الإعلام هو صوت الناس، بهذه الجملة المختصرة، وبهذا الوضوح يصف بعض المختصين مهمة الاعلام ودوره، ولكن هناك شروط تجعل من الإعلام قادرا على القيام بهذا الدور الكبير، فصوت الناس، هو رأيهم، وهذا الرأي الجمعي، لا يستطيع أحد أو شيء أن يمثله ما لم تكن له مزايا خاصة تجعله قادرا على أداء هذه المهمة الصعبة، فحتى تكون ممثلا لصوت الناس ورأيهم ينبغي أن تكون صادقا ودقيقا، وحتى تحصل على هذه الصفة الأخيرة، عليك أن تعتمد الحقائق والأسانيد الصادقة، ولا تذهب في طريق الأوهام.

هل هناك من يستدرج الاعلام نحو فخ الأوهام؟؟ الاجابة، نعم هناك إعلام يعيش على (صناعة الكذب)، ويعتاش على (خلق الأوهام)؟، ومن المشاكل العصيبة أن حصانة الرأي العام لم تكن دائما من الصلابة بحيث تكون قادرة على فضح الإعلام المضلَّل، بمعنى هناك مشكلة التضليل دائما تقف في وجه الاعلام القائم على الحقائق.

علما أن العلاقة بين الحقيقة والاعلام متعاضدة ومتبادَلة في الوقت نفسه، فهي تسهم في صناعة اعلام ناجح، والاعلام يمكن أن يقوم بدور مهم في كشف الحقائق وتثبيتها، إذاً فإن دور الاعلام يمكن أن يكون كبيرا في تثبيت الحقائق، أو تغييرها، وله قدرة كبيرة على التلاعب بالعقول، ليس البسيطة العادية غير المتخصصة فحسب، وإنما يمكن للاعلام المضلل أن يتلاعب حتى بعقول النخبة، أو الاشخاص والجهات المعنية بتطوير المجتمع، والتي تعلن قيادتها للنشاط المجتمعي الحكومي والاهلي على حد سواء، خاصة عندما تسير هذه النخب مع الموجة التي يصنعها الاعلام عبر وسائل التزييف والفبركة.

الإعلام بين الخداع والصدق

لا يمكن للاعلام أن يمسك العصا من المنتصف فيما يتعلق برصد الحقائق وتثبيتها، بمعنى أما أن يصطف الاعلام الى جانب الدقة والانصاف أو يكون مغاليا مأجورا ومفبركا كما في الصحافة الصفراء مثلا، فأما أن يكون الخداع منهجا للاعلام، أو انه ذو منهج يقوم على الصدق، ولا يمكن أن تكون الوسطية هنا مقبولة او ناجحة، أي لا يمكن أن يكون الاعلام صادقا مرة وفي اخرى كاذبا ومخادعا، فهو يتبع منهج المخطط له والمنفّذ لأهدافه المرسومة مسبقا.

هناك خطر كبير يمكن أن يتسبب به الاعلام عندما يسعى لتزييف الحقائق، هنا سوف تتضح خطورة الاعلام في تعامله مع بسطاء الناس، ومحاولاته الحثيثة لتزييف الحقائق بما يتفق ومصالح القائمين عليه، خاصة اذا عرفنا قدرات الاعلام الكبيرة في خداع العقول التي تظن بأنها واعية ومحصنة من مخاطر الاعلام الصاخب والكاذب، وهذا يذكرنا بالمقولة ذائعة الصيت لجوزيف جوبلز وزير الدعاية النازي الذي قال فيها: (إكذب إكذب حتى يصدقك الآخرون، ثم اكذب أكثر حتى تصدق نفسك)، وهكذا يسعى الاعلام الكاذب لتزييف الحقائق لكي تصبح الاكاذيب صورة أو حالة واقعية مفروضة على العقول التي سرعان من تنطلي عليها عمليات الخداع والتضليل، لتمرير اهداف معينة لصالح كتلة او حزب او شخصية سياسية، او تزيين وجوه كالحة وأياد سارقة وآثمة، ومشاريع مشبوهة، وما الى ذلك من اهداف يسعى الاعلام المزيف الى ترويجها وتثبيتها كحقائق، هذا الامر على الصعيد المحلي وهناك اعلام يسعى لخدمة أهداف خارجية اقليمية ودولية.

إن بسطاء الناس ربما لا يعون مخاطر اللعبة الاعلامية وقدرتها على التزييف، لذلك قد ينخدع كثيرون بسرعة، بما يتم طرحه من اهداف ومشاريع واجندات مشبوهة مختلقة لا تمت للحقيقة بصلة، وقد نعطي العذر للناس البسطاء بسبب تدني مستوى الوعي لديهم، وضعف الاطلاع وفهم ما يجري في السياسية وسواها، ولكن ما هو عذر العقول المتخصصة الواعية عندما تنطلي عليها مثل هذه الاكاذيب وتؤثر عليها، وتغيّر من قناعاتها وسلوكها ايضا؟، إن الخطر كل الخطر يكمن في قدرة الاعلام المزيف على التأثير في العقول الواعية المتخصصة، فالمتوقع من العقول الذكية كشف التضليل والتزييف الاعلامي وفضحه وتنوير بسطاء الناس، فاذا سقطت في الفخ فهذا يعني أن الجميع تنطلي عليه اللعبة، هذا هو مكمن الخطر بالضبط.

