هل هناك ربط بين الكوليرا من جهة، والفساد المالي والاداري والسياسي الذي يضرب العراق من جهة ثانية؟، وقبل هذا السؤال، هناك سؤال آخر يُصاغ بالطريقة التالية، ما علاقة الارهاب بالكوليرا وبالفساد، هل هناك قواسم مشتركة تربط بين هذا الثالوث المدمِّر؟؟، وهل هناك ما يؤكد الترابط بين الثلاثة، وبعد ذلك ما هي السبل والوسائل والطرق التي يمكن من خلالها تفكيك هذا الثلاثي؟.

من المعروف ان الدول القوية تمتلك منظومات خدمية وادارية رصينة، تسير في أعمالها وفق القانون، ولا يمكن لمن يشاء أن يتلاعب بها وفق مصالحه المادية كما هو الحال في العراق، فالبنية الصحية للدولة دليل على قوتها، كذلك خلو الدولة من الفساد، ووجود اجهزة امنية قادرة على محاصرة الارهاب وضربه بقوة.

اذا توافرت هذه الشروط، فلا مجال لتسلل المرض او الفساد او الارهاب للدولة، ودائما يكون هذا الثلاثي تحت السيطرة في الدول القوية، على العكس مما يحدث في الدول الضعيفة، إذ من المقومات الاساسية لبناء الدولة الحديثة، أن تكون هناك منظومة صحية فاعلة، تقدم خدماتها المتكاملة للمجتمع في ظل الدولة الحديثة، التي تعد من سماتها المهمة، قدرتها على توفير الرعاية الصحية الجيدة لشعبها، وحمايته من الأوبئة او الامراض المعدية والسارية.

بين داعش الداخل والخارج

لقد ظهرت تصريحات صحية من جهات حكومية في بغداد تعلن عن ظهور مرض الكوليرا في عدد من مناطق بغداد، في البداية كان العدد لا يفوق العشرين ثم تصاعد للثلاثين وبعد ايام قليلة فقط بلغ عدد المصابين اكثر من 50 شخصا ستة منهم فقدوا حياتهم، وفق مصادر رسمية.

في الوقت نفسه هناك ارهاب يضرب الدولة يتمثل بداعش الخارج الذي احتل الموصل والانبار والفلوجة ومناطق اخرى، وداعش الداخل، ممثلا برؤوس الفساد الكبيرة التي تشرق قوت الفقراء وأفرغت خزينة الدولة، وهي في طريقها لافراغ احتياطي العملة الصعبة في البنك المركزي، خاصة ان ما يدخل العراق حسب ارقام وتصريحات رسمية لا يتجاوز 150 مليون دولار، فيما يبيع البنك المركزي بحدود 200 مليون، أي بزيادة 50 مليون، واذا ادخلنا عمليات التهريب وغسيل الاموال والصفقات الوهمية وتهريب الدولارات للخارج.

فإننا نستطيع ان نفهم داعش الداخل جيدا، كذلك عندما تستفحل الكوليرا وتضرب الفقراء، فإن السبب هو ضعف وتدمير القاعدة الصحية للبلد، في ظل انظمة سياسية ضعيفة وحكومات يضربها الفساد والاستبداد معا، فالدول الديمقراطية التي تديرها أنظمة سياسية متطورة، تحرص كثيرا على النجاح في مضمار الصحة، بل تحاول الحكومات في هذه الدول أن تتفوق على غيرها كثيرا في مجال الصحة، وهناك حكومات تتبارى فيما بينها في مجال الصحة من اجل كسب ود الناخب حتى تفوز به ايام الانتخابات.

اقتلاع الفساد من جذوره

السؤال المطروح الآن، متى يتخلص العراق من الارهاب بشقيه الداخلي والخارجي، ومتى نتخلص من وباء الكوليرا، وهل هناك قدرة على ضرب الفساد واقتلاعه من جذوره بالفعل؟، هناك دراسات تؤكد أن ما يعانيه العراق ليس وليد اليوم، بل تراكمات بعيدة بدأ تظهر بقوة على السطح.

