بقلم: أزهار الغرباوي

معنى العصيان المدني

كلمة (مدني) صفة تتصل بالمواطن، ولهذا فإن أول ما يتبادر إلى الذهن، هو أن العصيان المدني يعني عصيان المدنيين ولكن في حركة اللاعنف، فإن كلمة مدني تعني عكس ما تعنيه كلمة عنف، وهذا معناه أن المشاركين بأي نشاط للعصيان المدني، يتصرفون بشكل مدني... أي متحضر.

لذلك يعرف (هير تجرمين) العصيان المدني في كتابه (طريق المقاومة.. ممارسة العصيان المدني) بأنه نشاط شعبي متحضر، يعتمد أساسا على مبدأ اللاعنف والهدف من ذلك النشاط هو المحافظة على ظاهرة معينة أو تغيير ظاهرة معينة في المجتمع.

فالعصيان المدني هو أحد أشكال المقاومة السلبية المشروعة، التي تعني تحرك المجتمع المدني في كافة قطاعاته، وبمبادرة من أحزاب المعارضة والمنظمات الأهلية، للتعبير عن المطالب الاجتماعية والسياسية، بعد أن تفاقمت وتراكمت عبر السنين، ولم يستطع النظام السياسي التعامل معها أو طرحها على الرأي العام بالمصارحة، وليس بالخداع عن طريق البيانات الحكومية وبعض الصحف وأجهزة الإعلام المرئية والمسموعة.

ويجب الانتباه إلى أن العصيان المدني تقوم أنشطته على التحدي، فلا تقيده قوانين النظام، أو قرارات السلطة الحاكمة، وان كان في أحيان كثيرة، يتم عبر القوانين، ثم لا يستطيع النظام أن يفرض على حركة العصيان نشاطا بعينه أو يمنعها من نشاط، أو يفرض عليها ميدانا بعينه.

ويعتقد الكاتب الأمريكي هنري ديفيد ثورو أن المواطنين هم الذين يشكلون ويصنعون الجزء الأعظم في جماعة العصيان المدني أو الذي يشكل بدوره المرحلة الثانية بعد تحرك الشارع في مظاهرات سلمية أمام رموز السلطة الحاكمة بهدف زيادة الضغط على النظام السياسي للتسليم بمطالب الشعب، والتي تمثلها المعارضة خارج السلطة.

كما ينبغي ألا تنشغل حركة العصيان المدني بتوجيه خطابها إلى الحاكم أو النظام وتغفل عن اختيار خطاب مناسب للجماهير يدعوهم للمشاركة في العصيان، ويحرضهم عليه ويربط مستقبلهم بنجاحه، طالما أنها قررت المقاومة Resistance وليس الاحتجاج Protest.

وهنا لا بد من التميز بين المقاومة، والاحتجاج، فالأولى تسعى لإلغاء القرار أو تحدي القانون، فهي ترفض الإذعان أو الطاعة أما الثاني فقد يكون مجرد تعبير عن موقف إزاء قانون ما، أو موقف ما ثم العودة والإذعان.

فالمقاومة إذاً في جوهرها هي العصيان، وقد يكون الاحتجاج أكثر قبولا في بعض الحالات، إلا أن تأثيره ليس كتأثير المقاومة (رغم أن الاحتجاج بالنسبة لنظام دكتاتوري، يعتمد شكلا من أشكال المقاومة لأنه عمل غير مشروع في نظر الدكتاتورية، شأنه شأن المقاومة).

جذور العصيان المدني

كان أول من استعمل مصطلح العصيان المدني، وأشار إلى فكرته هو الكاتب الأمريكي (ثورو) في مقالته الشهيرة (العصيان المدني) المنشورة في عام 1849، وقد كتب تلك المقالة عقب امتناعه عن دفع ضرائب الحرب، احتجاجا على العبودية والقمع والاضطهاد والحرب التي كانت تخوضها الولايات المتحدة الأمريكية ضد المكسيك.

