من الإشكاليات التي تواجه العمل الثقافي، ظهور النزعات الفردية في إدارة الثقافة، وعدم منح الفرصة المواتية للعمل الثقافي الجمعي، لكي يُسهم في تنمية وتطوير منظومة الوعي والتفكير والسلوك المجتمعي عموما، ولعلنا نتفق على أن العمل الثقافي ميدان خصب للتنافس بين المثقفين أنفسهم من أجل التفرّد، وكذلك بين المنظمات الثقافية التي تنشط وتتنافس في مجالات مختلفة لبلورة ثقافة حية متجددة.

تُرى أيهما يشكل دعما فاعلا لتنمية الثقافة، هل هو الفعل الثقافي الفردي أمْ ذلك الذي يتكلل بجهود جماعية متناسقة؟

هناك من يرى أن الجواب يشمل كلا النشاطين، بمعنى أن نشاط الفرد له نسبة تشابه أو تقارب النشاط الثقافي الجمعي، مع اختلاف سعة أو حيّز التأثير، فلا يمكن للأخير – الثقافي الجمعي- أن يحقق قفزات فاعلة في الأوساط المجتمعية، ما لم يكن حصيلة فعل ثقافي فردي متميز، لذلك يبقى الفعل الثقافي وطبيعته هو معيار النجاح أو الإخفاق.

كما أن إدارة الأنشطة الثقافية لها علاقة بالنتائج المرتقبة للنشاط الثقافية، حيث تظهر في العمل الثقافي عيوب الشخصيات والمنظمات الثقافية أيضا، هناك أفراد يدّعون الثقافة، لكنهم لا يعون قضية اختلافهم عن عامة الناس من حيث الوعي، وضرورة تقديم النموذج الأفضل في التعامل والإنتاج، فينسى بأنه مثقف وينحدر إلى السلوك الغريزي، وفي هذه النقطة لن يكون مختلفا عن الآخرين، فما هي ميزة المثقف على الآخرين وما هو اختلافه عنهم إذا كان تفكيره وسلوكه مثلهم؟؟

إيجابيات التنافس الثقافي

إذاً حجر الزاوية في نجاح الثقافة، وتعاظم دورها في التطوير المجتمعي، تكمن باختلاف المثقف عن غيره من الناس، على مستوى التفكير والفعل والدور الذي يلعبه في المجتمع، وعندما تكثر الشخصيات الثقافية التي لا تعي تميّزها عن غيرها، فإن صورة التنافس سوف تتحول إلى صراع، وسوف يشمل ذلك المنظمات مع بعضها، وتتحول من داعم ومنتج لثقافة متطورة فاعلة، إلى النقيض تماما.

المهم في العمل الثقافي أن يكون قادة النخب مختلفين عن غيرهم، يحملون عقليات مختلفة، تخلو من التطرف، وتمتلك ميزة بعد النظر، وتتحلى بخاصية الانفتاح الإنساني، وتمحو مفردة الصراع من فعلها بشكل تام، فالأخيرة تزيد الثقافة هبوطا والوعي تدهورا، وكلما ازداد عدد المثقفين الذين يميلون إلى الصراع كبديل عن التنافس، فإن الثقافة والمثقفين ومنظماتهم، في هذه الحالة يحتاجون إلى معالجة هذا الخلل الكبير، لأن الثقافة في إطار الصراع تفقد قدرتها على التأثير.

لذلك نحتاج فعلا ثقافيا ينشأ وينمو في إطار تنافسي إيجابي، لا يضع العصيّ في دواليب الثقافة، وهذا العلاج يكمن في القدرة على انتهاج العمل الجماعي كوسيلة وخريطة للعمل الثقافي، بطبيعة الحال يشترط العمل الجماعي توعية متواصلة ومقدرة على تهذيب الذات، والحصول على درجة عالية من الإيثار، كلنا نحتاج إلى التعظيم والاحترام، ونحن جميعا سواءً كنا مثقفين أو من عامة الناس نرغب بالإشادة ونبحث عنها، كونها تعزز من مكانتنا في المجتمع.

خطوات لتحييد الصرع الثقافي

هناك من يسعى للفصل بين الفعل الثقافي الفردي والجمعي، وهو أمر لا يصب في صالح أحد، فالمطلوب هو التقريب بينهما، والمهم هو أن يدخل هذا الفعل في دائرة خدمة الثقافة، وتحجيم الفكر المتطرف، وكبح نزعة الصراع، وتجديد الأفكار، ومنح العقول فرصة أكبر للتفاعل والتقارب، والسعي للدفع بالمزايا الفردية لنكون متوائمة مع الثقافة الاجتماعية الكليّة التي تخدم المجتمع والفرد في نفس الوقت.

المشكلة التي يعاني منها بعض المثقفين، حين ينظر إلى نفسه بأنه العارف بكل شيء، بل هو العارف الأوحد وما عداه على خطأ، وهو سلوك وتفكير لا يمت للثقافة والوعي بأية صلة، على العكس من ها تماما، يجب على المثقف أن لا يختصر الآخرين في مواقفه ورؤيته، نعم هو يستحق الاحترام والتميّز، ولكن ليس إلى درجة إلغاء الآخرين بحجة كونه الأهم أو الأفضل.

كم هو عظيم ذلك المثقف أو الإنسان الذي يؤثر غيره على نفسه، وكم هو بارع ذلك المثقف الذي يعتدّ بذاته ويحترم نفسه، ويكتفي بنجاح العمل الثقافي دون أن تُنسب له أسباب النجاح، وكبير ذلك المثقف الذي يقدم للآخر نموذجا إنسانيا واثقا متميزا محبّا للجميع، وقادرا على كبح النفس المعقدة المتحجرة أو المتعصبة.

نعم يبقى المثقف هو ذلك الإنسان المختلف عن غيره، ولكن يجب أن يكون هذا الاختلاف لصالحه وليس بالضد منه، فكيف يتحقق ذلك؟، إنه يتحقق عندما لا يتنصل من سمات المثقف وصفاته ووعيه، فالمثقف هو من يتحكم بنفسه وأهوائه وغرائزه وليس العكس، وإذا أراد أحد المثقفين أن يصل إلى هذه الصورة المثلى، عليه أن يؤمن قولا وفعلا بالعمل الجماعي في ميدان الثقافة، وأن لا يسمح للنزعة الفردية أن تتمكن منه وأن يبقى الإيثار علامتهُ الفارقة.

المثقف هو الشخص الذي يعوّل عليه الآخرون (وليس العكس) في وضع بصمته التي تدفع بالآخرين إلى أمام، ولا يمكن أن تُمنح هذه الصفة (مثقف) لإنسان هو نفسه يحتاج إلى مساعدة الآخرين الفكرية والسلوكية، وأخطر ما يسلب المثقف تميزه ودوره، حين يؤمن بأنه فوق الجميع فكرا وسلوكاً.

هذا النوع من التطرف يسلب المثقف صفتهُ الثقافية، ويدمجه بما يسمى (بثقافة التطرف)، وبذلك لا يمكن أن يفوز بشرف نقل المجتمع إلى ثقافة متجددة تحترم الإنسان، وترتفع به إلى هذه المرتبة العالية من المبادئ الإنسانية، كما أنه بهذه النزعة المتعالية يخسر ثقة الآخرين به، فعليه أن يكون واحداً من الجميع ويتخلى عن فكرة كونه العقل الأوحد في الفكر والفعل الثقافي.

اضف تعليق