الفقر كما هو معروف يتركَّز على النقص المادي أولا، ثم يتعدى ذلك إلى أنواع أخرى من الفقر، منها الفقر النفسي والثقافي والصحي وسواه، ولكن هناك من يرى أن أخطر أنواع الفقر هو الفقر السياسي، فهذا النوع من الفقر يشكل الذريعة أو الأساس لتشكيل جميع أنواع الفقر الأخرى، وفريق المهتمّين والعلماء الذين يؤيدون هذا الرأي يقولون لو لم يكن هناك فقر سياسي لما حدثت أنواع الفقر الأخرى.

قد يصح هذا الرأي وقد لا يصح، فهناك من يرى أن الفقر الثقافي هو أساس حدوث الأنواع الأخرى للفقر، ومع ذلك لا يمكن رفض فرضية أن الفقر السياسي قد يكون هو المنبع الأول لأنواع الفقر الأخرى، فما هو معنى أو مفهوم الفقر السياسي؟

إنه باختصار نوع من الجهل وقلّة الوعي وانحسار الذكاء يصيب الطبقة السياسية، كونها تُولَد من حاضنة اجتماعية غير واعية سياسيا، فمن غير المتوقع أن تولد طبقة سياسية واعية من حاضنة اجتماعية مصابة بقلّة الوعي والجهل، وانعدام أو ضعف فرص التطوير المختلفة، وفي هذه الحالة يطال الفقر السياسي أهم ركيزتين للنشاط السياسي في أي بلد، وهما الشعب والطبقة الحاكمة.

نتائج استخفاف الشعب بحقوقه

الشعب الجاهل سياسيا سوف يتخلى عن حقوقه تجاه الطبقة الحاكمة، ومنها على سبيل المثال حق الانتخاب، حيث ينظر الفرد والشعب غير الواعي إلى هذا الاستحقاق باستخفاف وعدم تقدير لأهميته، وهو ما يشجع الحكام أو الساسة على الاستخفاف بحقوق الناس، لكن الأصح والأمر المطلوب هو حضور الشعب السياسي بقوة وحرصه على دورهِ، ويجب أن يكون هو الذي يتحكم بالساسة والحكام وشرعية سلطتهم من خلال حق الانتخاب، فما هو مفهوم الشعب السياسي؟

يثير هذا المفهوم جملة من التساؤلات، من بينها هل هناك شعب غير سياسي، وماذا نعني بهذا المفهوم؟، الكاتب معمر فيصل خولي، يوضح أو يفسر الشعب السياسي بأنه كل من ينتمي إلى شعب ما برابطة الجنسية يتمتع بمجموعة من الحقوق السياسية منها على سبيل المثال وليس الحصر، حق الانتخاب وحق الترشيح - طالما توافرت الشروط القانونية اللازمة لذلك -، وحق حرية الرأي والتعبير، والحق في تولي الوظائف العامة.

وفق هذا التعريف فإن كل من يحق له الانتخاب يدخل ضمن الشعب السياسي ويشكل أحد أعضائه، ولكن ماذا عن الذين يحق لهم الانتخاب، لكنهم يمتنعون عن الالتزام بهذا الحق، حين يمتنع هؤلاء عن التصويت، كذلك ماذا عن العاملين في القطاع الخاص مثلا، أي أنهم ليسوا موظفين في الدولة، هل هؤلاء خارج دائرة الشعب السياسي؟

وعي الشعب وتطور الديمقراطية

وماذا عن أولئك الذين لا رأي لهم، أو أنهم يتخذون من الصمت موقفا لهم حيال القضايا السياسية أو سواها، هؤلاء هل هم خارج هذا التوصيف أو التصنيف، في الحقيقة من المهم للدول ذات التجارب الديمقراطية الفتية أن تركز على بناء الشعب السياسي بصورة جيدة ومستدامة، وأن تصنع لهذا الشعب صفات تتصدَّرها الثقافة والوعي.

العملية الديمقراطية لا يمكن أن تنمو وتنضج من دون أن يتوافر الركن الأهم فيها وهو الناخب، وهذا العنصر يجب أن يعرف حقه بالاقتراع، وأن يؤمن تماما بأهمية هذا الحق، ومدى قدرته على تغيير الأوضاع السيئة إلى ما هو أفضل من ذلك، ولكن من هي الجهة التي يجب أن تتصدى لبناء الناخب الواعي ومن ثم الشعب السياسي الوعي، وهل نحتاج في العراق أن نعمل على صناعة شعب سياسي؟

من الواضح أن الطبقة السياسية نفسها، هي أول المسؤولين عن تطوير الوعي الانتخابي لدى الناس، كما أنها مسؤولة عن تقديم النموذج السياسي الأفضل، حتى تحدث عملية تفاعل ورغبة في أداء العمل السياسي والانخراط فيه، سواء تمّ ذلك عبر الانتماء إلى حزب سياسي والقيام بدور مزدوج (مرشَّح و ناخب)، أو صناعة الناخب الواعي المثقف، وهذا بدوره يقود إلى صناعة الشعب السياسي الناجح.

خلاصة الأمر أننا في ظل الواقع السياسي الراهن، لا يمكن أن نقفز بالتجربة الديمقراطية في العراق خطوات جيدة إلى أمام، ما لم نكن مستعدين وراغبين لصناعة الشعب السياسي الذي يكون فاعلا متحركا ومندفعا بإيجابية لأداء دوره بعيدا عن تأثيرات (الفقر السياسي)، فقد كشفت الدورات الانتخابية الماضية عن تدنّي نسب المشاركة في الانتخابات، مما يُبقى العملية الديمقراطية العراقية مهدّدة بالضعف الدائم، في حين نحن بحاجة كبيرة إلى نضوج هذه التجربة ونجاحها، وهو ما لم يتحقق إلا بعد القضاء على ظاهرة الفقر السياسي التي تجعل الشعب ينظر إلى حقوقه السياسية ببرود ولامبالاة.

اضف تعليق