القضاء هو يمثل احدى السلطات الثلاث التي تحكم الدولة، وهي سلطة تُعنى بفض النزاعات الفردية والجماعية المختلفة، وتشارك في ادارة شؤون الدولة المجتمع، ويدخل القضاء في تنظيم نشاطات الحياة كافة، ولهذا السبب يرى الخبراء أن القضاء مهمٌ جدّاً في حياتنا، ولا يمكن التخلّي أو الاستغناء عنه أبداً؛ فهو حجر أساس لحلّ النّزاعات بين أي طرفين، وقد عرف القضاء منذ قديم الزّمان؛ حيث كان الحاكم يقضي بين النّاس وخصوصاً حين حدوث أيّ نزاعٍ أو اختلاف على أمر ما.

كما أنّ القضاء مخوّل بالحكم على المذنب بعقوبة يقرّها الدّستور المخصّص حسب الدّولة أو القبيلة، او النص القانوني، وفي عالمنا المعاصر يوجد جهاز قضائي في جميع دول العالم، وفي جميع حكومات العالم، كما أنّ القضاء يعدّ هيئةً مستقلّة، وله سلطته الخاصّة، كما أنّ للقضاء العديد من المفاهيم ومنها الحكم والإلزام، وهو يسعى دائماً إلى تطبيق القوانين، وفصل الخصومات، وهو يعتبر الأساس في إقامة العدل في الأرض.

وفي ضوء ما ذكرنا، نستطيع أن نفهم قيمة القضاء ومكانته ودوره الأساس في حماية حقوق الناس (الأفراد والجماعات)، كذلك ادارة العلاقات الرسمية في المؤسسات الحكومية، وفي الغالب تحتكم الطبقة الحاكمة في الدولة الى القضاء، وغالبا ما تسمى (بالمحكمة العليا أو المحكمة الاتحادية)، مهمتها حل الخلافات بين أفراد وجماعات الطبقة السياسية الحاكمة وسواها، كذلك يكون القضاء مخولا لحل المنازعات بين الاحزاب والشخصيات السياسية.

وهكذا يتبيّن لنا من هذا التوضيح المختصر، أن سلطة القضاء تطول كل شيء، ويخضع لها الجميع، فهي تمثل سلطة القانون، وهناك معادلة معروفة تقول، كلما كان القضاء مستقلا بصورة فعلية، كلما كان الدستور قويا وفاعلا، وتوجد جملة أخرى تنص على أن القضاء يمثل معيارا دقيقا على شكل النظام السياسي، وتمثل استقلالية القضاء دليلا حساما على ديمقراطية او دكتاتورية النظام السياسي لدولة ما.

أهمية القضاء تؤكد أن الفساد اذا طال مؤسساته ودوائره، فهذا دليل قاطع على ضعف الدولة برمتها، فضلا عن ضعف السلطات الاخرى، التشريعية والتنفيذية، بكلمة اخرة، ضعف القضاء يعني ضعف الدولة برمتها، وهذا ما نستطيع أن نجده العراق بصورة واضحة لا لبس فيها، فالجميع يرى حيتان الفساد تصول وتجول في البلد، ولا يتحرك القضاء لوقفها عند حدها، والسبب كما تقول مصادر كثيرة وشواهد متعددة، هو ضعف القضاء.

القاضي الذي نريد

ليس كل من أطلق عليه صفة او عنوان قاضي، يقضى بين الناس بطريقة عادلة، فهناك من القضاة من لا يحكم بالعدل مع سبق الاصرار، وهناك من يحكم جورا على الناس نتيجة لجهله بالقانون وما شابه من أسباب، وهناك بطبيعة الحال من يحكم بالعدل، وهو يعرف عمله القضائي وأصوله وحدود صلاحياته، استنادا لفحوى النصوص القانونية.

القاضي الذي نحتاجه في العراق، هو الذي يحكم بالعدل مع المعرفة المسبقة بالقانون وحدود صلاحياته ومعاني نصوصه، اي القاضي الذي يحكم بالحق وهو عارف بذلك، اما العكس، فلا يخدم الشعب العراقي، لذا لا نريد قضاة جائرين يعلمون مسبقا بأنهم يظلمون الناس بأحكامهم، فمن يتستر على الفساد والفاسدين نتيجة لمنافع مادية او غيرها، لا يصلح ان يكون قاضيا ولا ممثلا لمصالح الناس، ولا حاميا لها أو مؤتمنا عليها.

قال الامام الصادق عليه السلام كما ورد في كتاب (تحف العقول)، القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار. ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار. ورجل قضى بحق وهو لا يعلم فهو في النار. ورجل قضى بحق وهو يعلم فهو في الجنة.

