضية الثالثة ثقافة وعظية تعالج قضايا المعاش اليومي بتوضيح الكثير من الأمور، وتثقيف المجتمع بوجهات نظر مدركة متزنة تنال قبول الجميع.

القضية الرابعة قابليات الثقافية ضعفت لحد مقلق عند الخطيب وعند الجمهور مؤثرات كثيرة سحبته من رؤى المنبر إلى برامج الكترونية وألعاب كثيرة مثل (البوبجي والمزرعة السعيدة ولعبة كرافت والبليارد الالكتروني)، والفيديوات والكاميرا الخفية والبرامج السلبية وغيرها الكثير، نحتاج إلى ثقافة جاذبة تدخل الوعي الشبابي وترد له الروح والفكر والواقع، فهل نمتلك خطباء حسينيين بهذا التميز؟

القضية الخامسة، اغلب الخطباء ينتمون إلى تيارات سياسية وأحزاب، وهذه الانتماءات تضر باستقلالية وجهات النظر نجد كل خطيب يشبه البرلماني لا يعطي رأيه دون الرجوع إلى حزبه وتياره السياسي، وحين تتحزب وجهات النظر ومن على منبر الحسين يفقد المجتمع الثقة بالمجالس الحسينية وتصبح أشبه بالتنظيمات لكل تنظيم مجلس وجمهور، وبهذا سنفقد التمثيل الحقيقي لنظرية الحسين عليه السلام، والتي تتنامى مع التواريخ وتزداد هيبة وواقعية.

بعض الخطباء لانقيادهم إلى القراءات الميتة يعبرون عن الواقعة على أنها صراع بين يزيد الطاغية، والحسين عليه السلام، وعلى أنها ثورة ضد السلطة بينما هي صراع بين منهجين، ابتدأ منذ اليوم الأول لرحيل الرسول صلى الله عليه واله وسلم، وأصبح لكل جيل ممثله ووريثة، فكان يزيد ممثل السقائف والحسين ممثلا لشريعة الله.

هذا الامتداد موجود إلى اليوم، داعش الممثل الشرعي للسقائف، والحشد الشعبي الممثل الشرعي لرسالة الحسين عليه السلام، المجالس الحسينية تمثل مدرسة الحسين عليه السلام فقط وأهل البيت عليهم السلام، نتمنى لخطبائنا الخير وساعدهم الله على صعوبة الدور الذي على يقع عاتقهم ولهم منا المودة والدعاء.

الفكر الحسيني واضح المعالم

أما الأستاذ عبد الرزاق عبد الحسين، تربوي متقاعد، فأجاب بالقول: غالبا ما تقترن المجالس الحسينية بالمنبر، والأخير له دور تاريخي حافل ببث الوعي بين الناس، وسعى الخطباء من خلاله إلى ترسيخ الفكر الحسيني، وتكريس الفكر الخلاق، والسعي للصعود بنوعية التفكير لدى الفرد والجماعة، وانعكس ذلك على السلوك الجمعي وتنظيم الحياة اليومية بشكل أفضل، والارتقاء به كمّا ونوعا.

لابد من الإقرار بأن الفكر الحسيني واضح المعالم، لكنه في السابق (أي قبل العولمة والانفتاح على العالم عبر الانترنيت)، كان تأثيره محلّيا، أي أن دور المجلس الحسيني كان ينحصر بمن يحضر المجلس مكانيا ويستمع إلى الخطيب، أما اليوم ومع تطور وسائل التواصل، فقد أصبح الخطاب الحسيني أمام تحدٍ من نوع جديد ومهم بل كثير الأهمية.

لقد بات على المنبر أن يكسر محليّته ويثبت حضوره، وينطلق نحو العالمية، وهذا ما ضاعف من مسؤولية المجالس ودورها في زيادة الوعي الشعبي بمبادئ ومضامين الفكر الحسيني.

في السابق كانت المجالس تُقام في الصحن الشريف، وكان الحاضرون جميعهم من الشيعة، وحتى تلك المجالس التي كانت تُقام في الأقضية والنواحي والقرى، فهي صغيرة من حيث عدد الحضور لكنها كثيرة، وكانت محصورة بأهل تلك المناطق، أما الآن فقد أصبح الخطاب الحسيني مليونيا ويمكن أن يصل إلى العالم كله، والسؤال الأهم هنا هل لدينا خطباء بحجم هذه المساحة البشرية، ويتحلون بالوعي الذي يتناسب مع البعد العالمي لقضية الطف.

هذا السؤال لا يخص الخطباء وحدهم، أرى أننا جميعا مسؤولون عن النهوض بدور المنبر بما يثبت فاعليته العالمية، لأن المجالس لم تعد محصورة في رقعة جغرافية محددة، بل هي تصل إلى أبعد نقطة في الأرض، وهذا يجعل مسؤولية الخطيب كبيرة جدا وغير محددة بجغرافية معينة ولا محصورة أو موجهة إلى مذهب واحد أو فئة واحدة.

التفاني والإيثار في ثقافة عاشوراء

الأستاذ عقيل الفتلاوي من كلية الطب جامعة كربلاء المقدسة يقول: هناك أهداف فكرية وثقافية وأخلاقية مهمة للمجالس الحسينية، ولم يعد المنبر محدد بالجانب الوعظي على الرغم من أهمية تقديم الموعظة لمن يحتاجها، إلا أن التصدي للفكر الجيد والمبادئ الإنسانية والقيم الأصيلة، باتت من مهمات المجالس والخطباء، والتركيز على جانب القيم أصبح في غاية الأهمية، لأنه يهدف بالنتيجة إلى زيادة اللحمة الاجتماعية.