إن هذا البلد كان محكوما بالقمع على مدى الحكومات الملكية والجمهورية التي تتالت في حكمه، هذا النهج القمعي تمثل بالسياسة العرجاء التي كانت تدير شؤون البلاد كافة، لذا فإن ضعف المنظومة الصحية يمثل حاصلا للتردي في النهج السياسي، ومع أن بعض النظم الحديدية قد تنجح ببناء منظومة خدمات صحية متطورة، إلا أن النهج السياسي المتوتر لابد أن ينعكس على عمل هذه المنظومة، كذلك ينطبق الامر على مكافحة الارهاب والفساد الذي ينتشر على نحو مؤسف في البنية الادارية.

هناك من يرى ان الذرائع التي تتعلق بأسباب الماضي واخطاء الحكومات السابقة، لم تعد تجدي نفعا، خاصة ان الحكومات الديمقراطية تجاوز العقد في الحكم ولم تفعل شيئا لمحاربة الثالوث المذكور في عنوان المقال، ففي عراق الحاضر هناك تجربة ديمقراطية لا يزال كثير من المعنيين يطلقون عليها مصطلح الديمقراطية الوليدة او الجديدة، على الرغم من عبورها الى عامها الثالث عشر، فهذه السنوات الطويلة نسبيا، لو أن الحكومة الديمقراطية وعت أهمية الصحة ومكافحة الفساد والارهاب ولو انها فعّلت هويتها وانتسابها الى الانظمة المتطورة، لكانت قد بذلت جهدا تنظيميا واضحا في بناء المؤسسة الصحية في العراق ومكافحة الفساد والارهاب.

تحويل الاصلاحات الى نتائج فعلية

لكن هذا الامر لم يحدث حتى الآن، لدرجة أننا نفتقد لبرنامج ضمان صحي واضح المعالم يمكن أن يحمي الفقراء العراقيين من حالة الضعف التي تواجههم صحيا، كذلك نحن بحاجة لتفعيل اصلاحات العبادي وتحويلها من كلمات الى افعال لتصحيح البنية الادارية والقضاء على الفساد والارهاب معا.

إن التلازم الواضح بين مكونات الثالوث المذكور، تجعلنا على يقين من ان معالجة الفساد الحكومي، وتعضيد المنظومة الصحة والقضاء على الامراض الفتاكة ومن بينها الكوليرا، ومن ثم القضاء على الارهاب الذي يضرب الدولة والمجتمع من الخارج والداخل، يدفعنا دائما لمطالبة الحكومة بمتابعة الاصلاحات بصورة جدية.

فالمطلوب من حكومة السيد العبادي أن تحرص على مكافحة هذا الثالوث الخطير، وأن تسعى بجدية وتخطيط وتنفيذ سليمين لبناء مقومات الحياة العصرية للعراقيين وفي مقدمتها الصحة، وأن تتحاشى انعكاس أزماتها على الميادين العملية الاخرى، فمن مؤشرات ودلائل الدولة الديمقراطية العصرية، وجود مؤسسة صحية ناجحة ووجود ضمان صحي يكفل تقديم العلاج مهما كان ثمنه للفقير وغيره ممن يحتاجونه، وأن تنهض وزارة الصحة بمهامها بصورة جيدة.

على أن يتزامن مع هذه الخطوات خطوات اخرى في مجال مكافحة الفساد وتفكيك خلايا الارهاب وضربه بقوة، كذلك لابد من السيطرة على وتيرة الاسعار المتصاعدة للادوية واستغلال المرضى من لدن بعض الاطباء والصيادلة، فالمهم هو القضاء على هذا الثالوث الخطير، الذي بدأ يحث الخطى لضرب الفقراء بالدرجة الاولى ومن ثم عموم مكونات المجتمع العراقي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0