عبد الله موسى

 

تمهيد

الدولة والحاكم وعلاقتهما بالرعية، موضوع شغل كبار مفكري التاريخ البشري وتشعبت التنظيرات بشأنه بحيث وصلت حد التناقض في الطرح، وأخذت مباحث هذه الإشكالية أبعاداً ومناح تبتعد كثيراً عن حقلها البحثي المفترض أن تشغله ألا وهو ميدان السياسة، حتى أن الفلاسفة والمناطقة وجدوا بعض ضالتهم في طرق أبواب هذا الميدان القريب الصلة بالإنسان مادة السياسة والاجتماع؛ فبرز مصطلح (المجتمع السياسي) كمفهوم للإحاطة بالنظريات والرؤى التي تمعن النظر في مفردات الدولة، الإنسان، المجتمع ومن ثم (المجتمع المنظم) الذي تؤطره القوانين الضابطة والدساتير المؤدلجة كنتيجة طبيعية لهذه الجهود الهادفة إلى تنظيم حياة الإنسان وضمان سيره الطبيعي في الارتقاء الحضاري ناشداً السنة الطبيعية التي أوجدها الله سبحانه وتعالى في حياة هذا الكائن البشري.

نظرة في تاريخ المصطلح

تطور مفهوم (المجتمع المدني) عبر عدة مراحل تاريخية فاستخدمه أرسطو كمرادف للدولة وسماه (المجتمع السياسي) في الترجمة الحرفية للمفردة اليونانية (Koinonia Politike) والتي ترجمت إلى الإنكليزية (Political community) ثم (association societ) وظل هذا المصطلح يحمل الصفة السياسية في دلالته اللغوية حتى جاءت الترجمة الفرنسية لكتاب السياسة لأرسطو فاستخدمت لفظة (civil) بدلاً من (Political) والتي تعطي معنى (المدني)، ولهذه المفردة جذور ومعانٍ حيث استخدم (سيسرون) عبارة (civilis societas) كوصف للدولة المدنية المؤطرة بالدستور والقانون بقوله: (القانون هو رباط المجتمع المدني) والذي عناه هو المجتمع البشري الخاضع لنظام سياسي وحقوقي معين. أما (بوسويه) فيعرف المجتمع المدني على أنه (مجتمع بشري يعيش تحت لواء قانون وحكومة).

وإذا كان ثمة تحديد لمفهوم المجتمع المدني فهو ما جاء به كل من (توماس هوبز) و(جون لوك) حيث رأى الأول أن الموت والفناء هما الباعثان الأساسيان للفرد البشري على تشكيل المجتمع المدني والخروج عن الوضع الطبيعي وإيقاع الصلح بين أبناء البشر، تلك الرغبة التي زرعت في هذا الكائن البشري.

ويتفق لوك مع هوبز في جعله المجتمع والوضع المدني في قبال الوضع الطبيعي مع فارق أن جون لوك يرى أن الإنسان هو فاعل أخلاقي قبل أن يكون سياسياً أو مدنياً ويرى أن أفراد المجتمع البشري لهم الاستقلالية والتساوي وليس للقانون الطبيعي حكومة وسلطة عليهم فلا يحق لشخص أن يسبب الأذى والضرر للآخر أو أن يسلب حريته وملكيته وسلامته. وربما يظهر بعض التضاد بين وجهتي نظر (هوبز) و(لوك) حول قضية السلطة والقانون ودورهما الرئيسي (عنده) مستفيداً (لوك) من قانون التعاقد الاجتماعي (Social contract) في بناء نظريته السياسية، فيعتقد بأن سير البشر نحو الوضع المدني ينم عن رغبتهم في التوافق والتعاقد الاجتماعي، ونتيجة لذلك تكون الدولة هي المعبّرة عن تحقيق هذه الطموحات، بقدرتها على تنظيم الطبيعة الجامحة للبشر، أما الأفراد ولأجل حفظ أنفسهم من الموت، فهم يرضخون للدولة مع تحمل محدودية الحرية، وربما سلبها مسايرة للوضع المدني.

