يتسبب الجوع بمعناه الشائع بين الناس، بفجائع منظورة وأخرى خفية، والجوع بحسب العلماء المعنيين هو الإحساس بالحاجة إلى الطعام وينشأ عن طريق مستقبلات في الكبد. ويبدأ إحساس الجوع بعد آخر وجبة طعام بعشر ساعات، وهو عبارة عن شعور غير مريح وينتهي هذا الإحساس المؤلم والمزعج في أغلب الأحيان بتناول الطعام.

عندما يأكل الكائن الحي فإن الخلايا الدهنية تزيد إنتاج هرمون اللبيتين، مما يؤدى إلى ارتفاع مستواه في الدم فيقل إحساس الكائن الحي بالاحتياج للطعام، وبعد ساعات من التوقف عن الطعام فإن نسبة الهرمون تقل بطريقة كبيرة، مما يؤدى إلى ارتفاع نسبة هرمون الجيرلين والذي بدوره يعيد الإحساس بالحاجة إلى الطعام.

أما آلام الجوع فتكون على شكل تقلصات في المعدة بعد آخر وجبة بمدة تتراوح بين 12-24 ساعة، ويستمر التقلص الواحد مدة تصل إلى 30 ثانية وتتلوه آلام الجوع لمدة 30-45 دقيقة ليختفي بعدها الجوع لمدة 30-150 دقيقة، ويؤدى الإحساس بالمشاعر الأخرى مثل الغضب والفرح إلى تثبيط الإحساس بالجوع، بمعنى أن شعور الغضب يلغي الإحساس بالجوع، وحتى الفرح يقوم بمهمة إلغاء الجوع أيضا.

تصل آلام الجوع إلى أقصاها بعد 3 -4 أيام، ثم تضعف بعد ذلك ولكنها لا تختفى، وتكون تقلصات المعدة أقوى عند صغار السن من الشيوخ، فالمرحلة العمرية لها تدخل واضح في الإساس بالجوع وآلامه ونتائجه أيضا بحسب عمر الجائع.

من الغريب حقا أنك تصطدم بمعلومات لم تخطر على بالك، فهل يتوقع أحد أن هذه الأرض مع كل كنوزها وثرواتها ومواردها الطبيعية، يموت فيها إنسان في كل ثانية بسبب الجوع، بحسب الإحصائيات الرسمية لأعداد البشر المعرضين للجوع وهي كالتالي: يموت بسبب الجوع في العالم فرد كل ثانية، و - 4000 كل ساعة - و 100.000 كل يوم - و 36 مليون كل عام، وهذا الإحصاء ليس حديثا بل يعود للسنوات من (2001- 2004).

أسباب الكتابة عن الجوع

ما الذي دفع بي للكتابة عن الجوع؟؟، الحقيقة هناك دوافع كثيرة، يقف في المقدمة منها أننا نعيش شهر رمضان الذي نصوم فيه ثلاثين يوما، ونجرب الجوع والعطش بطريقة حقيقية، ولكن هناك فارق بين جوع رمضان المقرَّر مسبقا، (عدد ساعات الصيام، وإمكانية تناول الطعام بعد ذلك)، وبين جوع مزمن أو مستدام، وهو جوع الفقراء أو الذين يعيشون تحت خط الفقر، وقد يتجاوزون ذلك إلى الفقر المدقع.

هؤلاء يصومون إجباريا، ويجوعون بالإكراه، لأنهم بلا موارد، ولا قدرات شرائية فربما تنعدم لديهم تماما، فأما البحث في المزابل والنفايات، وهم يتعايشون معها على مضض، وأحيانا في دول فقيرة أخرى، في الصومال مثلا، تندر حتى النفايات، وتضربهم موجات الجوع موسميا، فيكون مصيرهم الموت.

غالبا الإنسان الجائع يفقد الكثير من مواصفاته وقدراته الطبيعية، مثلا لا يمكنه التفكير بطريقة صحيحة إذا جاع، ولا يمكنه اتخاذ القرار الصائب، كما أنه غالبا ما يكون ذليلا خانعا، وأحيانا يحدث العكس حين يتحول إلى السخط والغضب الذي يدفع به إلى العنف، واقتراف الجرائم والمخالفات التي قد يكون بعضها عنيفا ومميتا.

هناك أمثلة عن الجوع نعيشها بشكل يومي، قد نكون نحن أصحاب المواقف التي تحدث في حادثة جوع معينة، أو قد نعايش ونرى ونسمع بهذه الواقعة أو تلك، وفي كل الأحوال ونحن نعيش شهر رمضان، ونجرب الجوع المحدد مسبقا، فإننا يجب أن نسعى جميعا للقضاء أو التخفيف من حالة الجوع بالإكراه، كلٌ بما يستطيع من المعاونة المادية أو سواها.

من تداعيات الجوع الخطيرة فقدان الحس الإنساني والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، فإذا جاع الإنسان ينسى صفته الإنسانية، ويفقد حالة الشعور بالآخرين، وهذه القضية تعد من أخطر نتائج الجوع، لأنها تحوّل الإنسان إلى (نقيضه) فلا يشعر بالآخرين، ولا يعنيه ما يتعرضون له من مشاكل ومخاطر، ولا يبدي أية معاونة أو مساعدة، وبهذا يتحول إلى عبء على الناس لأنه لا يفكر إلا بنفسه، وغير مستع للتعاون مع فقده الشعور الإنساني.

