العقل يبني الحياة، والحماقة على العكس من ذلك، تهدّمها، وتطيح بها، وما بين الإثنين (العقل والحماقة) صراع أزلي، نشأ مع ظهور الانسان في البسيطة، والعقل كما يتضح، ينتمي الى الخير، ويعد من أهم أدواته الإدراكية التخطيطية، فيما تنتمي الحماقة الى النقيض من ذلك، وهي غالبا ما تقف وراء النزاعات التي قد تكون فردية أو جماعية.

والعقل كما يؤكد المختصون العلميون، هو مصطلح يستعمل عادة، لوصف الوظائف العليا للدماغ البشري وخاصة تلك الوظائف التي يكون فيها الإنسان واعيا بشكل شخصي مثل: الشخصية، التفكير، الجدل، الذاكرة، الذكاء، التحليل وحتى الانفعال العاطفي يعده البعض ضمن وظائف العقل، وعلى الرغم من وجود فصائل حيوانية أخرى تمتلك بعض القدرات العقلية، إلا أن مصطلح العقل عادة يقصد به المتعلق بالبشر فقط.

أما الحمقى فلا يعني أنهم لا عقول لهم، إنما يكمن الخلل في طريقة استخدام العقل، وينتقل هذا الخلل الى طبيعة الأفكار، التي قد تكون جيدة او رديئة، تبعا لما يفرزه العقل، ويتضح هذا من خلال الكلمات والأفعال التي ترافق الكلمات، فعندما يخرج اللسان عن حالة الانضباط والالتزام بالسياق الأخلاقي المتعارف عليه، عند ذاك سيكون سببا في إثارة المشكلات التي قد تتطور الى نزاعات، بعضها ربما يتسبب بكوارث حسب حجم النزاع والأطراف التي يدور بينها.

وكما يذكر لنا المؤرخون، هناك حروب نشبت بين دول وجماعات كبيرة، السبب المباشر لها، يكمن في حماقة القادة السياسيين، او طبيعة الحوار الذي يدور بينهم، وقد يصل الأمر الى نبرة الصوت، فهناك افراد يدخلون في نزاعات شديدة بسبب (نطق) جملة او كلمة بنبرة معينة، تثير لدى الآخر مواطن العصبية والخصام، فيبدأ النزاع صغيرا وينمو ليتحول بالنتيجة الى حرب، او حالة من الاحتراب والنزاع المتواصل، مع ما ينتج عن ذلك من خسائر.

ولكي نقلل من النزاعات بمختلف أشكالها وأحجامها وأنواعها، علينا أن نحدد طبيعة المجتمع أولا، وماهية البيئة العرفية، ومدى قدرتنا على تقديم البدائل بصورة صحيحة ودقيقة، فالنزاع هو ملء لفراغ في حياة الناس، وقوده الحماقات، ورادعه العقل، وهناك وضع نفسي يتدخل في صنع النزاعات، لذا على ذوي التخصص والمعنيين تقديم رؤى وحلول لدرء خطر الحمقى ومحاصرة اللسان في الحيّز المقبول والمسموح به فقط.

ثلاثية العقل القلب اللسان

لا شك أن هناك تماهيا وتواصلا فيما يقوم به العقل والقلب واللسان، فالأول يفكر وفقا للذكاء والتخطيط وما شابه من خطوات إدراكية، فيما يتدخل القلب في الرفض والقبول العاطفي، أما اللسان فهو مترجم الأفكار وناقلها وناطقها على الملأ، هنا يتضح الترابط بين ما يقوم به الثلاثة من أدوار.

يقول الإمام علي عليه السلام: (قلب الأحمق في فيه .. ولسان العاقل في قلبه).

في هذا القول الحكيم، يرد العقل والقلب واللسان، ويتضح لنا الفارق الكبير والبون الشاسع، بين الأحمق والعاقل، إن التفسير الأقرب الى القسم الأول من قول الامام عليه السلام، ان الأحمق تجد قلبه فيما يتلفّظ من كلمات، فهناك ترابط وثيق لدى الأحمق بين قلبه ولسانه، والأخير هو الذي يسوقه الى الحمق والزلل، وهذه الخطوة تكون بمثابة الشرارة الأولى للنزاع.