وظل هذا الجعل قائماً بين مؤيد ومعارض، فقد أيّد المفكر الفرنسي (جان جاك روسو) نظرية التعاقد الاجتماعي وتبناها منهجاً، حتى أنها نسبت له لاحقاً عند ذيوع كتابه (العقد الاجتماعي)، بينما ينتقد ديفيد هيوم، لوك ونظريته في إشكاله وزعمه أنه إذا كان هناك مجتمع في - أي مكان - مكون على أساس التعاقد الاجتماعي، فلابد من استمرارية معرفة هذا التعاقد مع طول التاريخ، ويذهب (هيوم) إلى أكثر من ذلك، فيرفض حتى مجرد تصور مثل هذا التعاقد، ويعبر عن نفي وجود المجتمع المنظم نتيجة ذلك زاعماً بأنه مجرد وهم واهٍ وبالنسبة له (هيوم) فإن منشأ ظهور أي حكومة يرتبط بثلاثة أمور هي: الغضب، الغلبة، والانتصار العسكري.. دون وجود أي تراض أو توافق أو أي انقياد طوعي للشعب.

المجتمع المدني ما بعد الحداثة

جاءت مرحلة الحداثة لترسم معالم جديدة للمجتمع الغربي الذي ظل يجتر نظريات الحكم الفاسدة طيلة عهود القرون الوسطى، لذا يعتقد (هيغل) بأن المجتمع المدني هو مجتمع برجوازي لم يجد متسعاً لتطبيق أدواته إلا في عصر ما بعد الحداثة فقط، ويعتقد أن كل الدول السابقة لم تنبثق عن أي شكل من أشكال هذا المجتمع المدني، كما يركز على الجانب الأخلاقي والمثل في السياسة، والحكم، ويرى أن الدولة يجب أن تتوفر على ثلاثة شروط لقيامها هي: القوانين العقلانية والحكومة والأخلاق.

وقد دخلت إلى مفهوم (المجتمع المدني) مفردات تشكل حصيلة أو نتاج الفعالية المجتمعية وما سمي في ما بعد بعلم الاجتماع وعلم النفس والتربية.

المجتمع الإسلامي النموذج والتجربة الرائدة

بعد هذا الاستعراض الموجز لمصطلح ومفهوم المجتمع المدني في شكله الغربي نخلص إلى التجربة الإسلامية كطرح مقارن، آخذين بنظر الاعتبار قدم هذه التجربة في تأسيس المجتمع المدني الذي مثلته دولة الرسول الأكرم (ص) واستمر حتى العهود الإسلامية المتأخرة مع وجود سلطات فوقية غير ملتزمة فعلياً بالقانون الإسلامي على مستوى شخصيات الدولة الإسلامية الحاكمة، بيد أن قوة القانون وضعت هؤلاء الحكام تحت تأثير العمل به، وإن كان ظاهرياً خصوصاً في الفترتين الأموية والعباسية ومن ثم العثمانية، وهي نقطة تسجل للإسلام كتشريع مقبول مدنياً (مجتمعياً)، وظلت بعض سمات هذا المجتمع سارية المفعول، بحيث ترضخ السلطات القضائية - مثلاً - في كثير من الأحيان وتذعن للمطلب الجماهيري، واحتلت قضية الوعي مساحة واسعة كسبب رئيسي لتحقيق هذا الهدف، وهو ما ركز عليه أئمة أهل البيت (ع)، على تعاقب عصورهم، حيث كان لعملية تنشئة الأفراد وإعدادهم معرفياً، أثر كبير في تحقيق المجتمع المنظم إذ (يمكن للتنشئة أن تساهم في تحديد أدوار الأفراد أما باتجاه التخلف أو باتجاه الإنماء الاجتماعي وذلك لأن المجتمع يحتاج إلى أفراد وجماعات ذات عقول ناقدة ومبدعة، وبسمات مرنة، وهذا يؤدي بدوره إلى إنشاء مجتمع متمدن ذي عقل مرن واستقبال ما يطرح عليه من أمور مستجدة)(الكلمة: العدد 8/ أسعد علي النمر ـ المرونة وأثرها في المجتمع الأهلي).

وكان الأئمة (ع) وتلاميذهم مصداقاً للتربية المعرفية، حيث وضعوا مناهج تطوير المجتمع الإسلامي ونموه ليس في نطاق العلوم والمعرفة الإسلامية فحسب بل في سائر العلوم الأخرى، ومثال ذلك مدرسة الإمام الصادق (ع) وما تخرج منها من علماء في الطب والكيمياء والرياضيات وغيرها من العلوم.

