الحوزة العلمية كيان حي، مهم، فاعل، مؤثر في حياة الافراد والمجتمعات على حد سواء، وله سطوة على الآراء والعقول، يمضي بها نحو الصلاح، ويراكم المواهب والقدرات والاعمال الجادّة، لكي تصب في الاتجاه الصحيح، لذلك تعد الحوزة العلمية صمام أمان المجتمعات، وتُسهم بصورة فعالة في ترصين البناء، على مستوى شخصية الفرد والجماعة، ولهذا السبب، فإنها تنمو وتتصاعد من حيث الكيان المادي والتأثير الفكري، والهدف من هذا النمو، هو مواكبة ما يستجد من تطورات في العالم، إذ لا يمكن لكيان حي وفاعل ومؤثر، أن يبقى راكدا بالمكان نفسه، في الوقت الذي يشمل النمو والتطور جميع المجالات في الحياة.

هذا يعني أن الحوزات العلمية، تحتاج الى التجديد دائما، لسبب واضح، حتى تكون قادرة على تحقيق درجة تأثير عالية في الافراد والجماعات والمجتمعات الكبيرة، مهما بلغت من التطور، ففي عالم اصبحت ثقافاته وأفكاره وأنماط العيش فيه، مكشوفة ومتاحة للجميع، وفي زمن اصبحت الافكار فيه معروضة على قارعة الطريق كما يقال، وصارت المعلومة تنتقل بسرعة البرق بين سكان الارض عبر وسائل الاتصال المتطورة (سمعية، بصرية، صوتية، كتابية.... الخ)، في عالم كهذا الذي نعيشه فيه اليوم، لابد أن تكون الحوزة العلمية على درجة عالية من التجديد، حتى تضمن القدرة على القيام بدورها على الوجه الأكمل، لاسيما أن الجميع بحاجة لهذا الدور المحوري، نظرا لأن الحوزات العلمية محط انظار جميع الفرقاء والاصدقاء على حد سواء، كونها نقط تلاقي وتحاور ووفاق بين الكل من دون استثناء.

هذا الدور الجوهري للحوزة العلمية، يحتاج الى مواكبة لمستجدات العصر في المجالات كافة، فمثلما تحدث حالات التجديد في الحياة برمتها، نتيجة لتطور عقلية الانسان في عموم الارض، فإن سمة التجديد احدى اهم المقومات التي تؤكد الدور الجوهري للحوزات العلمية في ادامة الاستقرار المجتمعي، وضبط الايقاع المتوازن لحركة وافكار المجتمعات بمختلف مكوناتها، وهذا يستدعي بطبيعة الحال ان تتصدر الحوزات العلمية قضية السعي لعملية التجديد وبصورة دائمة، من اجل ضمان الدور الريادي والمحوري للحوزة العلمية.

علما أن البقاء في النقطة ذاتها، من حيث التفكير، وادارة مؤسسات الحوزة العلمية، وما يتعلق بشؤونها كافة، وعدم الاطلاع على ما يستجد من تطورات في هذه المجالات وسواها، سوف يبقي على التفكير عند حالته القديمة، وعند الأساليب السابقة نفسها، في وقت يحتاج الفرد والمجتمع الى تعاملات متطورة، تضع في حساباتها تطورات الوعي والعقل الفردي والمجتمعي على حد سواء، والقدرة على الاطلاع الشامل، عبر وسائل الاتصال، ومواقع التواصل الاجتماعي، وسواها، الامر الذي يستدعي التطوير والتجديد في أساليب الحوزات العلمية وسبل تعاملها مع الجميع، وهذا يساعد على بقاء درجة التأثير نفسها التي تمتلكها الحوزة وتستخدمها في كسب تأييد الافراد والمجتمعات معا لها، علما أن هذا التأييد موجود وحاصل أصلا، بسبب الثقة العالية التي يوليها الناس بالحوزات العلمية ورجالاتها، ولكن قد تؤدي عدم مواكبة العصر الى ضمور هذه العلاقة، فالانسان بطبيعته يرغب ويميل الى الجديد، وعندما تكون تطورات الحياة شاملة، تدخل في جميع المجالات، فمن باب أولى أن تكون الحوزات العلمية سبّاقة الى التجديد.

على أننا نتفق بأن عملية مواكبة مستجدات العصر من لدن الحوزة العلمية، تحتاج الى خطوات إجرائية وعناصر مساندة تقوم بعمل ما يلزم في هذا الإطار، ولا يمكن تحقيق حالة المواكبة المطلوبة والصحيحة إلا من خلال الخطوات والعناصر التالية:

- الحفاظ على حرية الحوزات العلمية واستقلاليتها، وحماية مساراتها وقراراتها من تأثيرات الأنظمة السياسية او السلطات الاخرى كافة.

- التزام التعددية المؤسساتية في الإدارة والعمل والتنسيق، حتى لا يكون المنهج المركزي او الفردي هو الاكثر سطوة من سواه.

- من مقومات مواكبة العصر، تطوير المناهج العلمية والأصولية والعقلية، بما يتناسب مع تطور العلوم المعاصرة.

- تحريك وثبات منهج التفاعل المتبادَل، والتواصل مع الجامعات، والمؤسسات الأكاديمية، ومراكز الدراسات والبحوث، من التواصل مع المكتشفات العلمية بصورة مستمرة ومباشرة.

- العمل الدائم على تقويم ورفع المعايير العلمية للحوزات، من اجل تخريج طلاب على مستويات عالية من العلم والدراية في المجالات المطلوبة.

- الشروع والاستمرارية في بناء المدارس والمنشآت والمؤسسات والمدارس العلمية المتخصصة باللغة والأصول والفقه، وبما تراه الحوزة من جوانب علمية اخرى تحتاج الى التطوير والاهتمام.

- أهمية مد جسور التعامل مع النخب الاخرى في الإعلام والثقافة والسياسة وغيرها، بما يحقق نفعا جماعيا للفرد والمجتمع.

- تقديم الآراء والخبرات والنصح للمؤسسات الفاعلة في الدولة، لاسيما السياسية والثقافية منه، خدمة للصالح العام، بما يتفق مع روح العصر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1