ان الإحاطة بأهداف نهضة الامام الحسين بن علي (عليهما السلام) ليست بالأمر اليسير، ورغم وجود الالاف من الكتب والأبحاث والدراسات التي تناولت مختلف جوانب هذه النهضة الخالدة، لكنها ما زالت قاصرة عن احاطتها بالكامل او حتى الاقتراب منها بشكل متكامل، لان واقعة الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء لم تكن نتيجة للصدفة او ردة الفعل الاني لما قام به يزيد بن معاوية في محاولة اخذ البيعة من الامام الحسين (عليه السلام) بالقوة وهو كاره لها.

وكما يشير لذلك الامام الشيرازي (رحمه الله): "لم يكن سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) مخالفاً ليزيد بن معاوية فقط، بل كان مخالفاً لجميع الظلمة الفاسدين والمفسدين في كل زمان ومكان"، لذلك يمكن القول بانها حركة نهضوية سبقتها الكثير من المقدمات والاحداث والاستعدادات والادوار التكاملية حتى وصلت الى الامام الحسين (عليه السلام) ليختم بها عمره الشريف بالشهادة والتضحية في سبيل الحق والايمان والمبادئ والمثل والقيم العليا.

وقد رحب الامام الحسين (عليه السلام) بالموت لينقذ كل الإنسانية من الذلة والعبودية وموت الضمير والكرامة والحرية، وبتعبير السيد الشيرازي: "وأن يعيش الإنسان حراً كما خلقه الله، من دون أن يستسلم للظلم والاستبداد ولا يخنع للجور والطغيان، وأن لا تكون أزمّة الأمور ومصير الشعوب بيد حاكمٍ ظالمٍ مستبد"، ولا تقتصر هذه التضحية عند حد معين بل شملت كل الإنسانية في مواقف الامام الحسين (عليه السلام) الخالدة في كربلاء: "أراد سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) للإنسان بما هو إنسان أن يعيش سعيداً حراً، في أي زمانٍ ومكانٍ، سواء أكان مؤمناً أم كافراً"، لذلك كلما حاولت جاهداً ان تفتح باباً لمعرفة عظمة هذا الامام الثائر ونهضته المباركة فتح لك من خلاله ألف باب وباب، وكلما حاولت جاهداً في التفسير والبحث والدراسة عن واقعة الطف العظيمة وجدتها بحراً لا نهاية لحدوده او قراره.

يعرج الامام الراحل السيد محمد الشيرازي على خصائص ثورة الامام الحسين (عليه السلام) التي ميزته عن باقي السائرين في طريق التضحية والشهادة بقوله: "نعم، فقد امتاز الإمام الحسين (عليه السلام) عن سائر الشهداء والثائرين بخصائص تفوق كل الشهداء فأصبح سيد الشهداء من الأولين والآخرين، وهذا لا باعتباره إماماً معصوماً فقط، ولا لأنه سبط رسول الله (صل الله عليه واله وسلم) وريحانته من الدنيا فحسب، بل لجلالة الأهداف التي فجر ثورته من أجلها، وعظمة التضحية التي قدمها، وتكاملية الأبعاد فيها"، ولهذا تحولت هذه النهضة الى مثال تلهم منه باقي الحركات التحررية والنهضوية الدروس والعبر: "كانت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) وستبقى نبراساً لسائر النهضات التحررية في العالم ضد الظالمين، فقد كانت وستبقى النهوض الإنساني العظيم الذي هز عرش الطغاة المستبدين، كما وإن واقعة كربلاء قد مهدت الطريق أمام الثورات الأخرى وهيأت الأسباب لقلع جذور دولة بني أمية وبني العباس وغيرهم".

وعلى مر التاريخ تعرضت قضية الامام الحسين (عليه السلام) ونهضته المباركة الى المحاربة ومحاولة التهميش والتصدي لها من قبل أنظمة وحكام ودول عديدة لأن من جملة اهدافها:

1. جاءت لتطيح بعروش الظلم والاستبداد والدكتاتورية ورفض انتسابه الى الإسلام او الإنسانية مهما اختلفت اشكاله ومسمياته.

