لا أعرف أين قرأتُ أو سمعت أن الإنسان يولَد وتولد معه حقوقه الإنسانية، فالإنسان بلا حقوق سوف يبقى بلا قيمة، وتكون إنسانيته وخصوصيته معرَّضة للانتهاك في أية لحظة، فيُلحِق ذلك الأذى بالفرد ومن ثم بالمجتمع، لاسيما إذا كان منتهك الحقوق نظام مستبد أو أجهزة ومؤسسات تابعة له، علما أن الحقوق ترافق الإنسان دائما، وهو يحتاجها أينما كان، حتى وهو داخل أسرته له حقوق يجب أن تقوم العائلة باحترامها، ويتم هذا الاحترام الحقوقي من قبل الجميع بطريقة متبادَلة.

توصف حقوق الإنسان بأنها المبادئ الأخلاقية أو المعايير الاجتماعية التي تصف نموذجاً للسلوك البشري الذي يُفهم عموما بأنه مجموعة من الـحقوق الأساسية التي لا يجوز المس بها وهي مستحقَّة وأصيلة لكل شخص لمجرد كونها أو كونه إنسان، فهي ملازمة لهم بغض النظر عن هويتهم أو مكان وجودهم أو لغتهم أو ديانتهم أو أصلهم العرقي أو أي وضع آخر.

وتم تنظيم حماية هذه الحقوق القانونية في إطار القوانين المحلية والدولية. وهي حقوق كلّية وتنطبق في كل مكان وفي كل وقت ومتساوية لكل الناس، وتفرض على المرء احترام الحقوق الإنسانية للآخرين. ولا يجوز ولا ينبغي أن تُنتزع إلا نتيجة لإجراءات قانونية واجبة تضمن الحقوق ووفقا لظروف محددة، فمثلا، قد تشتمل حقوق الإنسان على التحرر من الحبس ظلما والتعذيب والإعدام. وهي تقر لجميع أفراد الأسرة البشرية قيمة وكرامة أصيلة.

التمرّد على الاستبداد والظلم

وبإقرار هذه الحريات فإن المرء يستطيع أن يتمتع بالأمن والأمان، ويصبح قادراً على اتخاذ القرارات التي تنظم حياته. فالاعتراف بالكرامة المتأصلة لدى الأسرة البشرية وبحقوقها المتساوية الثابتة يعتبر ركيزة أساسية للحرية والعدل وتحقيق السلام في العالم. وإن ازدراء وإغفال حقوق الإنسان أو التغاضي عنها لهو أمر يفضي إلى كوارث ضد الإنسانية.

وقد حدثت عبر تاريخ البشرية أعمال همجية، آذت وخلّفت جروحا وشروخا عميقة في الضمير الإنساني. ولهذا فإنه من الضروري والواجب أن يتولى القانون والتشريعات الدولية والوطنية، حماية حقوق الإنسان لكي لا يضطر المرء في آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم، ولكي لا يشهد العالم والإنسانية مزيدا من الكوارث ضد حقوق الإنسان والضمير الإنساني جميعا.

من هذا العرض السريع في أعلاه نفهم تلك الأهمية الكبيرة للحقوق، ونستدل من ذلك على أن الفقر الحقوقي يمكن أن يشكل خطرا جسيما على الفرد والمجتمع، فالإنسان الفقير حقوقيا يعني أنه لا يعرف حقوقه، ولا يفهم الحريات التي يحق له التمتع بها، كما أنه حين يكون جاهلا بحقوقه، فهذا يعني أنه سيكون تحت مطرق الاستبداد والانتهاك من مصادر وأشكال كثيرة، أولها الاستبداد السلطوي، وهنالك كثير من أنوع الانتهاك الأخرى.

لماذا يجب على الإنسان أن لا يكون فقيرا حقوقيا؟، وما هي الفوائد التي سيجنيها إذا كان عارفا بحقوقه؟، إن الإجابة السريعة والواضحة عن هذين السؤالين، تؤكد بأن الإنسان قيمة كبيرة، وله حدود وحرمة، وقد ضمنت له الأديان السماوية والقوانين الوضعية والأعراف الاجتماعية حقوقه التي لا يجوز التعدّي عليها مطلقا كونها تشكل خرقا (شرعيا و قانونيا و عرفيا) لا يجوز السكوت عنه.

عليك معالجة فقرك الحقوقي

لهذا يجب أن يعالج كل فرد من أفراد المجتمع المشكلة التي نجدها في كثير من المجتمعات المتأخرة، وهي عدم معرفة الفرد لحقوقه، وعدم فهمه لها، وبالتالي عدم تمتعه بها، بالإضافة إلى أنه لا يفكر في الدفاع عنها لأنه أساسا غير عارف بها، لذلك من واجب كل فرد أن يعالج فقره الحقوقي، وأن يعرف بالتمام والكمال ما هي هذه الحقوق وكيف يحميها من الانتهاك السلطوي أو الأسري أو العملي أو في أي محيط كان.

كذلك يجب على الأطراف الأخرى أن تتطور حقوقيا، أي أن النظام السياسي الحاكم كمنظومة حكم تدير شؤون دولة أو شعب معين، على هذا الكيان الحاكم أن يطور نفسه حقوقيا، وأن يتعلم جيدا حقوق الرعية، حتى يكون النظام السياسي قادرا على حماية حقوق الناس لأنه يفهمها، ولا يعاني حالة الشحة أو الفقر فيها، وبهذا يكون الطرفان (المجتمع/ النظام الحاكم) على علم ومعرفة بفهم الحقوق وتطبيقها.

إذًا الفقر الحقوقي يمكن أن يصيب الفرد والمجتمع من جهة، ويمكن أن يصيب النظام السياسي ومؤسساته من جهة أخرى، ولا يكفي معالجة هذا الفقر عند طرف دون الآخر، فلا فائدة من نظام سياسي يفهم حقوق الإنسان ولا يفهمها مجتمعه أو شعبه، لأن هذا النظام سوف يجهل المحافظة عليها ولا يسعى لتطبيقها، فالقضية يجب أن تكون مزدوجة بحيث تتم معالجة الفقر الحقوقي للناس وللنظام السياسي الذي يحكمهم في وقت واحد.

ماذا يحدث في حال تم القضاء على الفقر الحقوقي؟، الإجابة واضحة، سوف نكون أمام فرد يفهم حقوقه وبالتالي يعرف كيف يدافع عنها، ومن ثم سيكون المجتمع مثقفا حقوقيا، كذلك الحال مع النظام السياسي، فإذا تجاوز حالة فقرهِ الحقوقي وأصبح نظاما واعيا بالحقوق، فيمكن في هذه الحالة أن يتخلص من أسلوب تهميش المجتمع وتجهيله ليحدث العكس تماما.

اضف تعليق