الحروب لها أشكال ومسميات ووسائل مختلفة، أشهرها الحرب بالأسلحة المتعارف عليها، سابقا بالسيف والرمح والخيول، واليوم بالمدافع والصواريخ والطائرات الحربية وغيرها، لكن هناك حروب ذات وسائل مزدوجة، أي تستخدم السلاح وتدعم ذلك بحرب ذات وسائل أخرى كحرب المياه، وأحيانا تكون الأخيرة (حرب المياه) أشدّ وطأة وخطرا من حرب السلاح.

لماذا تكون حرب الحياة أشدّ وطأة من سواها؟، لأنه لا حياة بلا ماء، وهذه نتيجة مفروغ منها، استنادا إلى الآية الكريمة (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) سورة الأنبياء، الآية 30. ولذلك نجد أن أول وأعظم الحضارات نشأت وترعرعت قرب الأودية والأنهار، وأن أجمل صور الحياة تكون بالقرب من الماء والخضراء، ولكن حتى النبات والاخضرار وأصغر المخلوقات تجدها تتكاثر عند الماء لأنه مصدر الحياة، وحين يُحرَم الإنسان من الماء هذا يعني سوف يُحرَم من الحياة، وهذا ما تقوم به دول مجاورة للعراق.

لم يلمس العراقيون جدّية كافية وواضحة من قادته ومسؤوليه في تعاملهم مع خطر (حرب المياه) التي تُشَنّ ضد العراقيين بشكل مبرمج ومدروس، ولم يُظهِر هؤلاء المسؤولون أية درجة من الحرص على شعبهم ووطنهم ومستقبل الأجيال القادمة في التعامل مع ملف المياه مع الدول المجاورة.

وعلى الرغم من أن هذه الدول لها مصالح اقتصادية وتجارية كبيرة في العراق، عبر صفقات تتجاوز 20 مليار دولار في بعض السنوات، إلا أن هذه الورقة لا أحد من قادة العراق يلوّح بها، أو حتى يفكر باستخدامها مجرّد تفكير كي يحدّ أو يقلل من خطر حرب المياه التي تُخاض ضدّه وجها لوجه وبوضوح سافر.

العالم الصناعي والاحتباس الحراري

نحن نعرف وغيرنا يعرف أن عالمنا اليوم يعاني من تغييرات مناخية مخيفة، هذا ما يعلنه المختصون سواء من منظمات أو شخصيات علمية من أهل الشأن، والأسباب تُعزى دائما للإنسان وسوء تعامله مع الطبيعة، ولكن هذا أمر يتعلق بالبشرية كلها، والعراقيون ليسوا هم المسؤولون عن شحة المياه عالميا، ولا عن ظاهرة الاحتباس الحراري، بل العالم الصناعي هو المسؤول عن ذلك بسبب انبعاث الغازات.

ما يحدث مع العراق هو حرب مياه واضحة المعالم، تريد أن تبقيه سوقا مفتوحة لدول الجوار، خصوصا منتجاتهم الزراعية، بعد أن تم العمل على تدمير الزراعة في العراق بشكل مقصود، مثلما هو الحال مع الصناعة التي لا تدخل في مقالنا هذا.

فالأمر الواضح للجميع، أن هناك حربا واضحة تُشَنّ ضد العراقيين، وذلك باستخدام سياسة قطع الماء وتجفيف الأنهار وتعطيش البساتين وتدمير الأراضي العراقية الخصبة وتحويلها إلى أراض سبخة لا تصلح للزراعة ولا للسكن، ولا لأي شيء آخر، بمعنى أكثر وضوحا أرض لا تصلح للحياة، بعد أن كان من أخصب وأجمل أراضي الأرض قاطبة.

قبل أيام قرأت في إحدى القنوات الفضائية في شريط إخباري الخبر التالي: العراق وإيران يعقدان اتفاقية ثنائية لمكافحة العواصف الترابية.

حرب المياه ضد العراقيين

ينتهي الخبر عند هذا الحد، ولكن أيهما أهم وأكثر خطورة، الاتفاق على معالجة مشكلة المياه التي يعاني منها العراق، وتعرّض آلاف البساتين الزراعية في ديالى إلى الجفاف وما يتبع ذلك من هجرة إلى المدن، أم نتفق على عواصف ترابية مصدرها الطبيعة؟، ومن الأخبار التي طالعناها أيضا، أن جهة حكومية عراقية تحذّر من أن تركيا تستعد لبناء سدّ من شأنه تجفيف نهر دجلة بشكل تام.

نقرأ مثل هذه الأخبار (القاتلة) لكنها تمر من أمام المسؤولين والقادة العراقيين وكأنها لا تهدد حياة الناس فضلا عن تهديد الأجيال القادمة، لكن المعروف أن التراخي في التعامل مع ملف المياه يعني القبول بتحويل العراق إلى أرض جرداء يسكنها الجفاف والموت، فهل يجوز مثل هذا التعامل الرسمي وحتى المدني الشعبي حيال مشكلة زلزال العطش القادم؟

ما المطلوب من الحكومة العراقية وكل المعنيين بملف المياه والتعامل مع دول الجوار؟

أولا: تدويل حرب المياه التي تُشَنّ على الشعب العراقي مع سبق الإصرار والتخطيط المبرمج.

ثانيا: رفض الحجج الواهية لدول الجوار من أن العراقيين يهدرون المياه ولا يتعاملون معها بحرص أو وفق وسائل السقي الحديثة، هذه حجج غير صحيحة ولا مقبولة، لأن الحصة المائية للعراق تم تقليصها من تركيا إلى النصف بحسب جهات رسمية مختصة ومسؤولة.

ثالثا: توجيه إنذارات جدّية شديدة اللهجة إلى دول الجوار المعنية، من خلال تهديد مصالحها التجارية والاقتصادية مع العراق والتعامل معها بالمثل.

رابعا: العمل الفوري على إيجاد بدائل سريعة آنية واستراتيجية لمعالجة نقص المياه الكبير، مع الاستفادة من العقول الوطنية ذات الخبرة بملف المياه، والاستفادة من تجارب وخبرات الدول الأخرى أيضا.

وأخيرا مطلوب حملة إعلامية، وتوجّه رسمي ومدني وشعبي كبير، لإثارة ملف المياه، والتعامل الجاد مع هذه الحرب المبرمجة التي تشنها دول الجوار على العراق لاسيما تركيا، لأننا نلاحظ انشغال السياسيين بالمعارك على المناصب والامتيازات أكثر من أي شيء آخر، حتى لو كان يهدد حياة الشعب والدولة حاضرا ومستقبلا.

اضف تعليق