2. انهاء عبودية الانسان لغير الله (عز وجل)، وانهاء كل مظاهر التبعية والانقياد المذل للأخرين مهما كانت قوتهم وسطوتهم.

3. نصرة الحق والمعروف ودحض الباطل والمنكر والوقوف الى جانب المستضعفين والمسحوقين واستعادة كرامة الانسان.

4. العودة الى الفطرة الإنسانية حيث خلق الله (عز وجل) الناس وجبلهم على الحرية والكرامة والأخلاق والعقل والمبادئ واتباع الحق.

5. التعريف بقيمة الانسان العليا ومدى تكريم الخالق له ودوره العظيم في هذه الدنيا والذي يحاول المستبد سلبه منه واخضاعه لميوله واهواءه.

6. اثبات حقيقة حاول المستبدون طمسها وهي ان الميزان الحق لا يميل لصالح القوة والجبروت او المال والجاه والمنصب بل للحق والأخلاق والمبادئ والمنطق والفضائل.

7. مهما كانت كثرة الباطل واعوانه والتابعين له في قبالة قلة اتباع الحق وانصاره يمكن للحق ان ينتصر على الباطل، كقوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة: اية 249، وهو انتصار للمبادئ والقيم والحق وهو اعلى واهم بكثير من الانتصار في ميدان المعركة.

ومن هنا جاءت أهمية وخطورة هذه النهضة الخالدة التي تشكل تهديداً مباشراً لتلك الأنظمة وحكامها المستبدين، وخصوصاً تلك التي تشكلت على ترهيب وإخضاع وتخويف المواطن من اجل تثبيت اركان حكمها بالعنف واستخدام القوة والظلم، وقد ابتدأ الامام الحسين (عليه السلام) ثورته ضد الباطل والاستبداد الذي استشرى في امة جده (صلى الله عليه واله وسلم) في زمن الدكتاتور المطلق (يزيد بن معاوية) ليفتح نافذة الامل للأخرين من اجل رفض الخضوع والقبول بالظلم مهما كانت التضحية: "انه كان يريد أن يخرج الأمة من المنكر إلى المعروف، كان يريد أن يضع حداً للمنكر، وأن ينتشل الأمة من الحضيض الذي أركست فيه إلى العز، وذلك عندما رضيت الأمة الإسلامية بواقعها المتردي، المتمثل بالخمول، والركون إلى الدنيا، والسكوت على الظلم، وتسلط الظالمين من أمثال يزيد وأبيه واضرابهم، فأراد الإمام الحسين (عليه السلام) أن يبث روح الايمان والحق فيها لتنهض من جديد".

ولان هذه الحقيقة رافقت القضية الحسينية منذ استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) واهل بيته واصحابه ولغاية وقتنا الحاضر كان لزاماً على الجميع معرفة دوره ومسؤوليته وأين يقف من القضية الحسينية وكيف يساهم في إيصال حقيقتها وأهدافها ومبادئها الى كل بقعة من بقاع العالم، وكما يلخصها الامام الشيرازي في هذا السؤال: "ما هو واجبنا تجاه القضية الحسينية؟ وما هي مسؤوليتنا في الوقت الحاضر؟"

وقبل الإجابة عن هذا التساؤل ننقل ما نقله الامام الراحل عن مدى تأثير الامام الحسين (عليه السلام) بالأخرين لو نجحنا في حمل لواء النهضة الحسينية: "ينقل أحد كبار علماء الإسلام إنه التقى بأحد القساوسة المسيحيين، فأخبره ذلك القسيس وقال له: لو كنا نملك الإمام الحسين (عليه السلام) الذي عندكم لجعلنا الدنيا كلها تؤمن بالمسيح (عليه السلام)، وذلك عن طريق نصب الأعلام السوداء في كل مكان ونشر مظلوميته، وجمع الناس حول هذا العلم وهدايتهم إلى الدين المسيحي".

