أدلة كثيرة ومؤشرات مستمرة، تؤكد الانتصارات العراقية المتلاحقة التي يتم تحقيقها في جبهات القتال ضد تنظيم داعش الارهابي، في الرمادي والفلوجة وصلاح الدين وسنجار وطوز خرماتو وغيرها، وهي نتيجة ينبغي أن تكون محصلة للواقع العراقي ورصانة الوضع المجتمعي في الداخل، ولكن هناك مؤشرات على وجود فساد في مؤسسات الدولة، تكشفه ممارسات بعض المسؤولين الذين يتجاوزون على المال العام بدافع تحقيق المكاسب المادية بطرق لا مشروعة.

وهذا الأمر لا يتسق مع ما يحدث في جبهات القتال ضد داعش، وهذا يثير الغرابة عما يحدث على الساحة العراقية حقا، وهو يتعلق بالتناقض الحاد بين تحقيق الانتصارات، وهذا أمر يدعونا الى الفخر وينبغي أن يُسهم بكبح جماح الفساد في مؤسسات الدولة، ولكن ما نراه ونلمسه بخصوص هدر الأموال العامة والتجاوز عليها لا يتناسب مع البيانات السارّة الني يحققها أبناء القوات العراقية المسلحة بكل تشكيلاتها، الحشد الشعبي، والشرطة الاتحادية، وقوات العشائر العراقية، وغيرها من التشكيلات الساندة.

ومن الملاحظات المهمة أيضا أن قواتنا المسلحة بكل تشكيلاتها استعادت زمام المبادرة، وباتت تكبّد فلول الارهاب الدواعش خسائر كبيرة وفادحة، قصمت ظهر هذا التنظيم الارهابي، والحقيقة ما كان لهذه الانتصارات أن تتحقق من دون الجهود القتالية الكبيرة التي يبذلها الجنود وافراد التشكيلات القتالية وقادتها في المواجهات اليومية مع عصابات داعش، المنتشرة في مساحات واسعة من المناطق الغربية وما يتبع لها اداريا وجغرافيا.

وعلى الرغم من الظروف الجوية القاسية، كما حدث مع تذبذب درجات الحرارة هبوطا وصعودا على نحو غير مسبوق، مع وجود العواصف المغبرة وسوى ذلك من الظروف القاسية، إلا ان القوات العراقية وتشكيلات الحشد الشعبي البطلة، باتت تتحلى باصرار كبير لدحر الارهاب وحسم المعركة لصالحها، وهو امر متحقق على الارض بصورة فعلية، مما دفع الى انهيار المصدات والسواتر الدفاعية الامامية لداعش وزمره وعصاباته الارهابية التي تم تضييق الخناق عليها، فلاذت بالفرار متخفية عن الانظار بأساليب لا تمت بالرجولة بصلة، خاصة حالات التنكر بأزياء نسائية للتمويه والافلات من قبضة القوات العراقية.

النصر قاب قوسين

وهكذا باتت قواتنا البطلة قاب قوسين او دنى من النصر النهائي على هذا التنظيم المجرم، وهو امر بات في حكم المحسوم، بإرادة المقاتلين الشجعان، ولكن المشكلة أو المفارقة المؤلمة ان هذه الانتصارات الكبيرة، لم تستطع ان تسهم بالحد من ظاهرة الفساد السياسي والاداري والمالي التي تدور رحاها في العراق منذ سنوات متواصلة، ويرى المراقبون أن وتيرة الانتصارات الكبيرة التي تتحقق ضد داعش والارهاب والتطرف، يتزامن معها انتشار فساد بين المسؤولين الذين يديرون المؤسسات الحكومية في معظم الوزارات، بما فيها وزارة الدفاع نفسها، علما ن المتوقَّع من قادة البلد والمسؤولين كافة، أن يؤازروا القوات العراقية البطلة التي باتت تزف الانتصارات يوميا للعراقيين.

ومن القضايا التي يؤكد عليها المختصون، لاسيما علماء الاجتماع وعلم النفس، أن الانسان يكون أكثر قربا من أقرانة او نسيجه الاجتماعي عندما يتعرض للخطر، لذلك يُقال أيضا أن الازمات تجعل الناس جميعا اكثر حرصا على بعضهم واكثر تقاربا بينهم لمواجهة الازمات، فما بالك عندما يتعلق الامر بتهديد الوجود والارض والتاريخ، كما تهدف إليه العصابات الاجرامية لداعش بالنسبة للعراق والعراقيين.

