تبدأ تباشير النبوغ وعلاماته بالظهور في مرحلة مبكرة من العمر، فيظهر الاختلاف بين الأطفال من حيث الفطنة والذكاء والتميّز في الكلام والسلوك، لكن هذه البوادر تزداد سطوعا في أوائل مرحلة الشباب، هنا تبدأ الإرهاصات الأولى للاختلاف بين فرد وآخر، فلا فائدة في النسخ البشرية المتشابهة، عقلا، كلاما، تفكيرا وسلوكا.

مع كل يوم جديد يخطوه العالم إلى أمام، ومع كل وليد جديد يحلّ ضيفا على الأرض، تصبح الحاجة إلى الابتكار والمواكبة والاختلاف ملحّة، فلا فائدة في أن يبقى العقل كامنا في منطقة نجاح معينة، ولا فائدة في فكر يبقى يراوح في مكانه، عالمنا اليوم صار ذا صبغة تكنولوجيّة إلكترونية بامتياز، ولا يجاريه سوى العقل التكنولوجي إذا صحّ هذا التعبير.

هذا الاستنتاج يكاد يكون بديهيا، ولا جديد فيه، فالشباب قبل نصف قرن مثلا، ليس كما هو حال شباب اليوم، كل شيء تغيّر، وباتت التكنولوجيا والطرائق الإلكترونية تدخل في أدق تفاصيل حياتنا، حتى بات المهتمون والمعنيون يؤكدون على الأهمية القصوى للقضاء على (الأمية الإلكترونية التكنولوجية) بين الشباب، وبين عموم الفئات العمرية الأخرى.

لماذا على الشاب أن يتخلص من أميّته التكنولوجية الإلكترونية وكيف؟، في الشق الأول من السؤال، كل شيء في حياة الناس لم يعد يعتمد الأساليب القديمة في استمرارية وأنماط العيش، وكل حاجة أو خدمة أساسية أو كمالية يحتاجها الإنسان، باتت التكنولوجيا هي التي تقدمها له، أما الأساليب القديمة، فأما أن تكون تعرضت للانقراض، أو أنها باتت ذات طابع تراثي، يُنظَر إليها على أنها من الماضي الذي يجب احترامه وحمايته، لكنها لا يمكن أن تجاري الوسائل التكنولوجية الحديثة في تقديم شتى الخدمات للبشرية.

هل أصبح العالم إلكترونياً؟

هذا يعني أن كل فرع من فروع الحياة صار مرتبطا بطريقة أو أخرى بالتكنولوجيا، فالصناعة، والزراعة، والبناء، والطباعة، والدراسة بكل مراحلها، وغير ذلك من مجالات أخرى، لا يمكن أن يُنجَز دون أن تدخل الوسائل التكنولوجية فيه، وهذه الهيمنة تزداد وتتضاعف مع الزمن، لهذا صار لازما على جميع الشباب أن يعوا خطورة الجهل بتفاصيل التكنولوجيا المختلفة.

في الشق الثاني حول الكيفية التي تعمل على تمكين الشاب من ملاحقة ما يجري من مستجدات في عالم التكنولوجيا، فيجب أن تكون مدروسة ومقنّنة وموضوعة في إطار خرائط عمل واضحة الخطوات والإجراءات، ولا يصح انتهاج الأسلوب العشوائي أو غير المنظّم في التعاطي مع حتمية امتلاك النواصي المتنوّعة للتكنولوجيا...

كل الشباب اليوم، وهم بالتأكيد مختلفون عن شباب الأمس، وعليهم الخروج بإصرار من منتجعات (الراحة، والاسترخاء) إلى ربوع التكنولوجيا بكل مجالاتها وتفرعاتها، فلم يعد مقبولا من الشاب أن يقتل وقته الثمين في ملاهٍ لا جدوى ولا فائدة منها، وليس مقبولا منهم عدم فهم قيمة الزمن أو إهمال الموهبة والطاقات الكامنة، وعليهم جميعا مراقبة (أيامهم) وخبراتهم جيدا، ومدى تشابهها مع بعضها، والحرص الكبير على الحد من هذا التشابه.