ويضيف الشيرازي: "ثم قال القس المسيحي لذلك العالم المسلم: إنكم لا تدركون قدر الإمام الحسين (عليه السلام) وعظمته، ولا تعرفون مدى أهمية هذه القوة المعنوية التي بأيديكم أيها المسلمون".

ويعلق الامام الشيرازي بالقول: "نعم إن ذلك المسيحي قد قال الحقيقة، فنحن المسلمون لحد الآن لم ندرك القوة المعنوية لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ولم نستفد من ذلك".

لذلك، ومن هذا المنطلق، ولكي نعرف ما هو واجبنا ومسؤوليتنا كمسلمين تجاه القضية الحسينية علينا:

1. معرفة الامام الحسين (عليه السلام):

ان معرفة الامام الحسين (عليه السلام) وعظمة شخصيته وتضحيته في سبيل الإسلام والإنسانية هو أولى السبل للتعريف بنهضته المباركة، وهو الطريق الذي سيختصر لنا الكثير من العقبات والوقت لإيصال رسالة الثائر الشهيد في سبيل الحق ونصرة المظلوم: "واجبنا اليوم هو أن نتعرف على عظمة شخصية سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، وعلى أهداف نهضته المباركة وأن نسعى للعمل بكل قوانين الحياة التي أتى بها جده رسول الله (صلى الله عليه واله) وبينها أهل بيته (عليهم السلام) ورعاها هو (عليه السلام) بشهادته وسقاها بدمه الطاهر ثم نعرض صورتها وصورة الأئمة الأطهار ‹صلوات الله عليهم أجمعين›، بجمالها اللائق ونورها المتألق إلى العالم كله.

2. نشر ثقافة النهضة الحسينية:

ان ثقافة النهضة الحسينية غنية بالقيم والمعاني والمبادئ والشعائر والاهداف العظيمة الخالدة التي يحتاج اليها الجميع ليتعلم منها وينهل من خيرها العطاء والأخلاق والتضحية والكرامة والإصلاح وسمو النفس والعزة والاباء والحرية، وغيرها الكثير من المعاني العظيمة التي ارتبطت بالنهضة الحسينية، لذلك ينبغي الاستفادة من هذه الثقافة الثرة ونشرها في كل بقاع العالم، خصوصاً في شهري محرم وصفر، واستخدام مختلف الأدوات المتاحة والسعي لخلق المزيد منها والاستفادة من التطور التكنولوجي والعلمي وعدم التراخي او الخمول في نشر ثقافة النهضة الحسينية، وقد أوضح الامام الشيرازي جملة من الأمور في هذا الصدد بقوله: "يلزم الاهتمام بالشعائر الحسينية بمختلف أنواعها والسعي لنشر ثقافة عاشوراء والنهضة الحسينية مضافاً إلى التبليغ الديني فإن أفضل فرصة لخدمة العقيدة الإسلامية والتبليغ الديني على مستوى العالم، وإيقاظ وتوعية المسلمين، هو شهر محرم وصفر، وكذلك شهر رمضان وموسم الحج، وإن كانت أيام الحج قليلة ولكنها فرصة مناسبة".

وأضاف: "ويلزم علينا إقامة مجالس العزاء في المساجد، الحسينيات، الطرقات، المكتبات، النوادي، المستشفيات، وحتى في منازلنا الشخصية طيلة أيام السنة ونجعل منها محلاً للتحرك والتوعية الصحيحة للناس، ويلزم أن يبلغ عدد هذه المجالس الملايين، توزع خلالها ملايين الكتب الإسلامية والتوعوية بين مختلف الناس، كي تتفهم الأمة الإسلامية قضاياها ومسائلها قليلاً قليلاً، فيرتفع مستوى الثقافة عند الجميع".

واكد الشيرازي: "إن مجالس الإمام الحسين (عليه السلام) في شهر محرم وصفر وشهر رمضان وغيرها من أيام السنة هي من أفضل الطرق للدعوة إلى تشكيل البرامج الدينية والحركات الفكرية والهيئات التنظيمية والدعوة للاكتفاء الذاتي وما أشبه".

