في مقالنا هذا الموجَّه إلى الشباب أولا، لا يعنينا شرح المادية في جوانبها ومضامينها الفلسفية، بقدر تركيزنا على تأثير التمسك بالمادية والانبهار بها من قِبَل الشباب على مسيرة حياتهم الفعلية أو الواقعية، فالفكر والفلسفة لها مجال كتابي آخر، أما ما نريد توصيله للشباب هنا، هو تجنبّهم لأضرار النزعة المادية التي تسعى ثقافات وجهات أخرى لزرعها في عقول شبابنا، وتسريبها بطرق وأساليب كثيرة إلى نمط حياتهم أو عيشهم.

ولكن لابد أن نوضّح من المصادر المخصصة، بأن المادية هي نوع من الفلسفة الأحادية تتبنى أن المادة هي المكون الأساسي للطبيعة، وأن كل الأشياء، بما فيها الجوانب العقلانية كالوعي، هي نتاج لتفاعلات مادية.

يقول المختصون أن النظريات المادية تنقسم في عمومها إلى ثلاثة مجموعات. المادية البسيطة وتحدد العالم بعناصر محددة. والمادية الميتافيزيقية تفحص مكونات العالم المنفصلة والمنعزلة. والمادية الجدلية تتبنى الجدلية الهيغلية (نسبةً إلى الفيلسوف هيجل) للمادية، وتفحص علاقة مكونات العالم ذات الطبيعة الديناميكية ببعضها البعض.

هذا العرض السريع للفلسفة المادية نضعه أمام الشباب لكي يعرفوا أن للمادية منحييْن أو جانبين، الأول الجانب الفكري الفلسفي، والثاني الجانب التطبيقي، والأخير له علاقة مباشرة مع طريقة وأنماط عيش الشباب، من الأكل إلى الشراب إلى الملبس ويتدخل حتى في طريقة التفكير والسلوك الذي تطغي عليه الفردية والأنانية، لهذا تضخّ وسائل إعلام مغرضة تابعة لجهات دولية معروفة عبر ثقافات دخيلة، ملايين الأفكار والسلوكيات وطرائق الحياة ذات الطابع المادي كي تجتذب (شبابنا) وتسلخهم من جذورهم وتعزلهم عن ثقافتهم الأم.

فما هي خطورة النزعة المادية على الشباب، ولماذا توظّف الجهات المعادية لنا، مئات المليارات من الدولارات، كي تمسخ شخصية الشاب العربي والمسلم، وتجعله ميّالا للسلوك المادي المدمِّر، ثم ما هي الأسباب التي تدفعهم إلى تسميم عقول شبابنا؟؟

ما هي التأثيرات الفعلية للمادية؟

خطورة النزعة المادية تكمن في زعزعة شخصية الشباب، وعزله عن ثقافته العربية الإسلامية، وربطه بعجلة المادية الأنانية المنتشرة عالميا، فتبقى تزج بأشكال لا حصر لها من الأخبار والمقالات والأفكار التي تعظّم نمط الحياة المادية، فتركّز على السلع المبهرة، من حيث الملبس، أو المشرب، أو المقتنيات الأخرى كالسيارات والدرّاجات، فضلا عن التدخل المدروس في صناعة الشكل، التسريحة، شكل القميص والبنطلون والقبعات والأحذية.

فتقدّم شكل الشاب بطريقة مغايرة تماما، وتتدخل في أدق تفاصيل هذا الشكل، وتقدم هذا النموذج الشبابي الغريب عن بيئتنا كي تُبهر الشاب وتسلخه من واقعه، وتثير فيه شعورا مؤذيا بالدونية والانحطاط، مما يجعل من شبابنا أشخاصا مهزوزين ضعفاء، مبهورين بالشكل الغربي المادي، متناسين أن الشكل الخارجي للإنسان لن يصنع له مجدا من أي نوع كان.

يرافق هذا التركيز الشكلي، ويوازيه تركيز على الجوهر الثقافي والفكري للشاب، يتسرب إلى عقليته عبر الفضائيات، والفديوهات التي تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، وكل الوسائل التوصيلية الإلكترونية المتاحة، يتم توظيفها في حملات منظمة ومدروسة لزرع المادية في نفوس وعقول وسلوكيات الشباب.

