في بعض الأحيان يفضّل الآباء أحد أبنائهم أو بناتهم على الآخرين من ذريتهم، يتضح هذا من خلال الاهتمام المبالغ بذلك الابن الذي غالبا ما يكون مدلّلا ومقرَّبا للأب أكثر من الآخرين، أكتب هذا الكلام وقد جربته بنفسي في عائلتي، فقد كان أبي (رحمه الله) يفضّل أخي عبد الرحيم على الجميع رغم أنني أكبر منه سنّا، فأنا الولد البِكْر في العائلة، وكذلك هناك أخوات لي يكبرنني وأخي عبد الرحيم، لكن الأخير هو الوحيد الذي يحصل على كل ما يريد من أبينا، فبمجرد أن تخرج كلمات الطلب من بين شفتيه، سوف يكون بين يديه في دقائق أو لحظات، أما نحن فقراء الله من بقية الذرّية، فقد لا نحصل حتى على بعض حاجتنا العاديّة!!.

ولا أكتمكم سرّا أنني في بعض الأحيان كنت أشعر بالغيرة من أخي عبد الرحيم، فعلى الرغم من السخاء الذي أتميز به، والبخل الذي يتميز به عبد الرحيم إلا أنه يبقى هو المفضّل عند أبي، أتذكّر أنني كنت أعمل في البناء أو صانع في مقهى أو أبيع (الصمون/الخبز) كبائع جوال في أزقة المدينة، وعندما أعود للبيت في نهاية النهار، أضع في كف أبي كل ما أحصل عليه من نقود، أما عبد الرحيم الذي كان يحصل في ذلك الوقت على أجر يفوق أجري بشكل مضاعف بسبب طبيعة العمل، فهو لا يعطي أبي فلسا واحداً بل يدخر نقوده ويصرفها على نفسه ولا أحد يمكنه الاحتجاج عليه أو إجباره على إعطاء قسم من أجره للأب أو الأم أو أفراد العائلة!.

في الحقيقة كان يعلو عندي مستوى الغيرة ولكن بصمت، وفي أحد الأيام بعد أن بلغ عبد الرحيم ريعان الشباب، وترشّق جسده وتورّد وجهه وازدادت صحته، حتى بات ذا قوام رائع، في هذا الوقت بالذات، أصيب عبد الرحيم بمرض مجهول، وهاجمته آلام هائلة وحارقة في عموم البطن، وبكاء وإسهال مستمر وغريب، ذهبنا به الى أكثر من طبيب لكنهم لم يعرفوا السبب الكامن وراء الآلام المستعرّة ولا سبب الإسهال المستمر ولون الخروج المخيف، وفي غضون وقت قليل فقد عبد الرحيم الكثير من وزنه، واقتحمه الاصفرار أيما اقتحام، وأصابه الهزال والضعف الشديد وبعد أن فقدنا الأمل بأطباء العيادات الخاصة، ذهبنا أنا وأبي بعبد الرحيم الى المستشفى الحكومي العام في المدينة.

خطورة القرار الحاسم

وما أن دخلنا ردهة الباطنية وتم فحص أخي من مجموعة أطباء، حتى قرر الطبيب المختص بإدخاله فورا الى صالة العمليات قبل أن يفقد حياته، فقد انفجرت في بطنه الزائدة الدودية قبل يومين، والآن لابد أن يخضع لعملية جراحية على الفور، ولكن يجب أن يوافق أبي على إجرائها وعليه أن يقبل بكل النتائج المحتملة، خاصة أن فريق الأطباء أخبروه بأن نسبة نجاة عبد الرحيم من الموت تساوي 1% فقط.

ولم يكن أمام أبي أي خيار آخر، وحينها رأيته وهو يمسك القلم كي يوقّع على الموافقة بكل النتائج، إذ كانت يده ترتعش كسعفة في عاصفة، وكانت أصابعه لا تستطيع أن تمسك بالقلم، وأخيرا وقّع على تحمل المسؤولية، وأُدخل عبد الرحيم الى صالة العمليات، وبعد ما يقرب من ثلاث ساعات أُخرِج منها فاقد الوعي، وكان يبدو في أنفه أنبوب مطاط يدخل الى البطن فيتسبب له بآلام مبرحة.

