الفقر يعني الشحّة أو القلة، وفقر الأخلاق يعني قلّتها، وحين تقلّ الأخلاق تسوء أوضاع الناس، وتتضاعف أزماتهم، فما بالك حين يجتاح الفقر الأخلاقي العالَم كلّه، وهذه حقيقة يتحدث عنها الجميع، غربيون متقدّمون وشرقيّون متأخرون، الكل يجمع على أن العالم اليوم يشكو من فقر أخلاقي في جميع المجالات، وبات المادة والمنفعة والربح بلا ضوابط تتقدم على جميع التعاملات والقيم، مما أنهك العالم بأزمات سياسية واقتصادية و (مناخية).

لا ينحصر الفقر بالجوانب المادية وحدها، ولا يتوقف تأثيره على الإنسان في قضية العوز، وإنما هناك فقر يطول مجالات أخرى لها علاقة بحياة الناس، ومنها الأخلاق التي تعتبر حاجة أساسية للمجتمعات، فمن الصعب إدارة العلاقات بمختلف مسمياتها ما لم تكن منتظمة في إطار أخلاقي ذي قواعد متّفق عليها مجتمعيا، ويتم من خلالها تنظيم علاقات الناس مع بعضهم، وأي نقص بالقيم الأخلاقية يكون تأثيره واضحا لدرجة قد تفوق الفقر المادي.

يرى أصحاب الشأن والمهتمون بهذا الجانب أن الأخلاق هي منظومة قيم يعتبرها الناس بشكل عام جالبة للخير وطاردةً للشر، وهي ما يتميز به الإنسان عن غيره. وقد قيل عنها إنها شكل من أشكال الوعي الإنساني، كما تعتبر مجموعة من القيم والمبادئ تحرك الأشخاص والشعوب وترسم مسارات حياتهم، كالعدل والحرية والمساواة بحيث ترتقي إلى درجة أن تصبح مرجعية ثقافية لتلك الشعوب. فتصبح في هذه الحالة سنداً قانونياً تستقي منه الدول الأنظمة والقوانين.

ويرى باحثون مختصون أن الأخلاق يمكن أن تخضع للدراسة، حيث يُقيَّم السلوك الإنساني على ضوء القواعد الأخلاقية التي تضع معاييرا للسلوك، يضعها الإنسان لنفسه أو يعتبرها التزامات ومبادئ يمشي عليها، وأيضا واجبات تتم بداخلها أعماله أو هي محاولة لفهم البعد المعنوي لعلم الأخلاق، وجعله عنصرا مكيفا، أي أن الأخلاق هي محاولة التطبيق العلمي، والواقعي للمعاني التي يديرها علم الأخلاق بصفة نظرية، ومجردة.

العالم يعاني من نقص في الأخلاق

بعضهم يتساءل ما هو الفارق بين المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية القانونية، من الواضح أن الإجابة لها علاقة بالفارق بين القانون والأخلاق، حيث تختلف المسؤولية القانونية عن المسؤولية الأخلاقية باختلاف أبعادهما، فالمسؤولية القانونية تتحدد بتشريعات تكون أمام شخص أو قانون، لكن المسؤولية الأخلاقية أوسع وأشمل من دائرة القانون لأنها تتعلق بعلاقة الإنسان مع ذاته، فهي مسؤولية ذاتية أمام نفسه وضميره.

أما دائرة القانون فمقصورة على سلوك الإنسان نحو غيره وتتغير حسب القانون المعمول به، وتنفذها سلطة خارجية من قضاة، ورجال أمن ونيابة، وسجون. أما المسؤولية الأخلاقية فهي ثابتة ولا تتغير، وتمارسها قوة ذاتية تتعلق بضمير الإنسان الذي هو سلطته الأولى، فالأخلاق مسؤولية ذاتية، والقانون مسؤولية غيرية تضبط النشاطات الجمعية.

مما يتداوله المهتمون بعلم الأخلاق، أن عالمنا الحالي يعاني من نقص فادح في الأخلاق، وأن هنالك مجالات مصيرية تتعرض للهتك الأخلاقي، وقد انعكس هذا النقص الكبير على شكل أزمات خطيرة باتت تعاني منها البشرية كلها، فهناك منحدر أخلاقي خطير يزداد انحدارا يوما بعد آخر، وهناك أزمة أخلاقية تجتاح العالم، بحجة ممارسة الحريات الشخصية كظاهرة الشذوذ الجنسي، سواء في المجتمع الغربي أو غيره من المجتمعات.

تداعيات الانفتاح الإعلامي

في عالم اليوم المنكشف على بعضه، لم تعد السلوكيات محصورة بالمجتمع الذي يكون مسؤولا عنها، أو تدور بين أفراده، لأن الانفتاح الإعلامي الهائل صار ينقل السلوكيات من فرد إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر انتقالا عالميا سريعا وهائلا، وطالما أن السلوك هو نتاج أخلاقي للأمم، وأن الإنسان بطبيعته يقع تحت تأثير السلوك الآخر لاسيما الشباب، فإن الخطر يكمن في حال كانت السلوكيات نابعة من أخلاقيات منفلتة أو منحلّة.

في هذه الحالة سوف يتضاعف الفقر الأخلاقي وينتشر على مستوى عالمي، وهو ما يحدث اليوم بشكل واضح، حيث تعاني البشرية من أزمات سياسية واقتصادية (ومناخية)، يؤكّد المعنيون أن سببها يعود إلى عدم الاهتمام بالجانب الأخلاقي في التعاملات المختلفة على المستويات كافة، فالدول والحكومات تركت الأخلاق وراءها، والمجتمعات صارت تعاني من قلّة الأخلاق، واستفحال الظواهر الشاذة، ولم يعد هناك قواعد يتم الالتزام بها.

لكي يتفادى العالم سلسلة الأزمات التي يمر بها، فما تكاد تنتهي أزمة حتى تولد أخرى، لذا على الجميع أن يتنبّهوا إلى حالة الفقر الأخلاقي التي تضرب جميع المجتمعات، لاسيما تلك التي تتبجح بتقدمها، وبأنها ليبرالية، وديمقراطية، وحامية للحريات الفردية، مع العلم لا يمكن لأمة أو بشر يتقدّم ويتطور ديمقراطيا، ما لم يضع قواعد أخلاقية واضحة تعالج أسباب أزمة الفقر الأخلاقي التي تغلغلت بأذرعها الإتصالية والإعلامية في عموم أصقاع الأرض.

معالجة ظاهرة الفقر الأخلاقي التي اتسعت لتشمل العالم كله، سوف تطفئ النزاعات، وتحلّ الأزمات، وتعالج الثغرات التي يعاني منها البشر اليوم، لكن حتى يتحقق هذا الهدف، لابد من الاعتراف أولا، أن مكافحة الفقر الأخلاقي عملية تشاركية يجب أن يتحد في التصدي لها العالم في إطار خطط جماعية واضحة هدفها نشر الأخلاق في كل بيت وفي كل مدينة وفي كل بلد من بلدان العالم، لكي يصبح عالمنا أفضل وحياتنا أكثر سلاسة.

اضف تعليق