عندما تصبح المؤسسات ظلًّا للسلطة

مأزق العلاقة المرتبكة بين الدولة ومؤسساتها في العراق

الدولة التي تتحول فيها المؤسسات إلى مجرد أذرع للسلطة تفقد معناها الحديث. إن الديمقراطية لا تنهار دفعة واحدة، بل تبدأ بالتآكل حين تفقد المؤسسات قدرتها على الاستقلال والرقابة؛ فالمؤسسات القوية هي الضامن الحقيقي لبقاء الدولة فوق الصراعات الحزبية والمصالح العابرة، وهي الجدار الأخير لحماية الحقوق العامة...

ليست قوة الدولة بعدد مؤسساتها أو ضخامة بناياتها الرسمية، وإنما بقدرتها على بناء علاقة متوازنة بين السلطة والقانون، بين الحاكم والمؤسسة، وبين القرار السياسي والضوابط الدستورية التي تنظمه. فالدولة التي تتحول فيها المؤسسات إلى مجرد أذرع تابعة للسلطة، تفقد تدريجيًا معناها الحديث، حتى وإن احتفظت بكل مظاهر الشكل الديمقراطي.

وفي التجربة العراقية، تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيدًا من مجرد خلل إداري أو ضعف تنظيمي. فالمشكلة تمتد إلى طبيعة العلاقة نفسها بين الدولة ومؤسساتها، وهي علاقة بقيت طوال عقود مضطربة ومشوشة، تتأرجح بين النصوص الدستورية التي تتحدث عن الاستقلالية، والواقع السياسي الذي يدفع المؤسسات غالبًا إلى موقع التبعية أو العجز أو الخضوع غير المعلن.

لقد ورث العراق تاريخًا طويلًا من مركزية السلطة، حيث كانت الدولة تُختزل غالبًا في الحاكم أو الحزب أو الجهة المسيطرة، بينما تتحول المؤسسات إلى أدوات تنفيذ أو واجهات شكلية تمنح السلطة مظهر الشرعية أكثر مما تمارس دورها الحقيقي في الرقابة والتوازن. ولهذا لم تتشكل في الوعي السياسي العراقي، بصورة مستقرة، فكرة المؤسسة بوصفها كيانًا مستقلًا يمتلك حصانته الدستورية ووظيفته الرقابية بعيدًا عن إرادة السلطة التنفيذية أو نفوذ القوى السياسية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الانتخابات أو تعدد الأحزاب فقط، بل بمدى قدرة المؤسسات على العمل باستقلال حقيقي حتى عندما يتعارض ذلك مع رغبات السلطة. فالمؤسسة الدستورية التي تخشى التدخل السياسي، أو تنتظر الإشارة الحزبية، أو تخضع لمنطق المحاصصة والمصالح، تتحول تدريجيًا من ضامن للديمقراطية إلى عبء عليها.

لهذا تبدو قوة المؤسسات معيارًا أكثر دقة من الشعارات السياسية في قياس نضج أي تجربة ديمقراطية. فكلما امتلك القضاء، والبرلمان، والهيئات الرقابية، والمفوضيات المستقلة، قدرة حقيقية على اتخاذ القرار بعيدًا عن الضغوط، أصبحت الدولة أكثر استقرارًا. والعكس صحيح تمامًا؛ إذ تبدأ الديمقراطية بالتآكل عندما تصبح المؤسسات ضعيفة أو خائفة أو فاقدة للاستقلالية.

وفي العراق، لا تبدو الأزمة مرتبطة بالنصوص القانونية بقدر ارتباطها بثقافة إدارة الدولة نفسها. فالكثير من المؤسسات الدستورية أُنشئت أصلًا لحماية التوازن السياسي وضمان الرقابة ومنع عودة الاستبداد، لكنها وجدت نفسها مع مرور الوقت محاصرة بالتجاذبات الحزبية والتدخلات السياسية وتبادل المصالح. وهكذا أصبحت بعض المؤسسات مطالبة بحماية الديمقراطية، بينما هي عاجزة عن حماية استقلالها أولًا.