دور المؤسسات الإسلامية في الإنماء المجتمعي، دولة الرسول نموذجاً:

عملية إنماء المجتمع عملية مركبة يصعب في كثير من الأحيان تحديد مفرداتها لأن المجتمع هو مجموعة من القيم والمبادئ والموازين والمقاييس التي تعرض على عدسة التطبيق ليحدد من خلالها حسن أو قبح تجربة اجتماعية معينة، والمجتمع المدني يتشكل من خلال مؤسسات وفعاليات ثقافية وسياسية متحركة تشكل أساس تمدنه وإلا فهو عبارة عن تجمعات متناثرة كما هو حال مجتمع الجزيرة العربية قبل الإسلام حيث تشكل القبيلة أو الطائفة وحدة مستقلة تنفرد ببعض التقاليد والأعراف التي تتعارض مع نظيراتها في نفس الرقعة الجغرافية.

وأول خطوة بدأ بها الرسول الأكرم (ص) هي لمّ شتات قبائل العرب وتلوناتها في إطار وحدة اجتماعية متماسكة، (فالمسلم أخو المسلم) وعملية المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين في المدينة المنورة تعد عملية مثالية لم يعرف لها التاريخ صنواً، فكيف لأعرابي يرى كل من لا ينتمي لقبيلته أجنبياً، أن يتخذ له أخاً من قبيلة أخرى بعيدة، بل إن بعض الأنصار طلق بعض زوجاته، لتزويجها من أحد المهاجرين القادمين من صحراء مكة، وهنا كان للمؤسسة الاجتماعية التي شيدها الرسول (ص) الدور الأول في إرساء قواعد هذا التشكيل المجتمعي الجديد فكان المسجد الجامع أول مؤسسة (قانونية) شرعية تمثل رمز الدولة الإسلامية الحديثة بموازاة المؤسسة غير الشرعية التي أراد تأسيسها آخرون، كما هو المشهور في حادثة (مسجد الضرار).

بينما كان الحث على حضور المسجد الجامع أمراً واجباً، وبدأ الشكل المؤسساتي يتبلور داخل هذه المؤسسة الصغيرة، وتتبين معالم الدولة المدنية من تعليمات هذه المؤسسة التي جمعت بين القداسة في المفهوم الديني والشعبية في العرف الاجتماعي، حتى أن التجمعات (الحزبية) بدأت من أروقة هذا المسجد في دلالة واضحة على مدنية الدولة وتحضرها، خصوصاً وأنها نبعت من مجتمع أبعد ما يكون عن الأشكال الحضارية.

كما كان لشخصية الرسول الأكرم (ص) وجو الحرية الذي أشاعه بين أفراد هذا المجتمع الجديد الدور الأول في تسريع عملية الإنماء الاجتماعي الحضري للدولة الإسلامية، فيأتي الأعرابي من أقاصي الجزيرة ويمسك بالنبي (قائد الدولة) ويقول (أعدل يا محمد) وحينما يحاول بعض الصحابة معاقبته على هذا الفعل، يرفض الرسول الأكرم (ص) ذلك ويجزل العطاء لهذا الأعرابي.

هكذا كانت البداية، فعظم المسؤولية يكون في الجسر الموصل إلى رعاية المجتمع وتلبية مطالبه الأساسية.

وقد تضافرت عدة جهود في إنماء المجتمع المدني في المدينة المنورة، أهمها شخصية قائد الدولة، ثم الفطرة البدوية التي تختزن العوامل الأخلاقية في أفراد الجزيرة وبالذات سكنة المدينة المنورة والتي تعد أحد أسباب اختيار النبي الأكرم (ص) لها كمركز لإقامة دولته.

وظل الهدف الأسمى لهذه الدولة هو الإنسان في حريته وضمان أمنه الاقتصادي والاجتماعي، واتضح مظهر التفاعل الاجتماعي مع السلطة الدينية بحيث اتخذ أشكالاً مثالية؛ فالطاعة الجماهيرية المنقطعة النظير جاءت كنتيجة لعدالة هذه الدولة ورغبتها في خدمة المجتمع ولم يكن القائد أو من يعينه هو المسؤول الوحيد في الدولة والمجتمع بل إن الفرد أي فرد هو مسؤول بنص الحديث الشريف: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، وهكذا كان ديدن أئمة أهل البيت (ع) والتابعين في إذكاء روح المنافسة على الخير وخدمة المجتمع، فالإنسان أكرم من المقدسات الدينية فهو اكرم من الكعبة وهي أقدس رمز عند المسلمين، وكان نجاح الحاكم يتجسد في مدى قدرته على رفع مستوى الإنسان ليؤدي مسؤوليته في إدارة المجتمع المسلم.