من تساوى يوماه فهو مغبون، هذا القول العظيم يشمل الجميع بغض النظر عن الجنس أو اللون أو العمر، ولكن يبقى المعني الأول به هو الشاب، لماذا؟، الجواب واضح للجميع، حيوية وقوة الشباب تفرض عليهم أن يستثمروا كل ثانية من أعمارهم في الإبداع والابتكار والتطور، وهذا لا يمكن أن يتحقق ما لم يكن للشاب مثابرة وتحدٍّ وإصرار، على الولوج في عالم التكنولوجيا بقوة ورغبة ودراية وعلمية ومهنية تامة.

في أي مجال عملي كان، يفكر الشاب بخوض غماره، سوف يجد أمامه في لائحة الاختبار، قائمة من الحواجز (التكنولوجية الإلكترونية) التي عليه عبورها أثناء الاختبار، وفي حال فشله في هذا أو ذاك من الحواجز المذكورة، فإن حرمانه من الفرصة هو الجواب المؤكّد على أميّته المذكورة آنفا، والتي غالبا ما تكون نتيجة حتمية لقتل الوقت وتبذيره بلا وعي.

خطوات لعصرنة القدرات الشبابية

إذاً ليس هناك أي جديد (ولكن من باب التذكير والحثّ)، حين نقول من لا يمتلك حصانة (إلكترونية / تكنولوجية)، فهو محروم حتما من فرص العمل التي تليق بعقلية وعلمية شباب العصر الحالي، ولكي يحمي الشاب نفسه من هذه المشكلة، لاسيما أننا نعيش في بيئة (سياسية اجتماعية)، لا يعنيها الشاب من بعيد أو قريب، عليه أن يتمسك بما يلي:

- أنْ يؤمن إيمانا قاطعا بنفسه وقدراته الذاتية.

- أن يبقى دائم البحث عن مصادر تعلّم التكنولوجيا ومتابعتها عبر الوسائل الحديثة.

- أن يحرص كل الحرص في عدم هدر وقته، من خلال عملية موازنة دقيقة بين الترفيه والتطوير الذاتي، بمعنى تنظيم الوقت وتقسيمه بشكل جيد بين (الراحة) وكسب الخبرة.

- أن يضع بينه وبين حالات الإحباط واليأس حواجز قوية من التفاؤل والإصرار على التطور والنجاح والمضيّ دائما إلى أمام.

- أن يستثمر جميع الفرص المتاحة دونما تردد أو تخوّف، لكي يكون ذا معرفة وخبرة في استخدام الوسائل التكنولوجية.

- عدم التردد في الدخول بدورات تدريبية جادة تمنحه عقلية جديدة وقدرات معاصرة، وعليه أن يتأكد من مدى جودة وجدية هذه الدورات والجهات التي تقيمها.

هناك شقّ آخر من هذه النقاط يُلقى بمسؤولية تنفيذها على عاتق الجهات الرسمية والمدنية:

- المؤسسات والجهات الحكومية المعنية بالشباب، مطالبة بفتح دورات تدريبية منتظمة لإطلاع الشباب على أحدث المعلومات والوسائل التكنولوجية.

- تشجيع المعاهد والمنظمات الأهلية على إطلاق دورات تعليمية تكنولوجية إلكترونية للشباب وبمحفزات وأسعار مدعومة.

- التركيز الرسمي المستمر على حتمية تطوير المهارات الشبابية عبر خطط علمية مدروسة ومنتظمة التنفيذ، تتكفل بها الجهات ذات العلاقة والتخصّص.

- فتح مراكز للتعليم الإلكتروني التكنولوجي في جميع المدن ومراكزها وفي الأقضية والنواحي وحتى الأرياف، ووضع خطط حكومية ومدنية لجعل هذه المعلومات والدورات متاحة للجميع وفي كل الأوقات.

إذا تحقّقت النقاط أعلاه، سوف يكون هناك تلاحم في أداء المسؤولية من الطرفين، الشباب والجهات المسؤولة، فالشاب يتحمل مسؤولية الانخراط بجدية وإصرار في عالم التكنولوجيا لضمان (محو أميته في المجال الإلكتروني)، كما تتحمل الجهات والمؤسسات الرسمية والمدنية مسؤوليتها التامة في صنع جيل شبابي ناهض، يتخطى مخاطر الجهل التكنولوجي الإلكتروني، ويندمج في عالم اليوم بتفوق ونجاح.

اضف تعليق