من الظواهر المجتمعية التي باتت منتشرة، ظاهرة الحرق التي تطال عائلات وليس أفرادا، حيث يقوم الأب أو الأم بإشعال النيران في جسده، ولا يسلم أفراد العائلة الآخرين من هذه الجريمة الفردية الجماعية في نفس الوقت، وقد اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بالكثير من الصور والفديوهات التي تبيّن تفاصيل حالة الاحتراق التي تطال هذه العائلة أو تلك.

التعليقات الساخطة التي تثيرها صور وأفلام حوادث الحرق، توضّح لنا أن هناك إجماعا على رفض مثل هذه الأحداث التي تصل إلى مستوى جرائم القتل العمد، ولكن ما فائدة هذا الرفض، وما الذي يحققه بخصوص المعالجات الفورية للحد من مثل هذه الظواهر القاتلة.

تُرى ما هو السبب الذي يدفع أب لا يزال في مرحلة الشباب لقتل نفسه وطفليْه بعبوة صنعها بيديه؟!، من المعروف أن الإنسان يصنع السلاح لكي يقاتل الأعداء به، فهل كان هذا الأب الشاب عدوّا لنفسه ولولديْه الصغيرين؟، لا شك أن هذا الأب الذي قام بحرق نفسه وطفليْه وصل إلى درجة اليأس المظلمة التي أغلقت أمامه أبواب الحياة كافة، فارتكب هذه الحادثة الشنعاء، ولو أنه اكتفى بقتل نفسه وترك الطفلين على قيد الحياة لكان الأمر أقلّ ضررا وبشاعة.

أسباب الانتحار حرقا

لكل ظاهرة أسباب تقف خلفها وتتسبب بها، ونقول ظاهرة لأنها تكررت كثيرا، ولم يعد بالإمكان إخفاء حدوثها في عالم اليوم المكشوف للجميع عبر وسائل التواصل الاجتماعية، أما الأسباب فهي معروفة لاسيما لأصحاب القرار من المشرّعين إلى التنفيذيين (الحكومة بدءاً من رئيس الوزراء ثم الوزراء وكل من يليهم في تسلسل المسؤولية)، هؤلاء يعرفون تمام المعرفة بالأسباب التي دفعت الأب الشاب لحرق نفسه وطفليه، لاسيما أن الحادثة تم نشرها بتفاصيلها في وسائل الإعلام (فضائية السومرية).

أما الأسباب كما ذكرها أفراد من عائلة الأب (المنتحِر حرقا)، وكذلك من أقاربه وأفراد من منطقته السكنية، فقد أجمع هؤلاء على أن السبب الأول هو الفقر الذي أوصد أبواب الحياة أمام هذا الشاب الأب فقتل نفسه وطفليه.

لقد تنقّلت الكاميرا في مكان الحادثة، حيث أظهرت العبوة يدوية الصنع، وأظهرت بيت الأب الشاب وجدرانه المصنوعة من (البلوك الاسمنت)، كانت جدرانا خالية من السقف، وهناك مصباح وحيد يتدلى على الجدار من الأعلى، وأفرشة قليلة رثّة، وحال يشي بفقر مدقع.

هذا البيت الذي لا سقف فيه ولا خدمات كان يسكنه الأب وطفليه مرغما، وكانت تقف عند هذا البيت (ستّوتة/ عربة حمل صغيرة ورخيصة الثمن)، قال أحد الجيران بأن القتيل قام بشرائها بالتقسيط لكنه بات عاجزا عن تسديد أقساطها الشهرية، فلا سكن لديه ولا لطفليه، ولا يوجد لديه عمل مناسب يحترم كرامة الإنسان، فأين موقع الحكومة من ذلك؟، وأين دور المشرّعين، ولماذا اختفى دور المؤسسات والجهات الحكومية من معالجة هذه الأسباب؟

ما هو دور الطبقة السياسية؟

الأحزاب والكتل التي تتصارع على المناصب الآن، الطبقة السياسية كلها، أين مكانها مما يحدث للناس، كل حزب سياسي لديه رؤية ومشروع، يقرأ واقع الناس، ويفهم ويستكشف مشكلاتهم، ثم يضع لها الحلول الناجعة، هل قامت أحزابنا بهذا الدور كما يجب، على مدى عقدين من العمل السياسي الديمقراطي؟

الإجابة معروفة طبعا، فالأحزاب لا يعنيها الشعب، ولا تشغلها ظواهر الحرق أو الانتحار أو الجرائم التي تتفشى بسبب الفقر، ما يعنيها مصالحها ومؤيديها، أما بقية الناس فليذهبوا جميعا إلى الجحيم، الكل يتنصل من مسؤوليته، ولا تعنيه هذه الجريمة أو تلك، ولا ينشغل بهذه الظاهرة أو تلك طالما أنها تغنيه ولا تُكسبه نفوذا ومالا وجاها.

لكن الأصح أن ينشغل الساسة من رئيس الوزراء إلى أقل موظف ومن أكبر سياسي إلى اصغر سياسي، على هؤلاء جميعا أن ينشغلوا بصدق وإخلاص بظواهر الحرق والفقر والبطالة والمخدرات، وينتشلوا الشباب العراقي من مستنقع الموت الذي غرقوا فيه، بسبب عدم تصدي المسؤولين لمشاكلهم، وعدم تطبيق الوعود التي أطلقوها قبل الانتخابات، ثم بعد أن وصلوا إلى مناصبهم، تمّ نكث تلك الوعود وفق باب (كلام الليل يمحوه النهار)..

بالطبع هناك ظواهر أخرى لا تقل وحشية عن (الحرائق العائلية)، وهي فتّاكة أيضا، مثل ظاهرة المخدرات، والبطالة، وظاهرة التصحر، والغبار، وقلة الموارد المائية، فهذه الظواهر متداخلة فيما بينها، وتتطلب وضع حلول جوهرية تتمكن من معالجتها بشكل جماعي وجذري، وهذه المعالجات بصريح الكلام، تعدّ من أهم مهام الطبقة السياسية التي تتربع على كراسي السلطة.

اضف تعليق