يقول أحدهم كأنه يخاطب نفسه: لا يوجد أحد في هذا العالم محمي من القلق، الأغنياء يقلقون كما الفقراء، والأقوياء يقلقون كما الضعفاء، لا أحد في منجى من ذلك، هكذا كنتُ أردد مع نفسي، وأحاول أن أجد تبريرا أو سببا مقنعا لموجة القلق التي تجتاحني، على الرغم من أنني أحد كبار الأثرياء في مدينتي، وأن تجارتي مؤمَّن عليها، وعائلتي تعيش كما العائلات الملكية وتتمتع بدرجة عالية من الرفاهية.

فنحن عائلة يوجد لديها طبيب عائلة وأكثر من عاملة تنظيف، وسائق خبير مع سيارة فخمة وحديثة، حديقة البيت (القصر) واسعة جدا ويعتني بها بستاني خبير وأمين، باختصار لا ينقصني وعائلتي أي شيء مادي، وكل ما نحلم به يتحقق فوراً من دون عناء أو تأخير.

خطر في بالي الفقراء، كيف يعيشون، ولماذا هم سعداء أكثر منا نحن الأثرياء، واكتشفت أنّ مشاكلهم أقل منا بكثير، وأن أحلامهم بسيطة جدا، على العكس منا تماما، فالفقراء لم يصل إليهم بعد وباء المادية الفاحش، لذلك هم قنوعون.

كيف أعالج قلقي؟ هكذا سألت نفسي، تركتُ البيت قبل الغروب، في محاولة للتخلّص من موجة القلق الداهمة، خرجت أتمشّى تاركا سيارتي الشخصية، ولم أستعن بسائق العائلة، قررتُ أن أكون بمفردي، يُقال أن المشي المتهادي على القدمين يريح الأعصاب، كما أن اعتدال الجو في الليل، يساعد على صفاء الذهن، ويحدّ من موجات القلق المجهول.

لا أعرف أين قرأت هذه الجملة: (يحتاج الإنسان إلى من يقف معه حتى لو كان أغنى الأغنياء)، إنها حقيقة لا يمكن لأحدنا نكرانها، إلا إذا أردنا أن نبلغ من النرجسية أقصى مداها، فالإنسان معرَّض لأزمات قد لا يخطر بعضها على بال، ولذلك ليس صحيحا أن تعتدَّ بنفسك لأنك قوي أو غني ولا تحتاج لأحد، فهذه المرتبة من (عدم الحاجة) لا يبلغها إلا الله.

واصلتُ السير ماشيا بهدوء، أتطلع أحيانا إلى السماء، فأرى النجوم تتلألأ، وأشعر بأن القلق بدأ يتناقص وينطفئ في أعماقي، وبينما كنت أمشي في الشارع وحيدا، مررتُ بمسجدٍ مفتوح، فقلتُ لنفسي: لِمَ لا أدخل وأصلي فيه ركعتين؟

وحين دخلت المسجد رأيتُ رجلا قد استقبل القِبلة، رافعا يديه إلى السماء، يدعو ربّه ويلحّ عليه في الدعاء، فعرفتُ من طريقته في الدعاء أنه يواجه مشكلة صعبة الحل، وحين فرغ الرجل من دعائه، تقربتُ منه وقلت له:

- رأيتك تدعو وتلحّ في الدعاء كأنك تواجه مشكلة عصيبة، فما خبرك؟، قال:

- عليّ دَيْن كبير أرّقني وأقلقني، فقلت له:

- كم هو؟، أجاب:

- أربعة آلاف.

فأخرجتُ أربعة آلاف وأعطيتها إياه، فرح بها وشكرني ودعا لي.

ثم قدَّمتُ له بطاقتي الخاصة، فيها رقم هاتفي وعنوان مكتبي وقلت له:

- خذْ هذه البطاقة وإذا كان لك حاجة فلا تتردد في زيارتي أو الاتصال بي.

ظننتُ أنه سيفرح بهذا العرض، لكني فوجئت بجوابه الذي صدمني، أتدرون ما هو جواب الرجل؟؟

قال: لا يا أخي جزاك الله خيراً لا أحتاج إلى هذه البطاقة، فكلما احتجتُ حاجةً سأصلّي لله، وأرفع يديَّ إليه وأطلب منه حاجتي، وسيُيسِّر الله قضاءَها كما يسّرها هذه المرة...........

تُرى مَنْ أرسل هذا الرجل الثري إلى ذلك الرجل (المديون)؟؟؟

إن الله أقربُ إليك من حبل الوريد، يمكنك أن تدعوه فكل شيء بيده.

هذه القصة التي قصّها تاجر كبير في لقاء إعلامي، تذكرنا بالحديث الصحيح:

[ لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و تروح بطانا ]

أي أنها تبدأ يومها جائعة، ولا ترجع آخر يومها إلا وقد شبعت، اللهم ارزقنا حسن التوكل عليك والتفويض إليك.

نعم نحن جميعا نحتاج بعضنا بعضا، وعلينا أن نتبادل التعاون والتكافل فيما بيننا، لكن في نفس الوقت، من الأهمية بمكان أن تفهم وتؤمن بأن الله هو من يقف معك في الظروف الصعبة التي قد يتخلى فيها الجميع عنك، حتى أقرب الناس إليك، قد يتهرّب منك، حينئذ ليس لك من ينقذكَ إلا الله.

اضف تعليق