ولم يكن الامتناع عن دفع الضرائب بالفكرة الجديدة، وإنما استعملها مناهضو الاسترقاق وآخرون غيرهم، وكذلك لجأ (كارل ماركس) لها فيما حاول تنظيم حملة يقتنع بها الأوربيون بالامتناع عن دفع الضرائب خلال الثورة التي اجتاحت أوربا عام 1848م.

العصيان المدني والديمقراطي

ظهر مفهوم العصيان المدني في ظل التقاليد الليبرالية والإنسانية التي سادت الأنظمة الديمقراطية الغربية، حيث كانت الأقليات والفئات المضطهدة تلجأ للعصيان المدني لإسماع صوتها كما امتد ذلك ليشمل الأنظمة الدكتاتورية في دول العالم الثالث والأنظمة الاشتراكية ذات الحزب الواحد.

إن ديناميكية هذا المنهج، قامت أصلا على العنصر الأساس في المنهج الديمقراطي، ألا وهو الحوار الذي يعتبر المحرك الفعال للعصيان المدني، فكلما كان الحوار حول استمرار القيام بأنشطة العصيان في ظل نظام ديمقراطي فعال، كلما كانت الفرص تزداد لقلب الأنظمة غير العادلة.

لذا يظل الحوار في صوره المختلفة هذه إنما تأكيد لمبدأ جديد في المقاومة هو أكثر فاعلية وتأثيرا من بقية أشكال المقاومة التقليدية المعروفة كالمقاطعة والاضرابات والمظاهرات والاحتجاجات التي وان كانت ذات فاعلية مباشرة تعتبر أدوات تستعملها الأحزاب السياسية للضغط على الفئة أو الفئات السياسية الحاكمة.

لذلك يبرز دور العصيان المدني في النظام الديمقراطي، من خلال (جون راولز)، الذي يجيب على ذلك التساؤل في كتابه (نظرية في العدالة) الذي تفحص فيه دور العصيان المدني في نظام شبه عادل وآخر تسود فيه العدالة إلى حد كبير إذ يقول (ليس من الصعب تبرير العصيان المدني في نظام غير عادل، أي نظام لا يتبع الأغلبية، ولكن حينما يكون النظام عادلا، تبرز مشكلة ألا وهي أن من يقوم بالعصيان المدني يصبح من الأقلية وتغدو عملية العصيان المدني وكأنها موجهة ضد رأي الأغلبية في المجتمع).

العصيان المدني والعنف المسلح

قبل الحديث عن ذلك لا بد من تعريف العنف بشكل عام، ومن بين التعريفات المتعددة له، عرفه صلاح عامر بأنه (كل مبادرة تتدخل بصورة خطيرة في حرية الآخرين، وتحاول أن تحرمهم من التفكير والرأي والتقرير وتنتهي بتحويل الآخرين إلى وسيلة أو أداة في مشروع يمتصه ويكتشفه دون أن يعامله كعنصر حر كفوء).

أما دليل اكسفورد السياسي فيقدم تعريفا للعنف، يطرح عنصرا جديدا إذ يعرفه بأنه (استخدام التهديد أو الأذى الجسدي بواسطة مجموعات انقسمت في صراعات سياسية داخلية وهي كانت مصطلحا شاملا لجميع الأشكال التدميرية للمعارضة الداخلية للحكومة بضمنها الإرهاب السياسي، الاغتيال، الشغب المضاد للحكومة، المظاهرات والثورات... الخ).

وما يهمنا من ذلك كله هو العنف المسلح الذي هو القوة التي تهاجم أشخاص معينين وخبراتهم بقصد السيطرة عليهم.