والغاية الأخلاقية للدولة لم تكن مستمدة من قانون ارتآه النبي الأكرم (ص) - شخصياً - بل هو تعليم سماوي في قوله تعالى:(وما ينطق عن الهوى) (النجم: 3) وقوله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إنّ الله عزيزٌ حكيمٌ) (التوبة: 71).

ثقافة مجتمع المدينة المنورة

نمت الحياة الدينية وازدهرت في المجتمع المدني حتى غدت ثقافة هذا المجتمع هي النموذج المعتمد في التنظيم الاجتماعي للأقاليم وتوابع الدولة الإسلامية فيما بعد.

وكانت الخطوات الأولى التي قام بها النبي الأكرم (ص) هي:

1- تغيير اسم يثرب إلى اسم (طيبة). 2- بناء مسجد المدينة. 3- إيجاد الأخوة الإسلامية.

فكانت عملية ذوبان المهاجرين والأنصار في نظام المجتمع الجديد.

وعندما وضع الرسول (ص) أولى خطواته على أرض المدينة المنورة بدأ بإنشاء أول مؤسسة إسلامية ضمت الكثير من المؤسسات الفرعية الأخرى تمثلت في المسجد وقد اشترك في بناء هذا المسجد جميع المسلمين حتى رسول الله بنفسه المباركة، وبعدها تمكن رسول الله (ص) -في وقت قياسي- أن يجعل من المدينة قاعدة اجتماعية نظامية ودينية محكمة، وكان المقصود من ذلك هو استمرار نظام سياسي قوي قائم على أساس الإسلام في شبه الجزيرة، لينطلق بعد إلى العالم.

وتضم مؤسسة المسجد الجامع عدة مؤسسات في مفهومنا الحالي منها: المؤسسات القضائية حيث تجري جميع الشؤون القضائية من أحكام وجزاء ومقاضاة داخل هذه المؤسسة، إضافة إلى قضايا الزواج والطلاق المؤسسة المالية المسؤولة عن إدارة أمور من قبيل الزكاة والخمس والجباية وموارد صرفها وقد أنشئ في زمن الرسول (ص) مركز اقتصادي اسمه (بيت المال) تجمع فيه الوجوه الشرعية من الزكوات وغيرها وتصرف في مصالح المسلمين، إضافة إلى ذلك فان النبي (ص) كان قد عين مسؤولين متخصصين في خمس الغنائم يتولون ضبط الغنائم وكتابتها والحفاظ عليها بدقة كاملة. أما بالنسبة للسجن فأنه لم يكن هنالك مكان يسمى بهذا الاسم بل غالباً ما كان يؤخذ المتهمون إلى المسجد أو إلى غرفة معينة ليكونوا تحت النظر..

وقيل: كان النبي (ص) قبل الهجرة إلى المدينة قد عين للأنصار نقيباً ليتحدث عنهم، كما عين(ص) لكل اثنتي عشرة قبيلة رئيساً، كما جعل العريف -وهو الممثل لمجموعة قوامها عشرة أفراد- تحت إشراف وتصرف النقيب، وكان النقيب ممثلاً لكل القبيلة وكانت بعهدته مسؤولية الحرب والصلح ونحوها، فإذا لم يستطع النقيب حل نزاع في مجموعته، أو إن طرفي الدعوة مرتبط بقبيلة أخرى، يكون الحل النهائي لهذا النزاع هو ردّه إلى الرسول (ص

الشرطة والحرس

في التشريع الإسلامي يقال لكل من يضبط المخالفين (الشرطي) أو (الحرس).

وقد أنشئت (مؤسسة الشرطة والحرس) هذه قبل قدوم الرسول (ص) على المدينة لأنه كان يتوقع أن يلحق به الضرر من قبل قريش، ومهمة هذه المؤسسة هي الحراسة وحماية الناس من اللصوص وغيرهم في مسعى من الرسول (ص) لإشاعة الأمن الاجتماعي لأهل المدينة، ومع هذا فقد كانت مهمة هذه المؤسسة محدودة جداً، لأن النظام الإسلامي رسخ عملية (التسيير الذاتي) التي ضمنت سير العملية الاجتماعية بشكل مثالي رغم وجود المعارضة المتمثلة باليهود والتي احتفظت بحقوقها في ظل الدولة الجديدة.