طبعا المطلوب هنا توضيح مبدأ التفاني بكل شيء، من أجل إحقاق الحق ورفض الظلم بكل أشكاله، وقيمة التفاني والإيثار تعد من أهم ما يحمله الفكر الحسيني والذي تجسد في موقف سيدنا العباس عليه السلام، الذي تفاني في جلب الماء من النهر للأطفال والنساء من ذوي الإمام الحسين عليه السلام، ولم يتقبّل شرب الماء رغم عطشه الشديد، وكانت الأولوية بالنسبة له، الأطفال والنساء قبل نفسه.

هناك مبدأ ثانٍ هو الوفاء المطلق وتثبيت الموقف المساند، من أجل الفكرة التي نؤمن بها كما فعل أخوة وأبناء وأصحاب الإمام الحسين عليه، فحين نؤمن بعقيدة وفكرة صالحة علينا أن نتشبث بها وندافع عنها، وقبل ذلك أن نجسدها في أقوالنا وأعمالنا، فالعقائد هي التي تحمي الجماعة من الانفراط والتشتت، وهذه إحدى مهمات المنبر والخطيب الذي يسعى لتثقيف الناس بالأفكار والعقائد والقيم الصالحة.

تثقيف الأطفال والشباب بالأخلاق الحسينية

الأستاذ أحمد مفتاح/ زائر من البصرة يقول: المجالس الحسينية إرث متوارث لإحياء الشعائر الدينية، حيث أسهمت منذ زمن بعيد في نشر الوعي والثقافة الحسينية لدى اغلب المجتمعات التي تحيي هذه الشعائر في كل بقاع الأرض، وقد عملت على تثقيف الأطفال والشباب بالأخلاق المحمدية الأصيلة.

إنها ثقافة إسلامية ساهمت في توعية المجتمع وزودته بالقيم والأخلاق والتواضع والتعامل الطيب مع الآخرين، وكيفية التحدث مع الكبير والصغير واحترام الآخرين وآرائهم ومعتقداتهم، وعلمتهم على أسلوب الحوار المبني على احترام آراء للأطراف الأخرى، وإن كانت مختلفة معنا، حيث تعتبر المجالس أفضل المدارس الثقافية التي أسهمت في تطور المجتمع ثقافياً وفكرياً وعلمياً ومن كل النواحي.

إن أفضل مرحلة لتوعية المجتمع كما نعلم هي مرحلة الطفولة، وعندما نصطحب الأطفال إلى هذه المجالس المحمدية سوف تنطبع في ذاكرتهم وتنغرس لديهم هذه الثقافة، وبدورها سوف تؤثر في المجتمع بشكل إيجابي في المستقبل والحاضر.

فقد أسهمت في تقليل التطرف والتعصب والاقتتال الطائفي، وساعدت في نشر المحبة بين كل طوائف المجتمع من خلال الخطب الحسينية التي تدعو إلى نبذ كل ما يؤدي إلى العنف، وهذا ليس بغريب على المجالس الحسينية، فهي مجالس آل بيت النبي وتدعو إلى إتباع أخلاقهم وحكمهم ونهجهم المحمدي الأصيل الذي يرضي الله ويرضي خلقه، فهنيئاً لمن حضر ومن سيحضر هذه المجالس الروحية العظيمة.

مهمة المجالس الحسينية إصلاحية شاملة

الأستاذ طارق العربي موظف حكومي قال: إن المجلس الحسيني قد اختزل قضية ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ يمكننا القول إن المجلس الحسيني هو الثورة الحسينية بكل جوانبها لاسيما المبدئية، ويستدل على ذلك التوصيف من خلال مقارنتنا لأهداف ثورة الأمام الحسين (عليه السلام) بالأهداف التي يسعى المنبر إلى تحقيقها، فنجد أن الأهداف والغايات متشابهة.

لم تعد مهمة المجلس الحسيني تقتصر على إصلاح الجوانب الاجتماعية، بل أنها تعدت هذه الحدود والمهام وأصبحت سياسية واقتصادية، إذ اخذ المنبر الحسيني يتولى مهمة نقد الأوضاع السياسية في مواجهة الطغاة والحكام الظالمين، وتوعية المجتمع وتحشيد الرأي العام ضد السلطة الفاسقة الفاقدة للشرعية، وفي الجانب الاقتصادي، صار المجلس الحسيني يوجه الأمة إلى العمل والتكافل الاجتماعي ومساعدة الفقراء.

كذلك في الجانب الثقافي صار المجلس الحسيني يعمل من اجل التصدي للاختراقات الثقافية الناتجة عن العولمة وتصدير الثقافات، وخاصة بعد تطور التكنولوجيا بما فيها الإعلام والفضائيات وشبكة المعلومات الدولية، وكيف يكون الاستخدام الأمثل لذلك السلاح الذي هو ذو حدين، بالإضافة إلى ذلك دور المجلس الحسيني في إزالة الفوارق الطبقية بين أبناء المجتمع.

اضف تعليق