التخلف السياسي، الطيش، الصراع، التسقيط، القذف والتشهير، حس المؤامرة، المراهقة السياسية، العشوائية، التسرع، الغباء السياسي، وسواها الكثير، تدخل في عداد الكلمات والمفردات والمصطلحات التي تصلح أن نطلقها على كثير من قادة العراق السياسيين، في المرحلة الراهنة، فضلا عن ساسة الأنظمة السياسية التي اندثرت في بطون التاريخ، بعد أن فشلت في التأسيس لدولة عراقية مدنية، على الرغم من مرور ما يقرب من القرن على تأسيس أول دولة عراقية في التاريخ الحديث، وتعاقب حكومات عديدة على حكمه وإدارة شؤونه.

السبب الأول كما يرى المختصون في عدم قدرة الانظمة السابقة على بناء دولة العراق المؤسساتية، يعود الى عدم نضوج ساستها، وبكلمة واضحة ومكثفة، لم يحصل العراقيون ولا دولتهم، على فرصة سانحة لتربية قادة سياسيين ناضجين سياسيا، وهذا هو السبب الأساس الذي يقف وراء عجزهم وفشلهم في بناء دولة المؤسسات، على الرغم من مرور تسعة عقود تقريبا على نشوء أول دول عراقية في سنة 1921.

وهناك علّة مزمنة رافقت جميع الحكومات العراقية السابقة والحالية، وهي علّة متشابهة مع بعضها، يمكن توضيحها بالشكل المبسّط التالي: إن صناعة القرار السياسي في العراق، لم يكن عراقيا خالصا على مدى قرن كامل تقريبا، أي منذ نشوء دولة العراق الحديثة، فدائما كانت صناعة القرار السياسية او سواه تأتي من إرادات خارج الحدود، والسبب يكمن في تبعية النظام السياسي العراقي الى دول وإرادات إقليمية ودولية، لهذا كانت هذه القوى هي التي ترسم طبيعة القرار، وتصممه كما يروق لها ويتوافق مع مصالحها، ويقوم القادة العراقيون بالإمضاء على القرار من دون مناقشة او تعديل او اعتراض، لأن نتيجة الاعتراض كانت تحمل معها عواقب وخيمة، أبسطها خلع الحاكم من العرش، وقد يرافق هذا الخلع فقدانه لحياته كما حدث مع حكام وأنظمة سياسية ملكية وجمهورية حكمت العراق في ما مضى.

ومن الواضح أن ثمة أسبابا تقف وراء تبعية النظام السياسي العراقي للإرادة الإقليمية او الدولية، أهمها أن هذه القوى تقدم ضمانات بحماية عرش الحاكم، ولكن قد يصح مثل هذا التعامل مع دول فقيرة ضعيفة اقتصاديا، أما العراق فهو صاحب اكبر ثروة نفطية ومعدنية في المنطقة تقريبا، وهو يعد من البلدان الغنية بالموارد المائية والزراعية، فلماذا يتم استغلاله من لدن القوى الاقليمية والدولية على الرغم من كونه ليس دولة فقيرة؟، هل السبب يكمن في مشكلة محددة هي فقدان سمة (النضوج السياسي) عند ساسة العراق، الأمر الذي جعلهم بلا ارادة وطنية مستقلة، تمكنهم من صناعة القرار، من دون تدخل قوى او دول اقليمية ودولية؟، أم ثمة أسباب أخرى تقف وراء هذه النتائج المريبة التي أسهمت على نحو غريب في عدم بناء دولة عراقية، ذات مؤسسات دستورية راسخة لا تتأثر بتغيير الحكومات، كما يحدث ذلك في دول مجاورة على سبيل المثال؟.

ما أسباب عدم النضوج؟

جملة من الأسباب التي تعيق نضوج السياسي العراقي، سنأتي على ذكرها من وجهة نظر شخصية، واستنادا الى ما يذهب إليه المعنيون بعلم السياسة، ولكن قبل ذلك هل يمكن القول أن الثقافة السياسية هي حقل تربوي ينبغي أن يلتحق به السياسيون العراقيون كما يحدث في دول العالم المتقدم، حيث لا يُسمح لكل من هبّ ودب بالدخول في المعترك السياسي ما لم يكن ذا خبرة علمية عملية تؤهله للدخول في هذا العالم الشائك (عالم صناعة القرار)، الأمر الذي يستدعي مقدرة خاصة ومؤهلات، وذكاء وحنكة وشخصية ووعي، من طراز خاص.