سهرنا عليه ساعات الليالي الطوال، وكنا أنا وأبي نتناوب السهر عليه، فقد كان قليل النوم وكثير التشكّي، ليس بالقول أو الكلمات، كلا إنه شديد الاعتداد بالنفس، فلا يظهر شكواه بكلمات واضحة، بل بالآهات الموجعة وتعابير وجهه التي تؤكد بأنه يعاني من آلام موجعة وربما قاتلة، كانت شفاهه متيبسة بشكل تام وأرنبة أنفه شديدة الاصفرار ومساحة وجهه شاحبة، وبدت معالم الموت قابر قوسين أو أدنى منه، أمضينا أربعة ليال مع عبد الرحيم في المستشفى، وكانت الآلام التي يتسبب بها الأنبوب المطاط (الصوندة)، يتصاعد بشكل مؤلم بل خطير.

في صباح أحد الأيام وكانت مناوبة السهر تقع على أبي، استيقظت في السابعة فلم أعثر على أبي كما هو الحال في كل صباح، بحثت عنه في الردهة وسألت عنه الممرضين وبعض المرضى، لكن الجميع لا يعرفون عنه أي شيء، والمشكلة أن عبد الرحيم لا يستقر ولا يهدأ إلا إذا رأى أباه بالقرب منه، فظلّ يسأل عن أبيه باستمرار وإلحاح، لكنني لا أعرف أين أبي ولا أداري أين ذهب.

كرامة أبي عبد الله الحسين

في ضحى ذلك اليوم البعيد الذي حدث في سبعينيات القرن الماضي، دخل أبي مسرعا الى ردهة المرضى، وركض لاهثا الى سرير ابنه عبد الرحيم، ثم صرخ بصوت عال مفاجئ (حمدا لله وشكرا لك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد الله الحسين)، وكانت الدموع تتدفق من عينيه بغزارة، وراح يتمتم قائلا (كنت على يقين أن سيدي الحسين لا يخيِّب أملي، فقد طلبت منه أن يخلّص ولدي من آلام الأنبوب المطاط (الصوندة)، وها أنا أرى وجهه وبطنه خاليان من ذلك الأنبوب اللعين، فحمدا لله، وشكرا لك سيدي ومولاي أبا عبد الله).

رأيت أبي يهبط برأسه الأشيب على جبين أخي عبد الرحيم ويطبع قبلة عليه، ورأيت دموعه تتساقط على وجه أخي ولاحظتُ فرحته العظيمة وهو يرى ابتسامة العافية في وجه أخي عبد الرحيم، ثم قصَّ لنا رحلته الى أبي عبد الله الحسين فقال:

في الفجر كنت أحس وألمس آلام ابني عبد الرحيم، ولم يكن في قدرتي أن أخلصه منها، فخطر في بالي على الفور أن أتوجّه سيرا أو ركضا على الأقدام الى سيدي ومولاي أبي عبد الله، وأطلب منه هذا المراد، وحتما سوف يكرمني سيدي الإمام، ويحقق طلبي، وقد تمسكتُ بشباكه ساعة كاملة أتقدم بطلبي بصوت مسموع من الزوار الآخرين، كان الوقت بطيئا، وكان وجه عبد الرحيم وآلامه لا تفارقني لحظة واحدة، ثم سمعت صوتا يتردد في باحة الضريح المقدس، صوت غير واضح ولا مفهوم، لكنني فهمت أنه موجّه لي وأن طلبي قد أستِجيب، فهرعت عائدا الى المستشفى، لأرى ابني سالما معافى.

هذا هو الإمام الحسين (ع) وهذا هو مقامه عند الله تعالى وهذه هي كراماته، وفي حلقات قادمة سوف أقص عليكم مواقف أخرى، ربما أكثر خطرا أو حرجا من موقف حكاية عبد الرحيم، فكرامات أئمة أهل البيت عظيمة، أما الإمام الحسين (ع) فهو لا يرد كل من يتوجه إليه متمسكا بشفاعته عند الله، وطالبا مراده.

السلام عليك سيدي ومولاي يا أبا عبد الله، يا مغيث الحيارى، وما منقذ الموجوعين، ويا شفيع الفقراء الضعفاء الأغنياء كل وفق نيته وسريرته.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0