وقد وفر جو الحرية هذا بطلان أي قيد غير شرعي، الأمر الذي تعمل به القوانين الوضعية في الأزمنة المتأخرة. ويبين الإمام الشيرازي هذه الإشكالية بأن هناك فرقاً بين (الإسلام) وبين(القوانين الوضعية) في هذا الأمر فالأصل في الإنسان الحرية فإنها المستفادة من قاعدة (الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم) (البحار: ج 2 ص272)، ولذا فلكل إنسان أن ينضم إلى الآخرين، لبناء الحياة وتقدمها ولا يحد هذه الحرية، إلا ما يوجب الضرر على الآخرين أو على النفس (بما لا يجوز تحمله شرعاً) فليس للدولة - في نظر الإسلام - التدخل في شؤون الجماعات أو وضع الدساتير والقوانين لها وتقييدها بقيود إطلاقاً.

نعم، إذا أخطأ فرد ما، أو أية جماعة، فمن حق الدولة إيقافها على المقرر الشرعي؛ وذلك أن الفرد حيث أنه حر لا يقيد وإذا ثبت خطأه أوقف عند حده - حسب المقرر شرعاً - بينما القوانين الوضعية تقيد الجماعة بقيود كلها منافية للحرية؛ ولذا كانت تلك القيود باطلة في نظر الإسلام (السياسة: ج1 الإمام محمد الحسيني الشيرازي).

خاتمة

إن نظرية الدولة في الأدبيات الإسلامية لم تحظ بالدراسات الكافية، حيث لم يظهر منها إلا بعض البحوث التي لا تتمتع بالصفة العلمية التي تستحقها أطروحاتها، خصوصاً وإن أغلب هذه الدراسات لم تصدر عن متخصصين في فقه السياسة الإسلامية، مع ما تحمل هذه البحوث والدراسات من محاولات لاستجلاء مفردات تاريخ نظام الحكم الإسلامي.

وبعض الدراسات المقارنة وللأسف تأثرت بشكل أو بآخر، بالنظم الغربية وبنت على أسسها تصورات توفيقية تفتقر إلى الدقة والموضوعية.

وفي نهايات القرن العشرين الميلادي نشطت حركة فكرية قادتها مجموعة من المراجع الكبار قد تمهد الطريق لنهضة فكرية إسلامية ضامنة لمنهج صحيح عبر استقاء الأحكام الشرعية من مصادرها الأصيلة..

هذا وباعتبار أن أحكام الإسلام وسننه الشريفة قد تضمنت أرفع أشكال الدولة، عن مقام المعارض المخالف، وأمنعها عن نظر الناقد؛ إذ استطاعت منذ أن وضع الرسول الأكرم (ص) لبناتها الأولى في المدينة المنورة، أن تنظم شؤون الناس بأدق ما يكون النظم، بحيث راح يحتكم إليها الجميع - حتى الأمة اليهودية آنذاك - عن ارتياح من طبعهم، في شؤون معاشهم ومعادهم.. باعتبار ذلك - مضافاً إليه أن الدولة الإسلامية العتيدة كانت متراحبة الآفاق، كثيرة الأقاليم، قد ضمت بعد الفتوحات العظيمة واستوعبت الكثير من أقطار الدنيا والأقوام المختلفة الأصول والألوان والأديان، بنوع غير مسبوق من نظام وسلطات تقوم على قيم العدل والإنصاف، وقواعد راقية، في مقدمتها إقامة الحق وإزاحة الباطل - فإن استنباط شكل الدولة وأصولها وقواعدها، في الجهات والأبعاد المتسايرة مع متطلبات العصر الراهن، متأتٍ لكل من أحاط بكتاب الله المجيد، وسنة رسوله الأكرم، وأهل بيته أعدال القرآن، خُبراً..

وقد أوفى على المطلب، وأطبق المفصل، في هذا المضمار، سماحة الإمام الشيرازي (السيد محمد مهدي الحسيني)، حيث عالج الموضوع في مختلف شعبه وفروعه، واستخرج قواعده وأصوله من صلب الشريعة المقدسة، بما يلوي أعناق الرجال على أن الدين الحق هو دين شامل مستوعب لسائر شؤون بني الإنسان، بما هو دين الفطرة التي فطرها الله، وبما هو متضمن لسنن لا مندوحة لبني البشر - مطلقاً - إلا أن يأخذوا أنفسهم بها، في كل عصر ومصر..

* مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 58-ربيع الأول 1422/حزيران 2001

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0