هذه الإشكالية تظهر بوضوح في المؤسسات المرتبطة بإدارة العملية الديمقراطية نفسها، مثل مفوضية الانتخابات. فالمفوضية لا تمثل جهازًا إداريًا عاديًا، بل إحدى الركائز الأساسية لبناء الثقة بالنظام السياسي. وحين تتعرض هذه المؤسسة للتشكيك أو التدخل أو المحاصصة، فإن الضرر لا يصيب مؤسسة بعينها فقط، بل يمتد إلى فكرة الديمقراطية نفسها، لأن الثقة بالانتخابات هي المدخل الطبيعي للثقة بشرعية النظام السياسي.

والمشكلة لا تتوقف عند التدخلات الخارجية، بل تمتد أحيانًا إلى داخل المؤسسات ذاتها، حين تتحول بعض الإدارات أو القيادات إلى جزء من شبكة المصالح السياسية، فتفقد المؤسسة تدريجيًا قدرتها على أداء دورها المهني والدستوري. وهنا تصبح المؤسسة شريكًا في إضعاف نفسها، لا مجرد ضحية لضغوط خارجية.

كما أن المؤسسة التشريعية في العراق تعكس بدورها جزءًا من هذا الارتباك البنيوي. فالبرلمان، الذي يُفترض أن يكون المساحة الأعلى لتمثيل الإرادة الشعبية والرقابة على السلطة التنفيذية، يجد نفسه غالبًا أسير الانقسامات الحزبية والتقاطعات السياسية وتضارب المصالح. ومع تعدد الولاءات داخل المؤسسة الواحدة، يصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الدور الرقابي الحقيقي وبين الصراع السياسي الذي يُدار تحت قبة البرلمان.

ولهذا لا تبدو أزمة المؤسسات في العراق أزمة هياكل إدارية فقط، وإنما أزمة فلسفة سياسية أيضًا. فالدولة الحديثة لا تُبنى عبر تضخم السلطة، بل عبر توزيع القوة داخل مؤسسات مستقلة ومتوازنة، تمتلك القدرة على الرقابة والمحاسبة ومنع احتكار القرار. أما حين تبتلع السلطة مؤسسات الدولة أو تُفرغها من مضمونها، فإن الدولة نفسها تبدأ بفقدان توازنها الداخلي مهما بدت مستقرة ظاهريًا.

الأخطر من ذلك، أن ضعف المؤسسات لا يخلق فراغًا إداريًا فحسب، بل يفتح المجال أمام تصاعد نفوذ العلاقات غير الرسمية، والوساطات، والمصالح الحزبية، والصفقات السياسية التي تتحرك خارج منطق الدولة. وعندها تبدأ الثقة العامة بالتآكل تدريجيًا، لأن المواطن لا يعود يرى المؤسسة بوصفها مرجعية قانونية عادلة، بل ساحة نفوذ تخضع لموازين القوى والمصالح.

ومن هنا تظهر أهمية الدور الرقابي للمجتمع المدني والإعلام والنخب الأكاديمية والثقافية. فالمؤسسات لا تحافظ على استقلالها بالقوانين وحدها، بل بوجود رأي عام حيّ يراقب ويدافع ويضغط باتجاه ترسيخ فكرة الدولة المؤسسية. فالمجتمع الذي يفقد حساسيته تجاه تآكل المؤسسات، يمنح السلطة فرصة أكبر للتوسع على حساب التوازن الدستوري.

كما أن إصلاح العلاقة بين الدولة ومؤسساتها يحتاج إلى ما هو أبعد من التعديلات الشكلية أو الخطابات السياسية. إنه يحتاج إلى إعادة بناء ثقافة سياسية تؤمن بأن استقلال المؤسسة ليس تهديدًا للسلطة، بل ضمان لاستقرارها. فالدولة التي تمتلك مؤسسات قوية لا تضعف، حتى عندما تتغير الحكومات أو تتبدل التحالفات، لأن قوة النظام لا تكون مرتبطة بالأشخاص، بل بصلابة المؤسسات نفسها.

ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لبناء دولة مستقرة في العراق يجب أن يبدأ من تحصين المؤسسات ضد التدخلات الحزبية، وتطوير آليات التعيين والرقابة، وتعزيز الشفافية، وخلق بيئة قانونية تمنع تحويل المؤسسات إلى ساحات نفوذ سياسي. كما أن منح منظمات المجتمع المدني مساحة أوسع للمراقبة والدعم والتقييم، يمثل خطوة ضرورية لإعادة التوازن بين السلطة والمجتمع.