لذلك تجد أن كل النزاعات، صغيرها وكبيرها، يغيب فيها العقل، وتقف وراءها الحماقات، ويشعل فتيلها اللسان غير المنضبط، نلاحظ ذلك على سبيل المثال في المجتمع الذي لم يستطع بعد محاصرة النزاعات بمنهج عقلي متمرس انساني وقويم، في العراق على سبيل المثال، نجد كثيرا من النزاعات الفردية والجماعية الصغيرة والكبيرة، يحدث هذا دائما بين التجمعات العشائرية، ولأن العقل يغيب هنا، نجد الخسائر قد تطور الأرواح والممتلكات معا، ولا أحد رابح بالنتيجة!.

الأمر نفسه نلاحظه في النزاعات الفردية أيضا، لدرجة يمكننا أن نسجل حدوث المشاجرات والمشادات على مدار الساعة، فالكل يجد نفسه صاحب حق، وتضيع معايير الحكم، ويتحول المجتمع العراقي كله، الى بؤرة نزاعات مستمرة، قد تخمد اصواتها في الليل، لكنها تبقى تتأجج وتشتعل في القلوب، وما أن تشرق الشمس مجددا حتى تشتعل من جديد بين افراد المجتمع الواحد.

هذه المشاهد لا تنبثق من فراغ، بل هناك جذور لها، ونعني بها عدم ضبط اللسان، وتراجع العقل عن القيام بدوره، فضلا عن حيادية القلب، فيما يبقى اللسان بعيدا عن السيطرة، وينسى الناس او يتناسون القول الذي يحدد دور اللسان بالضبط، عندما نتعمّق في معناه: (لسانك حصانك، إن صنته صانك).

كيف ندرأ خطر النزاعات؟

في مجتمع تشكل فيه، النزاعات الفردية والجماعية، جانبا من المشهد الحياتي اليومي، كمجتمعنا العراقي، نحتاج الى تأسيس وتطوير منهج حياتي علاقاتي عقلاني متوازن، يتم فيه اعتماد الأفكار الانسانية التي تحفظ كرامة الجميع وتصون احترامهم ومكانتهم، السائد في مجتمعنا اليوم يقوم على منهج حياتي فكري سلوكي خاطئ، فالكل او على الاقل الأكثرية من الناس يعتنون بمصالحهم أولا ويسعون للحفاظ عليها وتطويرها، وهو امر مشروع تماما، ولكن ينبغي أن يتم في حدود الحفاظ على مصالح ومكانة الآخرين.

كذلك هناك كلمات وألفاظ تستفز الآخر، وتستهين به، وتحط من كرامته، وهذا امر يثير النزاعات، ومن الواضح أن مصدره الأفكار التي تسيء لقيمة الانسان، حيث تتحول بدورها الى كلمات ومنهج حياة، يثير التعصب، والفتن، والمشكلات، لدرجة تصبح معها حياة المجتمع قائمة على اثارة المشاكل واللهاث خلف المصلحة الذاتية كما نلاحظ ذلك في المجتمع العراقي اليوم، لذا نحن بحاجة الى خطوات تعالج هذه الحالات، ومنها:

- الاهتمام بقاعدة الأفكار الاجتماعية، كونها منطلق لحياتنا العملية.

- الحرص على جمال الكلام المتبادَل بين الناس وطيبته، فالكلمة الطيبة صدقة.

- أن نؤمن بأن معالجة النزاعات الفردية، تصب في طريق معالجة النزاعات الجمعية.

- نشر منهج حياتي قائم على قيم جيدة تحفظ اللسان من الزلل، تبعا لجمال الأفكار.

- قيام النخب كافة، بدورها في هذا المجال، عبر اقامة الندوات الفكرية وما شابه.

- للنخبة الدينية دورها الكبير في مجال تحسين الافكار وانعكاسها على حياة المجتمع.

- للإعلام دور حاسم في تنمية المنهج الانساني في المجتمع، وعدم تفضيل الذات.

- ينبغي أن لا يغيب دور منظمات المجتمع المدني التثقيفي في هذا المجال.

- المؤسسات والاتحادات الثقافية لها دور في تحسين الأفكار والالفاظ وادارة شؤون الناس.

- الجهد الحكومي ينبغي ان يكون دوره مضاعفا في مجال حل المنازعات وفق القانون.

- نشر ثقافة الشعور بالآخر، وتعميق حفظ المصالح بصورة متبادلة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0