لذا فإن الفعل الصحيح أو المتوقع، والذي ينسجم مع الانتصارات المتحققة للجيش العراقي على الارض، هو تقليل كفة الفساد ومحاربته، وكان المتوقّع أن يتم دعم المقاتلين معنويا وماديا، من خلال تقليص حالات الفساد الى اقصى حد ممكن، وخاصة ما يتعلق بالفساد الاداري والمالي، لكي يتم توفير المبالغ المالية الكبيرة التي يحتاجها المقاتلون العراقيون على الارض، سواء في جانب التسليح أو التمويل والتموين الغذائي والمائي وشراء الاسلحة المتطورة وسوى ذلك من الاحتياجات اللوجستية والقتالية وغيرها.

فهل بادر المعنيون من الساسة الى مثل هذه الخطوات الداعمة للجبهة القتالية الأمامية معنويا وماديا؟، الجواب حتى هذه اللحظة لم نلحظ إرادية سياسية للطبقة الحاكمة والعاملة في السياسة لمواجهة داء الفساد، ولعل الامر المستغرَب حقا أن تستمر حالات الفساد وإن كانت على نحو أقل، فضلا عن الصمت والسكوت على الملفات المعروفة، لذا نلاحظ في هذا الوقت بالذات استمرار بعض الخروقات في هذا المجال، وكأنها محاولات تقف الى جانب الارهاب ضد ما يتحقق من انتصارات لقوتنا البطلة؟.

كيف نرفع معنويات المقاتلين

لا شك أن رفع المعنويات للمقاتلين في الجبهات الامامية ضد تنظيم داعش الارهابي، تعد من أولويات الحكومة والطبقة الحاكم، وهي ايضا ينبغي أن تكون من أولويات الشعب، لذلك فهذه الصورة التي يعكسها بخصوص حالات الفساد تثير الغرابة فعلا، وتفرض العديد من التساؤلات بشأن انتشار هذه الظاهرة في مقابل الانتصارات على داعش؟!.

إن جميع العراقيين يتساءلون اليوم، كيف للقادة السياسيين والطبقة السياسية كافة، واصحاب القرار، والتنفيذ في المؤسسات الادارية والاقتصادية وغيرها، كيف لهؤلاء أن يسمحوا للفساد بالإستمرار في وقت يقدم فيه مقاتلونا الابطال أروع صور التضحية، في سبيل الارض والعرض والمقدسات؟؟، إنها اسئلة تطرح نفسها بقوة على المعنيين.

لهذا ينبغي التصدي على وجه السرعة الى هذا التناقض الغريب بين الحالتين، (الانتصارات تقابلها ظاهرة الفساد)، ومن الواجب أن تتحرك الجهات الرسمية المعنية في الحكومة العراقية وفي مؤسسات الدولة أيضا للتصدي لهذا التناقض الغريب، من خلال القيام بما يلي:

- تقديم الدعم المعنوي بكل أشكاله للقوات العراقية المرابطة في جبهة القتال بكل تشكيلاتها صنوفها.

- توفير الدعم الإعلامي من خلال وسائل الاعلام كافة، والتركيز على حالة الانهيار المتواصلة في صفوف داعش.

- تهيئة مستلزمات الانتصار كافة، وخصوصا ما بتعلق بالتسليح النوعي والتعبئة والتدريب العالي.

- توفير الرواتب والمستحقات المالية لتشكيلات الحشد الشعبي كافة، وضمان الحياة الكريمة لعائلات المقاتلين، فهذا يسهم بقوة كبيرة في رفع معنوياتهم.

- الاهتمام بالمقاتلين إداريا، عندما يرجعون الدوائر الخدمية وما شابه.

- نشر وترويج الدعم المدني للتشكيلات المقاتلة، كما فعل بعض اصحاب المحال والسيارات والمطاعم وما شابه.

- القيام بحملات إسناد متواصلة ثقافيا ودينيا تقدم الدعم الذي تستحقه قواتنا البطلة.

- الربط بين الانتصارات وحتمية القضاء على الفساد المالي والاداري كونه لا يختلف عن الارهاب.

- توزيع قطع اراضي على المقاتلين، فيوجد لدينا في العراق أراضي واسعة فائضة وصالحة للسكن، وهذا الدعم المادي له تأثير كبير على الجانب المعنوي.

- القيام بحملات تثقيفية تساعد في تعميق صفات التضحية والإيثار لدى المقاتلين كافة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3