في هذه الحالة يمكن للسياسي أن يدخل في مضمار السياسة الشائك، والسؤال هنا، هل يمر السياسي العراقي بهذا الاختبار، وهل هناك من يسأله ما هي مؤهلاته كي يشارك في صناعة القرار الذي يهم ملايين العراق حاضرا ومستقبلا؟، بطبيعة الحال مثل هذه الاشتراطات المهمة ليست موجودة في دولتنا، فالأبواب مفتوحة على مصاريعها لكل من يريد الدخول في السياسة، والأدهى والأمر من ذلك، أن من يخطط ويصوت ويرسم ويصمم صناعة القرار السياسي او الاقتصادي، ليس له علاقة بهذا الاختصاص من قريب او بعيد، لذلك تأتي معظم القرارات من خلال صناعة بائسة فاشلة لأنها لم توضع بأيدي وعقول تمتلك مؤهلات كافية لصياغة القرار.

ثم هناك من يمنع حالة النضوج لدى الساسة في العراق، لذلك على مدى الانظمة التي حكمت العراق، نلاحظ هناك أيدي للمخابرات الأجنبية فيها، لاسيما الغربية، فهذه الدوائر لا يمكن تأتي بسياسي مؤهل ومحصَّن بالنضوج السياسي الوطني، فهي لا تريد أن تفضح نفسها اولا، ولا تريد أن تخسر مكاسبها، لهذا فإن الشرط الأهم الذي تحرص على تكريسه لدى القائد السياسي الذي تقوم بتنصيبه كحاكم او معاونيه، هو أن يتسم بالغباء والتسرع والطيش، حتى يكون مؤهلا كي يكون طاغية متنمرا على شعبه، وخانعا مطيعا لأسياده.

أما عندما يحاول بعض الساسة التابعين، الإفلات خارج الطوق المخابراتي الأجنبي، ويحاول التمرد وإبداء عدم الطاعة، فإن مصيره سيكون السقوط وخسارة الكرسي والموت شنقا او رميا بالرصاص او (السحل) بالشوارع وما شابه، والتاريخ العراقي القريب يحتفظ بمثل هذه الأدلة بصورة واضحة لا تقبل التشكيك.

خطوات النضوج السليم

إذاً متى ينضج الساسة العراقيون، وهل ظهرت بوادر لهذا النضوج على الأقل في المرحلة الراهنة، التي أطلق عليها كثيرون، بأنها مرحلة الحرية والديمقراطية الجديدة؟، هل يمكن أن نضع خطوات واضحة لترسيخ النضوج السياسي لدى الطبقة السياسية في العراق، لاسيما أننا في أحوج ما يكون إليها في المرحلة الراهنة البالغة التعقيد؟. السؤال الأهم هل يمكن أن نبني نضوجا سياسيا سليما في العراق، كيف يتم ذلك وكيف يكون شكله؟؟.

من وجهة نظر شخصية أقول، نعم هناك فرصة مواتية للنضوج السياسي، كي يكون من العلامات الواضحة لهذه المرحلة، ومن الأمثلة على ذلك، ما قام به السيد مقتدى الصدر في قضية الإعتصامات الأخيرة، وكيفية ادارة هذا الملف بنضوج سياسي واضح، فقد أبدى (الصدر) كثيرا من الذكاء والحنكة والصدق والاتزان والهدوء في ادارة أزمة عصيبة مر بها العراق في غضون الأسابيع القليلة الماضية.

ولاحظنا مثل هذا النضوج لدى سياسيين آخرين منهم (رئيس الوزراء حيدر العبادي)، فهو ايضا تحلى بالنضوج السياسي في ادارته لهذه الأزمة التي كان من الممكن أن تعصف بالعراق (لا سمح الله)، لأن هذا النضوج لم يأت بين ليلة وضحاها، لقد مرت اكثر من عشر سنوات على هؤلاء الساسة لكي يتعلموا كيف يديرون الأزمات بالاحتواء وليس بالصدام، ومن أرقى ما يمكن في ادارة هذه الازمة ذلك الانضباط العالي، والالتزام، والحس الوطني بالخطورة البالغة التي تحيط بأمن البلاد وحاضره ومستقبله، لاسيما أن عصابات داعش وخلاياها النائمة تتربص بالعراق شرا، وتتلهف لأي خرق في هذا المجال كي تنقضّ على مؤسسات الدولة.

وأخيرا إن من أهم الدلائل على النضوج السياسي في العراق حاليا، هو إكمال عملية صناعة القرار داخليا بخصوص أزمة الاعتصامات المدنية، فلأول مرة في تاريخ العراق الجديد، أي منذ نيسان 2003 والى الآن، يخرج قرار عراقي صرف تتم صناعته بعقول عراقية وإرادة عراقية خالصة، لم تتدخل فيه لا قوى اقليمية ولا دولية، فقد خرج قرار فض الاعتصام عراقيا، وكذلك ما تلاه من قرارات بتقديم كابينة الحكومة الجديدة الى مجلس النواب وسلوك الأخير حيال هذا الأمر.. كل هذه العلامات والاشارات والملامح، تؤكد أن النضوج السياسي في العراق بدأ مرحلة جديدة، يمكن أن نطلق عليها بلا أدنى تردد، مرحلة النضوج السياسي الوطني.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0