أحدهم يذكر لنا هذه الحكاية مع الجوع فيقول: جلستُ عند واجهة المطعم حين الغروب، يفصلني عن صديقي طاولة لامعة، أضواء ساطعة بألوان فضية فوق رؤوس الزبائن، دفع صديقي قائمة الحساب مقدما، جلسنا بانتظار الطعام (لحوم متبّلة وخبز ساخن) تفوح منه رائحة التوابل الشهية، كان تعب النهار قد أحالنا إلى جسدين منهكين تماما بمعدتين فارغتين وجوع طاغٍ، وما أن وضع عامل المطعم صحن اللحم على الطاولة بيني وبين صديقي حتى فاجأتنا طفلة معدمة نحيفة يظهر على وجهها الفقر بقوة، وقبل أن نمدّ أيدينا على اللقمة الأولى قالت الطفلة: أعطِني لقمة من اللحم!.

من حكايات الجوع المؤلمة

بسبب تعب النهار الطويل والجوع الذي فتك بنا، كان الجواب لا إنسانيّاً، حادّاً، غريباً، رفضتُ وصديقي أن نعطي الطفلة (لقمة لحم)، وأعطيتها ألف دينار بدلا من (اللقمة) وطلب منها صديقي أن تشتري طعاما بما أعطيناها من نقود!، أخذت الطفلة المبلغ البسيط منّا، وابتعدت بوجهٍ كسير وعينين ضجّت فيهما أسئلة كثيرة هكذا قرأتها في سبورة عينيها الحزينتين: (لماذا لم تعطنِي لقمةَ لحمٍ من طعامك، أنا جائعة، وأنت إنسان، لماذا تستكثر عليَّ لقمة واحدة، ألم تدَّعي الإنسانية، أم أنها كلمات لا أكثر توهِم بها الناس وتلفظها دون أن تطبّقها؟؟)

وبعد دقيقة حين خفّتْ وتضاءلت صدمة الجوع، شعرنا أنا وصديقي بفداحة ما فعلناه مع الطفلة الفقيرة، ورحنا نتساءل معا ونلوم أنفسنا، كيف طرنا الطفلة بهذه الطريقة، وبعد أن شبعنا بقيّت كمية من اللحم في الصحن تكفي للطفلة وتزيد، طلب مني صديقي أن أذهب كي ابحث عنها بعد أن غابت في عيادات الأطباء المنتشرة إلى جانبي المطعم، نهضت ورحتُ أبحثُ عنها بلهفة، الشعور بالذنب يحاصرني ويؤلمني، كنت أتطلع في الوجوه بلهفة وكنتُ أمني نفسي بالعثور على الطفلة الفقيرة وأعود بها إلى المطعم ونمنحها ما تبقى من اللحم وهو كثير، لكن بعد عشرين دقيقة من البحث لم أعثر عليها، اتصلت بصديقي الذي ينتظر أن أعود له بالطفلة إلى المطعم، وأخبرته عن عجزي بالعثور عليها.

عدتُ إلى المطعم مثقلا بتأنيب ضميري، وعرفتُ أن الجوع والتعب قد يفقدك إنسانيتك، وربما يدفعك لاتخاذ قرارات خاطئة، ومنها قرار رفض تقديم لقمة لحم واحدة للطفلة الفقيرة التي تدور على الناس مستعطية كي تجمع الطعام لأمها وعائلتها، وصلتُ المطعم، كان صديقي يجلس عند الطاولة نفسها وقد احتفظ بما تبقى من اللحم والخبز أملا بعودة الطفلة مرة أخرى، كان يشعر بالشبع الممزوج بعدم الرضا عن النفس، هو وأنا نعاني من شعور قاسٍ بعد الشبع، وهذا يعني أن الإنسان حين يجوع لا يفكر بشكل صحيح، ولا يتخذ قراراته بصورة صحيحة، كنا أنا وصديقي نحاول أن نخفف عن بعضنا من شعورنا المؤلم الذي لم نكن نتوقع في يوم من الأيام أن نفعله ونستكثر على طفلة جائعة لقمة واحدة.

في هذه اللحظة وقبل أن نغادر المطعم بلحظات، جاءنا طفل أصغر من الطفلة الجائعة، كان يحمل ملامحها، اصفرار الوجه والهزال، هي كانت نحيفة مثل قصبة والطفل بدا لنا أكثر نحافة من الطفلة، لم يقل الطفل بأنه جائع بل طلب نقوداً، فسأله صديقي على الفور: هل أنت جائع، قال: نعم، قال له صديقي هل ترغب تأكل هذا اللحم اللذيذ مع الخبز الساخن؟، فقال: نعم أريد هذا اللحم، إنه لذيذ لكن أريد أن أأخذه لأمي لأنها مريضة!!.

طفل صغير نحيف الجسد مصفَرّ الوجه، يفكّر بأمهِ ويفضلها على نفسه، وضعنا له اللحم المتبقي والخبز في كيس وأعطيناه بعض النقود، فذهب راكضا بالخبز واللحم إلى أمه، شعرنا أنا وصديقي بشيء من راحة الضمير، لكن وجه الطفل الذابل لا يزال حتى هذه اللحظة موجودا في ذاكرتي، ولا أظنّ أنني سأنساه.

اضف تعليق