مواجهة التلاعب بعقول البسطاء

هل يمكن مواجهة الاعلام المزيف، كيف يتم ذلك؟ ومن يتصدى لهذه المهمة الكبيرة؟، إن الاجابة لا يمكن اختصارها بكلمات في مقال، او مقترحات او خطوات، وانما ينبغي أن يكون هناك منهج متكامل للمواجهة، مدروس ومتخصص وموضوع من لدن لجان وخبراء وجهات متمرسة، على تشترك عقول وارادات ومنظمات معنية بالامر في دراسة سبل مكافحة الاعلام المزيف، فالمهمة ليست سهلة كما قد يتصور البعض.

اذاً ازاء مهمة المواجهة، وهي مهمة ينبغي أن تخضع الى منهجية، وارادة، وجهود مادية كبيرة (جهد حكومي)، مع جهود فكرية (خطط دراسات وبحوث وخبرات)، لذلك اذا كان ثمة عذر للعقل البسيط في تمرير ما يروج له الاعلام القائم على التضليل، فإن هذا العذر لا يمكن منحه لمن يعلن بأنه صاحب وعي عال ويؤكد بأنه من النخبة، وانه من المتصدين لرفع كفاءة الاعلام وتطوير البلد في عموم المجالات، إذن فالمطلوب ممن يعلن انتسابه الى النخبة الواعية، أن لا يسقط ضحية للاعلام الصاخب، كما يسقط صاحب الوعي البسيط والعقل العادي، والسبب أن من ينتسب الى النخبة ويتصدى لقيادة المجتمع، ينبغي أن لا تنطلي عليه عمليات الخداع والتضليل والتزييف التي يقوم بها الاعلام الكاذب، لسبب بسيط أن مهمة الكشف والرصد والفضح لهذا النوع من الاعلام المخادع تقع على عاتق العقول الكبيرة المتخصصة.

هناك سبل تندرج تحت منهجية التخطيط المسبق هي التي تبدأ بهذه المهمة، بمعنى اوضح على كل من ينتمي الى النخب، التفكير بطريقة مضادة ومبتكرة تختلف على نحو تام عما يطرحه الاعلام المخادع، من افكار ورؤى ومشاريع تبدو وكأنها تنتمي للحقائق، لكنها عبارة عن حزم متواصلة من الخداع والتزييف، تستهدف بث وترسيخ اهداف معينة، لا تصب في صالح المجتمع، بل تهدف الى تحقيق مصالح ضيقة الافق والرؤية، اما تتعلق بحزب او كتلة او شخصية سياسة، تهدف الترويج لمصالحها ونفسها، على حساب المصالح العامة، وهذا يعني أننا ضمن منهجيتنا ينبغي الابتعاد عن الذاتية والأنانية والتفكير بالمصلحة الفردية، وغاليا ما تتلفع مثل هذه المصالح ذات الطابع الاناني، برداء المصلحة العامة، فيقوم الاعلام المضلل بدوره الخطير في قلب الحقائق، وتلميع الوجوه والمشاريع المشبوهة، فيتم تمرير مثل هذه الاهداف الخطيرة بواسطة الاعلام المخادع، لتتعامل معها العقول البسيطة على انها تعمل لمصلحتها، لكنها في الحقيقة مشاريع مزيفة ليس لها علاقة بالواقع، وتبقى مهمة الكشف من مسؤولية العقول الأكثر ادراكا ووعيا وحضورا.

ان مهمة رصد الاعلام المسيء جماعية، خاصة أننا في العراق نمر بظروف ملتبسة، هنا يتقدم دور اصحاب الوعي المتخصص والعقول الواعية، لكشف وفضح الاعلام المندس، ورفض التعامل معه من خلال اطلاق حملات توعية مضادة وفاعلة مدعومة بالوعي والحقائق، وتكون قادرة على أن تكشف حالات التضليل التي يقوم بها الاعلام القائم على الأكاذيب، ولابد أن نقوم بمهمة مضاعفة الوعي الشعبي العام ضد الانزلاق في منحدر الاعلام المخادع الذي لا يعمل لخدمة المجتمع، بل هو اعلام مأجور، مزيّف للحقائق، يتحرك وفقا لأهداف مرسومة مسبقا، مضادة للشعب والدولة، بعد استلام الأجور عن هذا الدور الخبيث مقدما!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0