ملفات - عاشوراء

الإِحيَاءُ المُستَدامُ والعَظِيم

عْاشُورْاءُ السَّنَةُ السَّابِعة

بُعدان أَساسيَّان وراء هذا الإِحياء المُستدام والعظيم للذِّكرى وعلى مدارِ القرُون؛ الأَوَّل غيبي والثَّاني إِنساني.

فأَمَّا الغيبي فهو الذي يتجلَّى في إِحياء المُؤمنينَ للذِّكرى، كونها من أَعظم مصاديق قول الله تعالى {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ۗ}.

كذلك، هو من آثار [الحرارة] التي جعلها الله تعالى في قلوبِ المُؤمنين، فعن جعفر بن محمَّد (ع) {نظرَ النبيُّ (ص) إِلى الحُسين بن علي (ع) وهو مُقبِلٌ، فأَجلسهُ في حِجرهِ وقال؛ إِنَّ لقتلِ الحُسينِ حرارةٌ في قلوبِ المُؤمنينَ لا تبرد أَبداً، ثمَّ قال؛ بأَبي قتيلَ كلَّ عَبرةٍ، قيلَ؛ وما قتيلُ كلَّ عبرةٍ يا بنَ رسولِ الله؟! قال؛ لا يذكرهُ مُؤمنٌ إِلَّا بكى}.

إِستمرارُ [الدَّمعةِ] طِوالَ العام إِحياءٌ مُستمرٌّ للذِّكرى، حتَّى تحوَّلت إِلى هويَّةٍ وانتماءٍ ورِسالةٍ صامتةٍ تُنبِئُ العالَم عن شيءٍ ما، وإِذا لم يُبدِ [مُؤمناً] أَيَّ ردِّ فعلٍ فقد انتُزِعت من قلبهِ هذهِ الحَرارة فحُرم العَبرَةَ وسُلِبَ التَّوفيق لعِلَّةٍ ما.

الحُسين السِّبط (ع) بشَّرَ بهذا البُعد الذي عدَّهُ نوعاً من أَنواعِ الكراماتِ الإِلهيَّة للذِّكرى، فعندما ودَّع (ع) عيالهُ في المرَّةِ الأَخيرة قبلَ مقتلهِ أَمرهُم بالصَّبرِ في كلامٍ طويلٍ ثمَّ قال {وَيُعوِّضَكُم عن هذهِ البَليَّةِ بأَنواعِ النِّعَمِ والكَرامَةِ}.

كما أَنَّ زَينب (ع) بشَّرت بها مرَّتَين؛ الأُولى في مجلسِ إِبن الطُّلقاء يَزيد عندما تحدَّتهُ في خُطبتِها العلويَّة بقولِها {فوَالله لا تمحُو ذِكرنا} والقَسَمُ دليلُ الثِّقة المُطلقة حدِّ اليقين بالله تعالى وبالنَّفس وبالرِّسالة وبالقضيَّة.

كذلك قولُها (ع) للإِمام السجَّاد (ع) تبشِّرَهُ {فوالله إِنَّ ذلكَ لعهدٍ من رسولِ الله (ص) إِلى جدِّكَ وأَبيكَ وعمِّكَ، ولقد أَخذَ الله ميثاقَ أُناسٍ من هذهِ الأُمَّة لا تعرفهُم فراعنةُ هذهِ الأَرض، وهُم معروفُونَ في أَهلِ السَّماواتِ أَنَّهم يجمعُونَ هذهِ الأَعضاء المُتفرِّقة فيوارونَها وهذهِ الجسُوم المُضرَّجة وينصبُون لهذا الطفِّ علماً لقبرِ أَبيكَ سيِّد الشُّهداء (ع) لا يُدرَسُ أَثرهُ ولا يعفُو رسمهُ على كرورِ اللَّيالي والأَيَّام وليجتهِدنَّ أَئِمَّةَ الكُفرِ وأَشياع الضَّلالة في مَحْوهِ وتطميسهِ فلا يزدادُ أَثرهُ إِلَّا ظهُوراً وأَمرهُ إِلَّا عُلُوّاً}.

أَمَّا البُعدُ الثَّاني فهو الإِنساني والذي يُحرِّض [غَير المُؤمنينَ] بشتَّى الخلفيَّات على التَّفاعُل مع الذِّكرى بشكلٍ من الأَشكال، فالإِنسانُ ينزِعُ، بفطرتهِ السَّليمةِ والنَّقيَّةِ، إِلى إِحترامِ التَّضحيات والبطُولات التي يدوِّنها التَّاريخ بغضِّ النَّظر عن خلفيَّة المُضحِّي، خاصَّةً إِذا تركت أَثرها الوِجداني والفِكري على البشريَّة جمعاء كما هوَ حالُ عاشوراء، ولذلكَ نُلاحظ أَنَّ ما كتبهُ الآخرون عن عاشوراء وقضاياها لم يكتبُوا مثلها عن قضايا تخصَّهُم مُباشرةً سواء في الدِّينِ أَو العقيدةِ، وكلُّ ذلكَ من مُنطلقٍ إِنسانيٍّ واضحٍ وليسَ بالضَّرورةِ غيبيٌّ.

أَمَّا الذين يبذلُونَ جُهدهُم للتَّغطيةِ على الذِّكرى وطمسها أَو تجاهُلها، بإِلهاء النَّاس بقضايا باطلةً مثل [مسيرات بابا عاشور] أَو إِثارة الأَزَمات والنَّعرات الطائفيَّة في أَيَّام الذِّكرى أَو بإِقامة حفَلات العُهر والمُجون كما كانَ يفعل الطَّاغية الذَّليل صدَّام حسين في كربلاء كلَّما مرَّت الذِّكرى، فهؤُلاء نواصِبَ يكرهُون الذِّكرى التي فضحت [خُلفاءَهُم] الأَمويِّين وفضحت مناهجهُم وسياساتهُم.

بقِيَت شريحةٌ لا تقِفُ عندَ الذِّكرى جهلاً وليس تجاهُلاً.

هذهِ الشَّريحة نحنُ الذين نتحمَّل المسؤُوليَّة كاملةً إِزاء موقفِها لأَنَّنا قصَّرنا في تبليغِ رسالةِ عاشُوراء فلم نُبيِّن حقائقها بلُغتهِم وطريقةِ تفكيرهِم واستيعابهِم للأُمور، ولَو عرفُوا لفاضت أَعيُنَهم من الدَّمعِ كما يصفُ ذلك القرآن الكريم بقولهِ {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}.

ولعلَّ كلَّ واحدٍ منَّا صادفَ ولَو مرَّةً مِثلَ هذهِ النَّماذج التي ما أَن تُحدِّثها عن الذِّكرى إِلَّا وتنهمِر دموعَها من مآقيها كعلامةٍ من علاماتِ التَّفاعل الوِجداني مع الذِّكرى.

nahaidar@hotmail.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0