الجرائم أنواع ودرجات، وأكثرها بشاعة تلك التي تحدث تحت الشمس دون تحديد الجناة، بدا قرص الشمس يتوسَّط صفحة السماء، معلَّقًا فوق الرؤوس بشكل عموديّ، تندلع منه خيوط نار ساخنة، تضرب وجه الأرض بلهبٍ متَّقد، تهربُ الكائنات كلّها إلى مخابئها، الناس، الحيوان، الحشرات، كل الكائنات تسعى للعثور على ملاذ يقيها من لهيب الشمس، ظهيرة جهنّمية، تشي بجنون الشمس.

وحدهم الأيتام والمشرّدون لا يمنعهم الخطر من البحث عن لقمة تسد رمقهم، كلّ شيء يمكن للإنسان أن يواجهه، يجاريه، يروّضهُ، إلّا الجوع، لا يمكن لأحد تحمّله طويلا، لأنّهُ يعني الموت، وفي أضعف الإيمان، ينتهي بالإنسان إلى المرض والانهيار.

في هذه الظهيرة القاسية، أسمعُ طرْقاً على الباب، توقّعتُ عودة ابني من الجامعة، أو زائرا من مدينة أخرى، نهضتُ وخطوتُ نحو الباب، ماذا رأيت؟؟

كيف يمكن أن أصف ما رأتهُ عيناي، كيف يمكن أن أصف الشعور الذي صفعني في لحظة فتحي للباب، وجه أعجف، تأكله الصُفرة، عظام الوجنتين والحنك ناتئة، الأسنان مهشمة ومنخورة، العينان نصفُ مغمضتين، كأنهما يعودان لجسد بلا روح، الشعر أشعث حائل اللون، القوام نحيف هزيل كأنه غصن يابس، القدمان بلا نعل، مقوّستان، مصابتان بتقرّحات مزمنة، الثياب رثة ممزقة، وأزرار القميص غائبة لا وجود لها، صدر صغير بأضلاع بارزة يواجه حرارة طاعنة بالقسوة، إنه أحدُ أطفالنا الأيتام.

سألته والألم يهرسُ قلبي:

- ألا تخشى ضربة الشمس؟

قال:

- أريدُ مساعدة

قلت:

- هل أنت جائع؟

أجاب:

- وعطشان!

دخلتُ إلى البيت، خرجتُ له بقنينة ماء بارد، ولفافة فيها بعض اللحم والبطاطس، شرب الماء دفعة واحدة، أخرجت له كرسي، جلس وبدأ يقضم اللفافة بعجالة، كأنه لم يذق الطعام منذ أيام، سألته:

- كم عمرك؟

قال:

- لا أعرف عمري

قلتُ له:

- لماذا تدور على البيوت في الظهيرة الساخنة، لماذا لم تؤجّل ذلك إلى العصر مثلا؟

لاذ بالصمت، ربما لم يعد يسمع كلامي، انشغل بالطعام، كان يتناوله بشراهة وسرعة، وعندما انتهى قال:

- أريد مساعدة؟

دخلتُ البيت مجددا وأعطيتهُ ورقة نقدية وطلبتُ منه أن يذهب إلى بيتهم فورا، خشية أن يُصاب بضربة شمس، لم يجب عليّ، ولا شكرني، لم يسمع كلمة مما قلته لهُ، واصل الطرْق على أبواب البيوت، وقبل أن أدخل بيتي رأيتُ طفلة تكبره قليلا، تسحلُ رجليْها سحلًا تحت وَقْدِ الشمس، وراحت تنظر لي نظرة غريبة فيها خجل واستنكار وعتب وسخط، رأيتها تلتحق بأخيها لمواصلة الاستجداء.

هذه الحالة ليست الوحيدة من هذا النوع، تُرى مَنْ هو المسؤول عن هذه الكارثة، سألت نفسي أولا، ثم سألتُ أناسا آخرين، الحقيقة لم يقنعني أحد، طالما أننا نعيش ونرى مثل هذه الحالات المؤلمة، ولا نتحرك قيد أنملة لمعالجتها، الحكومة ماذا فعلت وماذا خططت لكي تحدّ من هذه الحالات، الأسرة هل قامت بواجبها، المجتمع ماذا قدّم لكي ينقذ نفسه من هذا الوباء، المنظمات المختلفة الخيرية وسواها، ما هي برامجها في مكافحة الفقر وإنقاذ الأيتام؟

أسئلة كثيرة تبقى بلا جواب، أين الخلل يا تُرى؟

بعضهم أجاب، إن الأسرة هي التي تتحمل مسؤولية تشرّد أطفالها، ولكن ماذا لو تهدّمت أو تلاشت الأسرة، كأن يذهب الأب شهيدا أو يموت بمرض ما أو قضاء وقدر، وتتزوج الأم، وتبقى الشوارع وحدها ملاذات للأطفال، وقد يحدث العكس تموت الأم ويتزوج الأب ويضيع الأطفال في الساحات والحدائق العامة، هل الأسرة موجودة ومُصانة دائما، كلا، من يأخذ دور الأسرة، أكيد الحكومة هي المسؤولة في هذه الحالة، هل الحكومة تقوم بواجبها على الوجه الأكمل حيال هذه المشكلة؟

المجتمع هل يتكافل أفراده بشكل متبادَل، الأثرياء هل يقدّمون ما يلزم من عون للأيتام، هل يفتحون لهم البيوت الملائمة للعيش والسكن، المنظمات الدولية والمحلية خصوصا المدنية، هل تؤدي واجباتها تجاه الأطفال الأيتام والمشرّدين؟

في الواقع هناك تقصير من جميع الجهات التي ذُكرَت في أعلاه، الحكومة، الأسرة، المنظمات، المجتمع، الأثرياء، كل هؤلاء يقع عليهم قسط من الخلل في معالجة التشرّد، وترك الأطفال للشوارع والساحات، تضربهم الشمس، ويجلدهم البرد، ويلفّهم الضياع، فماذا ستكون نهايتهم، وما مدى خطورتهم على المجتمع؟، هل فكر أحد بهذه القنبلة التي تكبر مع إهمالها؟

هؤلاء سوف يكبرون، سوف يصبحون رجالا، كيف سيتعاملون مع المجتمع الذي أهملهم، والحكومة التي أدارت ظهرها لهم، والأسرة التي تهرّبت من مسؤوليتها تجاههم، هؤلاء أيها السادة، هم مجرمو المستقبل، وهم العصيّ الغليظة التي تحشر نفسها بقوة في دواليب التقدّم إلى أمام، فتمنع الجميع عن التقدم خطوة واحدة.

كنتُ أمنّي نفسي بأن الصيف الجديد لن يتقبّل هذه الظاهرة كما حدث في الصيف الماضي، لكن الأمنيات وحدها لا تغيّر الأحوال، ولا تعالج الخطر، الأفكار، التخطيط، والأفعال، هي التي تمنع القنابل الموقوتة من الانفجار، والمشردون يشكلون قنبلة كبرى تدمر المجتمع إذا تمّ إهمالها، وهذا الذي يحدث للأسف، نأمل المشاركة من الجميع، بادروا لإنقاذ المشردين، لأنكم بذلك إنما تبادرون لإنقاذ أنفسكم!!

اضف تعليق