الهدف الأول والأهم لهذه الحملات المادية اقتصادي ربحي بالدرجة الأولى، أما السيطرة الثقافية المادية فهي متحقّقة قبل السيطرة على شكل الشاب وحصر سلوكه في الإطار المادي الفردي البحت، وهنا سوف يتسرب التأثير من الشكل، والسلوك، والتفكير الفرد، إلى مرض (مادي) جماعي يصيب البنية الاجتماعية في الصميم.

فنكون أمام شاب عربي مسلم مستسلم للثقافة المادية الدخيلة، ومنبهر بها، ومُنقاد لها، يساعده على ذلك تقصير الحكومات العربية والإسلامية والمنظمات الضعيفة، العاجزة عن حماية الشباب من الموجات المادية التي تستهدف وعيهم وثقافتهم ومعتقداتهم، وبالتالي تستهدف المجتمع كله دون استثناء.

خطوات علمية لمقارعة النزعة المادية

هل نحن الآن أمام ظاهرة خطرة من هذا النوع، وأعني بالدرجة الأولى شبابنا، هل هم في خطر؟؟، نعم إنهم في قلب الخطر، لاسيما أنهم باتوا محاطين بواقع إلكتروني إعلامي، يُوصَف بأنه (افتراضي)، لكن واقع الحال يؤكد غير ذلك تماما، فما يراه الشاب وما يطّلع عليه في شبكة الإنترنيت، سرعان ما يتحول إلى واقع تطبيقي فعلي.

فيصير الشاب العربي المسلم نسخة من الشاب الغربي المادي، ويصبح بلا ذخيرة فكرية ولا مبدئية ولا دينية ولا حتى أخلاقية، وهذا النوع من الشباب لا يمكن أن يبني المجتمع أو يرفده بطاقات تساعد على نموّه وتطوره، هنا تكمن خطورة المادية على الشاب، وعلى المجتمع كله، وهذا الاستنتاج لا يجافي الحقائق التي تحدث على الأرض.

لذا، وحمايةً للشباب من انتشار النزعة المادية وخطورتها، يستحسن العمل على ما يلي:

- أن تبادر الحكومات إلى وضع خطط متخصصة ومدروسة جيدا، لملء الفراغ الزمني الشاسع الذي يعاني منه الشباب، والذي يجعل من استدراجهم إلى الثقافات الدخيلة أمرا ممكنا بل وسهلا.

- توفير العمل المناسب لجميع الشباب وفق خطط اقتصادية علمية، تمتص جميع الخرجين ومن جميع الصنوف والمجالات العلمية، وعدم تركهم للبطالة تفتك بهم، والمادية تفتح ذراعيها لهم!!

- المبادرة بإقامة دورات شبابية في مختلف المجالات، تحمي الشباب من الأفكار وأنماط العيش المغلّفة بالميوعة والانحلال وقتل الوقت فيما لا يستحق.

- توفير وسائل وأماكن ترفيه معقولة، تمتص طاقات وفراغات الشباب، بما يضمن لهم حياة طبيعية، ولا تبقى عيونهم وعقولهم في حالة دهشة تامة مما يشاهدونه في شاشات هواتفهم، أو شاشات التلفاز أو غيرها من وسائل الإعلام العالمية.

- لا تتحمل الحكومات والجهات الرسمية وحدها هذا العبء الكبير، فجميع المنظمات المدنية، والنقابات والاتحادات وكل الجهات المعنية بالشباب، يجب أن تقوم بدورها التثقيفي التدريبي للشباب على أفضل وجه.

- وأخيرا إعداد خطط تفصيلية من الجهات الرسمية المعنية بالشباب، لدرء خطر المادية السلوكية على نحو الخصوص، من خلال تطبيق تلك الخطط العلمية، لتوفير الحماية اللازمة للشباب من خطر المادية المهيمن حاليا.

خلاصة القول، ليس صحيحا إهمال هذا الخطر، والتلكؤ في معالجته، وتنصّل المسؤولين من مسؤولياتهم في هذا المجال، فحين نحمي شبابنا من هذا الخطر الداهم، نحن في الحقيقة نحمي أنفسنا، وأطفالنا ونساءنا، ونصون دولتنا ومجتمعنا حاضرا ومستقبلا.

اضف تعليق