3. السعي للتغيير والاصلاح:

يعرج الامام الشيرازي على نقطة في غاية الأهمية وهي السعي للتغيير من خلال الاخذ بالأسباب والمسببات، كما سبقنا الغرب الى ذلك، وعدم انتظار المعجزات: "إن التطور الحاصل في الغرب له عدة أسباب، وما دام العدو متمسكاً بأسباب القوة فإنه يكون دائماً في المقدمة، وما دام نحن قد تركنا أسباب القوة فسنبقى في مكاننا المتأخر، فإن السنّة الإلهية في الأمور التكوينية هي قانون الأسباب والمسببات، فقد جاء في الرواية: "أبى الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها، يعني: إن الله تعالى خلق الدنيا وجعل لها عللاً وأسباباً، فتجري الأمور وفق تلك الأسباب، إلا في بعض الحالات النادرة حيث تقع المعجزة بأمر الله تعالى وإرادته"، وقد اخذ الامام الحسين (عليه السلام) بالأسباب وسعى للإصلاح والتغيير في نهضته المباركة ضد فساد ال امية.

ويرى الامام الشيرازي في معرض مثاله عن الغرب ومدى تطورهم، بقوله ان الغرب تفوق على الشرق، وخصوصاً على الامة الإسلامية، من خلال:

أولاً: تجمع الثروة من عدة قرون ماضية، فثروة السيطرة على العبيد ثم ثروة الأراضي والإقطاع، ثم إلى الرأسمالية، وأخيراً احتكار الاقتصاد والأموال.

ثانيا: تشكيل أكبر قوة عسكرية على مستوى العالم.

ثالثا: التطور السريع للتكنولوجيا والصناعة.

ويطرح (رحمه الله) في مقابل هذا الامر ولإنقاذ المسلمين من واقعهم المتردي وللنهوض بالأمة الإسلامية، فانه ينبغي السعي الى الإصلاح او التغيير من خلال شرطين مهمين:

الشرط الأول: إصلاح نظام الحكم.

الشرط الثاني: التعددية السياسية المشروعة.

وان يكون هذا الإصلاح تحت مظلة المنافسة فانه: "إذا ما حصلت المنافسة، فإنها ستؤدي إلى تطور التجارة والزراعة والصناعة والاختراعات والاكتشافات، ونشر الثقافة والوعي، وبالنتيجة في مدة قصيرة ستعود عزة وعظمة الإسلام كما كانت في أيام صدر الإسلام".

4. تنظيم الشباب:

من غير الشباب يملك قوة النشاط والحركة والسعي للتغيير والإصلاح ورفض الظلم والخضوع، الشباب يملكون عزيمة قوية وثورة دائمة طامحة نحو التغيير ورفض الواقع الذي لا يناسب طموحهم ومستقبلهم، لذلك فان كسب الشباب امر مهم من خلال تعريفهم بأهداف النهضة الحسينية التي جاءت من اجل ان يتمتعوا بحياة أفضل تخلو من الاستعباد والتبعية والظلم والفساد، ولو نجح هذا الامر (تأثير القضية الحسينية بالشباب) فان حياة الشباب ومسيرتهم سيكون لها قيمة وأثر عظيم في أنفسهم وفي اوطانهم، ويعطي الامام الشيرازي مثال على ذلك بقوله: "كما يلزم علينا حد الإمكان تنظيم الشباب المسلم، هذه القوة العظيمة في كافة البلاد الإسلامية، عن طريق ملايين المنابر ومجالس الوعظ والخطابة، وتوزيع الكتاب ، وإرشادهم نحو التطور والاكتفاء الذاتي في كافة المجالات، يعني ألا نستورد شيئاً من الشرق ولا الغرب، وتشكيل السوق الإسلامية المشتركة، وبذلك يمكن القيام بتأمين وإنتاج كافة احتياجاتنا من البلاد الإسلامية".

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2