وقد شهدت الأقطار العربية اتساعا ملحوظا لظاهرة العنف المسلح والمنظم في أواخر الستينات وخصوصا بعد الهزيمة التاريخية للعرب في حرب حزيران1967 من خلال ظهور حركات مسلحة كانت تهدف لتحقيق التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي وقد غلب على هذه التنظيمات انتماؤها للإسلام السياسي الذي يدعو للجهاد في سبيل إقامة الأنظمة الإسلامية وذلك لأسباب ذاتية أو طوعية. وقد شهدت المنطقة العربية أعمال عنف جماهيرية مسلحة كما حصل في مصر في 18 و19 كانون الأول 1977، وتونس في عام 1978 و1981 و1994، والمغرب في عامي 1981 و1984.

وقد استمرت هذه الأعمال حتى يومنا الحالي فما يحدث الآن في العراق من أعمال عنف مسلح يفوق الوصف فهي لأسباب سياسية واقتصادية بل حتى طائفية.

فالسؤال المطروح الآن، هل بإمكان العصيان المدني اليوم التحول كبديل لظاهرة العنف المسلح؟

رغم أن البعض يعتبر العصيان المدني عملا غير قانوني أو غير شرعي تبعا لقوانين الدولة المعنية فيعتبره البعض الآخر عملا قانونيا.

فقد تعمل الكثير من أنشطته على الحد من ظاهرة العنف المسلح، وأبرز مثال على ذلك كانت حركة بلاوشرز في ألمانيا التي هدفت أصلا إلى نزع السلاح بعد أن قام نشطاء الحركة بعصيان مدني، لنزع الأسلحة التي كان القانون الدولي قد حرمها أصلا.

كما نشأ خلاف شديد في الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية الستينات بين مؤيدي المقاومة المباشرة وأولئك الذين يؤيدون العصيان المدني وكذلك الأمر في أوربا وقد اعتقد أولئك أن إدخال عنصر التأثير الجسدي في المقاومة، إنما قد يقود إلى عزل الكثير من النشطاء عن الحركة، وهو ما يضعف العصيان المدني، ويجعلها حركة ذات أهداف ضعيفة ونشاط محدود.

لذا يمكن للعصيان المدني أن يكون بديلا للعنف المسلح إذا ما اعتمد بالأساس على الحوار المباشر مع مؤيدي السلطة الموجه إليها ذلك النشاط باعتبار أن العنف المسلح هو لغة التطرف والابتعاد عن كل ما هو غير متحضر، لذا من خلال ما تقدم فإن أحسن ما يوصف به العصيان المدني اليوم أنه عبارة عن حوار مع الخصم، من خلال أنشطة المقاومة السلمية وهو بذلك يتماشى مع الطريقة أو الأسلوب الذي استخدمه المهاتما غاندي- صاحب مبدأ اللاعنف الذي كان يبدأ حملته بالمفاوضات أولا، ثم يتصاعد إلى الاحتجاج ثم إلى المقاطعة فقدم التعاون مع السلطات ثم العصيان المدني وإذا لم يؤت هذا كله بأي نتيجة فيجب أن لا يشعر المشاركون باليأس وإنما عليهم ابتكار أسلوب آخر من المقاومة.

فالعصيان المدني هو لغة التحاور للجماعات ذات الوعي السياسي أما العنف المسلح فهي لغة التطرف في الرأي والعمل والفعل.

* نشر في مجلة النبأ العدد (78)-آب 2005

......................................
المصادر:
1- د. حسن حنفي (العصيان المدني) مقال في مجلة التجديد العربي بتاريخ 14/6/2005.
2- Joel Krieger)the editor(, The oxford companion political of the world, new York, oxford university press, 1993, p. 728.
3- صلاح عامر وآخرون، العنف والقانون، من ندوة العنف والسياسة في الوطن العربي، منتدى الفكر العربي، عمان، 1987، ص 57.
4- بيير هرنكرين، العصيان المدني، من كتاب path of resistance ت. زكي الجزائري سحبت من الموقع الالكتروني http://ickerald.net/perhrngren /Arabic.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0