جعجعة بلا طحن، عنوان مسرحية للكاتب الانكليزي الشهير وليام شكسبير، وهي تعد من أشهر مسرحياته، ويرمز فحواها الى التناقض بين القول و الفعل، والتبجح بالإنتاج، بالقول فقط، وعندما يريد الإنسان أن يتأكد من أن هذه الجعجعة تنتج طحينا، فلا يلمس ولا يرى شيئا، ما عدى صوت الجعجعة الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، في إشارة واضحة الى إعلان العمل بشيء ما، ولكن يبقى الكلام حبرا على ورق.

وعندما خرج المتظاهرون قبل أكثر من شهر، معلنين احتجاجهم على سوء الخدمات، ومطالبين بالقصاص من الفاسدين الكبار والمتلاعبين بالمال العام، وبعد مؤازرة المرجعة لصوت الشعب، وتحذيرها القادة السياسيين والطبقة السياسية عموما، من مغبة الإيغال بالفساد، والتسويف في عدم تحقيقيها للإصلاحات الفعلية والجذرية، وبعد أن أطلق رئيس الوزراء حيدر العبادي حزما متلاحقة من الإصلاحات، ظل الشارع يراقب تحويل (الجعجعة الى طحين)، وتنفيذ الأقوال التي أطلقها الرجل التنفيذي الأول في العراق وتحويلها الى عمل ملموس.

لكن بعد مرور قرابة الشهر ونصف، وبعد ضغط جماهيري مستمر وخروج متواصل الى ساحات التظاهر في كل جمعة، مع توجيهات مستمرة من لدن المرجعية للقادة السياسيين، نلاحظ بعد كل هذا الوقت، أن حزم الإصلاحات السطحية ظلت تراوح في مكانها، وبقيت كما يُقال حبرا على ورق، خاصة ما يتعلق بمقاضاة رؤوس الفساد، وعدم الاكتفاء بخطوات (قشرية) لا تذهب عميقا في محاربة جذور الفساد.

وهذا ما دفع بالمرجعية الى التأكيد بقوة على أهمية أن تكون الإصلاحات جدية، وأن تتم ملاحقة رؤوس الفساد بصورة فعلية، وأن يتم إصلاح القضاء حتى يتمكن من أداء دوره الحاسم في ملاحقة المفسدين وحيتان الفساد، وأن لا يتحول هذا الهدف الكبير الى مصطلحات لغوية سياسية يتحدث بها السياسيون في وسائل الإعلام ولا يعملون بها.

قبول الإصلاحات علنا ورفضها سراً

بل هناك جهات سياسية تشارك في السلطة التنفيذية والتشريعية، وافقت في موقف واضح ومعلن على إصلاحات العبادي كلها، ولكنها في حقيقة الأمر تعمل بالضد منها عندما يتعلق الأمر بالتطبيق، وقد لاحظنا كيف صوت البرلمان العراقي على حزمة الإصلاحات الأولى بالإجماع تقريبا، مع تسجيل أعلى حضور للنواب بعدد يفوق الـ 290 نائبا لأول مرة، وهذا الموافقة للنواب تعني موافقة كتلهم وأحزابهم عليها، الأمر الذي ينبغي أن يساعد على تنفيذها فعليا وعمليا، على الرغم من أن كثيرا من مصالح الأحزاب والشخصيات سوف تتضرر من هذه الإصلاحات!!.

والسؤال الذي يتردد الآن، هل ستبقى إصلاحات العبادي (حبرا على ورق، وجعجعة بلا طحين)؟ وهل موافقة مجلس النواب عليها جاءت خوفا من الشارع، خاصة ما يتعلق بالترشيح مرة أخرى ومخافة احتراق أوراق النواب والأحزاب التي تعترض على ما يطالب به المتظاهرون، والمرجعية التي أكدت في توجيهاتها الحاسمة على أهمية وأد الفساد ورؤوسه من دون تردد، وعلى الرجل التنفيذي الأول في العراق، الضرب بيد من حديد على رؤوس الفساد، وعدم التردد في ذلك قيد أنملة.