لتعزيز العلاقة المتوازنة بين الدولة ومؤسساتها

إعادة ترسيخ مفهوم “الدولة المؤسسية” داخل الثقافة السياسية العراقية، بحيث تُدار الدولة عبر القوانين والمؤسسات لا عبر النفوذ الشخصي أو الحزبي.

اعتماد آليات مهنية شفافة في اختيار القيادات العليا للمؤسسات الدستورية، بعيدًا عن المحاصصة والتوازنات السياسية الضيقة.

تحصين الهيئات الرقابية والقضائية والمفوضيات المستقلة بقوانين تمنع التدخل المباشر أو غير المباشر في قراراتها.

تعزيز مبدأ الفصل الحقيقي بين السلطات، بما يمنع تركز النفوذ داخل جهة سياسية واحدة على حساب التوازن الدستوري.

توسيع دور منظمات المجتمع المدني والإعلام المهني في مراقبة أداء المؤسسات وكشف حالات الإضعاف أو التسييس.

تطوير ثقافة المساءلة داخل المؤسسات نفسها، بحيث تتحول الرقابة إلى ممارسة مؤسسية مستمرة لا إلى أداة للصراع السياسي أو الابتزاز.

اعتماد الشفافية الرقمية في عمل المؤسسات، ونشر البيانات والقرارات والإجراءات بصورة علنية تعزز ثقة المواطن بالدولة.

بناء برامج تدريب وتأهيل مستمرة للعاملين في المؤسسات الدستورية، تركز على الحياد المهني وأخلاقيات الوظيفة العامة.

تقليل تأثير التغيير الحكومي على استقرار المؤسسات، عبر تثبيت القواعد الإدارية والمهنية التي تحافظ على استمرارية العمل المؤسسي.

خلق بيئة سياسية تؤمن بأن قوة المؤسسات لا تُضعف السلطة، بل تمنح الدولة استقرارًا طويل الأمد وتمنع عودة النزعات الفردية أو الاحتكارية.

في الخلاصة، لا تُقاس قوة الدول بحجم سلطتها فقط، بل بقدرتها على بناء مؤسسات مستقلة تمتلك مناعة قانونية ومهنية تحميها من التحول إلى أدوات تابعة للنفوذ السياسي. فالدولة التي تتراجع فيها استقلالية المؤسسات، تبدأ تدريجيًا بفقدان توازنها الداخلي، لأن العلاقة بين السلطة والمؤسسة تتحول من علاقة دستورية متكافئة إلى علاقة هيمنة وخضوع، وهو ما يفتح الباب أمام هشاشة النظام السياسي وتآكل الثقة العامة.

لقد أثبتت التجارب الحديثة أن الديمقراطية لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تبدأ بالتآكل حين تفقد المؤسسات قدرتها على الرقابة والتوازن والاستقلال. وعندها يصبح الدستور نصًا معطلًا، بينما تتحول المؤسسات إلى هياكل شكلية عاجزة عن حماية الدولة أو حماية نفسها. ولهذا فإن مستقبل الاستقرار السياسي في العراق لن يرتبط فقط بإجراء الانتخابات أو تداول الحكومات، بل بمدى نجاح الدولة في بناء مؤسسات قادرة على العمل فوق الصراعات الحزبية والمصالح المؤقتة.

كما أن المرحلة المقبلة تفرض على العراق الانتقال من منطق “إدارة النفوذ” إلى منطق “إدارة الدولة”، لأن المجتمعات التي تستند إلى المؤسسات تمتلك قدرة أكبر على الصمود والتطور، حتى وسط الأزمات والتحولات الكبرى. أما الدول التي تبقى رهينة للأشخاص والتوازنات العابرة، فإنها تظل معرضة للاهتزاز مع كل تغيير سياسي أو صراع داخلي.

ومن هنا، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار لفكرة المؤسسة بوصفها الضامن الحقيقي للدولة، لا مجرد امتداد للسلطة. فالمؤسسات القوية لا تحمي الديمقراطية فقط، بل تحمي فكرة الدولة ذاتها من الانقسام والتفكك والتآكل البطيء الذي يبدأ غالبًا من الداخل.

اضف تعليق