إذاً القاضي الذي نريده ونحتاجه في العراق، هو القاضي الذي يقضي بين الناس بالحق وهو يعلم، ففي ظل الأوضاع التي يعيشها العراقيون، وهي معروفة للجميع، للداني والقاصي، بسبب انعكاسها على الواقع السياسي والخدمي والقضائي، بل على واقع العراقيين في جميع المجالات، لهذا يحتاج العراقيون الى قضاة يحكمون بالعدل وهم عارفون للحق وداعمون له.

أما الأصناف الاخرى التي ذكرها الإمام الصادق (ع)، فهي التي رعت الفساد، وترعرع في ظلها، هؤلاء القضاة الذين فضّلوا النار على الجنة بتفضيلهم للجاه والمال والمنصب على العدل، لا يخدمون العراقيين، ولا ينتمون للعراق لأنهم يفضلون مصالحهم وأنفسهم على الجميع، بغض النظر عن مشروعية وشرعية هذا التفضيل، لهذا السبب دعت المرجعة الى أهمية إصلاح القضاء.

ولو كانت السلطة القضائية في العراق مكتملة، وصالحة للحكم بين الناس، وقادرة على حفظ الأمانة الثقيلة، لما دعت المرجعية لإصلاحها، كما أن واقع الحال يثبت بما لا يقبل الشك، أن القضاء في العراق لم يقم بدوره كما يجب، وأن إهدار ثروات الشعب العراقي بهذه الطريقة الواضحة والمخجلة، دليل قاطع على فشل القضاء في القيام بمهمته كما يجب.

خطوات لإصلاح القضاء

من خلال متابعتنا لتصريحات المسؤولين في القضاء العراقي، تبيّن لنا أن هناك إصرارا على (الخطأ)، والسبب أن ادارة القضاء لا تريد أن تعترف بوضوح بفشلها في معالجة ملفات الفساد في البلاد، ونكرر القول أن ما يثبت هذا الخلل في ادارة القضاء تأكيد المرجعية المستمر في خطب الجمعة على حتمية معالجة نقاط الضعف في القضاء، واذا كان الاعتراف بالخطأ فضيلة، فإن العكس تماما في محاولات نفي الخطأ والتهرّب من المسؤولية.

لذلك ينبغي أن تكون ادارة السلطة القضائية في العراق، على قدر كبير من الشجاعة والجرأة والوضوح، فتعترف بأنها لم تقم بدورها كما يجب، لاسيما فيما يتعلق بمحاربة الفساد وكشف ملفاته، ومحاسبة من يقف وراءها، صحيح أن هذه المهمة صعبة ومعقدة وشائكة أيضا، وأنها تحتاج الى جهود وخطط وإمكانيات استثنائية، لكننا لم نلحظ محاولة جادة لقيام المسؤولين على القضاء بما يلوم كي يؤدي القضاء دوره بصورة أفضل.

على العكس من ذلك، لاحظنا إصرارا على الخطأ!، وهذا الاسلوب كما هو معروف، لا يصب في صالح القضاء او الدولة او المجتمع، ما نحتاج إليه الآن خطوات عملية مدروسة وجريئة، لاصلاح القضاء، كما أكدت المرجعية على ذلك مرارا وتكرارا، ويمكن أن يتم ذلك وفق آليات مدروسة، تبدأ أولا، بإعلان عن وجود أخطاء، ينبغي التخلص منها ومعالجتها، على أن يتم التنسيق بهذا الخصوص مع السلطتين التشريعية والتنفيذية.

فمثلا لكي يكون القضاء حازما، ينبغي أن يكون مستقلا، كذلك هناك قضية توفير الحماية المطلقة للقضاء والقائمين عليه، من السلطة التنفيذية، وذلك بتوفير الحماية اللازمة والقوية للقضاة، فضلا عن الاهتمام بمستواهم المعيشي، ومضاعفة أجورهم، وبناء المساكن المتميزة واللائقة لهم، فمثل هذه الامور تصب في صالح البلاد كلها، ولا ينبغي أن نطالب القاضي بالعدل اذا لم تنصفه الدولة!.

لذلك عندما نتحدث عن إصلاح القضاء، علينا أن نتذكر دائما، بآليات العمل القضائي المعقدة، وكيفية تسهيل عمل القضاء، وتقديم المساندة اللازمة لهم، ولكن قبل هذا وذاك، ينبغي وضع خطة واضحة ودقيقة لإصلاح القضاء، يشرف عليها متخصصون من السلطات المعنية فضلا عن الجهات الاخرى المعنية بالأمر، وفي هذه الحالة سوف نصل الى ما دعت إليه المرجعية بصورة متكررة، وهي دعوة لإصلاح القضاء العراقي، لكي نتمكن من بناء دولة مدنية قوية، تستقل فيها السلطات عن بعضها بصورة حاسمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1