فالبلد كما هو واضح ينخره الفساد من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، إذا جاز هذا الوصف، ولا شك أن الحلول الشكلية أو الجزئية، لا يمكن أن تقوده الى التعافي والشفاء من هذا المرض العضال، ولابد في هذه الحالة من اتخاذ خطوات عملية قوية، تتجه نحو معالجة هذا الداء المستشري في مرافق الدولة والدوائر والمؤسسات الحكومية على نحو خطير، لدرجة أن ظواهر معيبة باتت تشكل أمورا مقبولة لدى كثير من أفراد المجتمع.

بل ينبّه علما اجتماع الى ما هو أخطر، عندما يعلنون أن القبول مثلا (بالرشوة)، والتعامل معها على نطاق واسع من لدن شرائح واسعة في المجتمع، إنما يدل على خراب منظومة القيم التي تحكم سلوك المجتمع، ففي الوقا الذي ينبغي أن تكون الرشوة معيبة، وتلحق العار بالطرفين (الراشي والمرتشي)، صار المرتشون يتبجحون بأفعالهم التي تهدف الى ابتزاز الناس من اجل الحصول على المال الحرام، فيما يؤمن كثيرون أن فرصة اكتساب المال بصورة غير مشروعة لن تتكرر، وانه ينبغي عليه أن يسارع الى الاختلاس والتحايل لسرقة الدولة، وإبرام الصفقات المشبوهة لكي يحصل على الأموال.

قبول الطبقة السياسية بالفساد

ولعل أخطر ما في هذا الجانب، عندما يكون الفساد المالي أوسع بكثير من السلوك الفردي، فهناك عصابات تحكمها وتسيرها رؤوس كبيرة، تنتهج الفساد واختلاس المال العام، بطرق شتى، حتى بات هذا السلوك أمرا معتادا لها منذ أكثر من عشر سنوات، وكثير منهم يعتدي على المال العام، بمباركة حزبية أو سياسية، بحجة التمويل وما شابه، الأمر الذي ساعد على تجذّر هذه الظاهرة في العمل السياسي، فضلا عن العمل الإداري والوظيفي في الأجهزة الحكومية.

ولهذا السبب لا زالت المرجعية، تصر على أهمية وضع خطوات جذرية وحاسمة، لمحاربة رؤوس الفساد، وهذا التأكيد تكرر في آخر مطالبات المرجعية، حيث التأكيد على ضرب الرؤوس الكبيرة للفساد، وهذا يستدعي اتخاذ جملة من الخطوات الإجرائية الحاسمة، تقوم بها السلطة التنفيذية، بعد تسوية ما يتعارض منها مع الدستور، وفق حزمة من الخطوات التشريعية التي تساعد على تحويل حُزَم الإصلاحات من أقوال الى أفعال، ومن جعجعة فارغة، الى جعجعة مصحوبة بإنتاج الطحين.

من دون هذا المنهج الحكومي الفعلي، لا يمكن أن نقضي على الفساد في العراق، وهذا يستدعي تعاون الكتل والأحزاب والشخصيات السياسية مع السلطة التنفيذية ورئيسها حيدر العبادي، وليس هناك من خيار لقادة الكتل والأحزاب المكونة للطبقة السياسية، خارج إطار تحقيق الإصلاحات، حتى لو جاءت بالضد من مصالحها، لاسيما تلك التي تتعارض مع بناء الدولة القائمة على العدل والمساواة والقانون.

ولعل الفرصة في إنقاذ دولة العراق لا تزال متاحة أمام من يهمهم الأمر من الطبقة السياسية، وفي المقدمة منهم رئيس الوزراء حيدر العبادي، ولا يزال بإمكانهم السير بالمركب العراقي نحو مرفأ الأمن والعدل والسلام والبناء الصحيح، فيما لو آمنوا بأن (جعجعة الإصلاحات) ينبغي أن تكون مصحوبة بإنتاج الطحين، والسير في طريق الإصلاحات العملية، وليس الاكتفاء بالكلام من أجل الإعلام فقط.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
3