لمن يتابع تاريخ علماء الدين وسيرتهم وتعاملهم مع الاحداث في مختلف اتجاهاتها، يجد نماذج راقية من الحرص على إنجاز الافضل وتحقيق الأكمل وعدم الرضى بأنصاف الحلول، فهم أمام حاجات الناس؛ كمثل ماء منهمر بالعطاء، وأمام الازمات؛ كمثل الجبل الصلد، في مواقفهم وما يقدمونه من حلول وبدائل. وهذا تحديداً ما جعل التشيّع طيلة قرون متمادية راسخاً في الساحة الثقافية والفكرية والاجتماعية، فما يصدر من الحوزة العلمية وعلماء الدين، هو مواجهة كل ما يهدد الارض والعرض والانسان والقيم الاخلاقية.

هذه القدرة الفائقة، لم تقف ورائها اسباب وعوامل مادية، كما هي الدول المقتدرة، سياسياً وعسكرياً ومخابراتياً، إذ تعتمد على مواردها المالية، بشكل كبير لبناء ترسانتها العسكرية والهيمنة على اقتصاديات الشعوب والتحكم بمصائر العالم. إنما هنالك عوامل ثلاثة غذت هذه القوة الخارقة، وجعلتها عصيّة على جميع القوى في العالم؛ العلم والتقوى والجهاد.

أكد هذه الحقيقة سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي – دام ظله- في حديث خاص الى طلبة العلوم الدينية مؤخراً، مشيراً الى نماذج عديدة في تاريخنا لعلماء أفذاذ بلغوا القمم في هذه المجالات الثلاث، فحققوا الانجازات الباهرة في الدفاع عن فكر وثقافة أهل البيت، عليهم السلام، وايضاً في الدفاع عن الارض والعرض أمام الاعتداءات والتجاوزات من القوى الغاشمة في العالم.

هذه الامور الثلاثة المُشار اليها، ليست هي من المكتشفات، بقدر ما هي أمور مطروحة أمام الجميع ومطروقة بالبحث والنقاش، بيد أن المهم فيها مصداقيتها على ارض الواقع، وأن تتجسد في رجل شهم، قادر على تحمل المسؤولية كاملة، وهذا تحديداً ما اشار اليه سماحة المرجع الشيرازي، فاذا ما تتبعنا "تراجم الأعلام من فقهاء الإسلام في التاريخ الماضي، فستجدون النماذج الكثيرة في العمل بتلك الأمور الثلاثة".

الميزة في هذه "الثلاثية"، أنها تجمع بين خصال ذاتية، وصفات للتأثير على الواقع الخارجي. فالتأثير على مجريات الأمور لن يتحقق دائماً بالعلم والجهاد من دون التقوى، فهي العلامة الفارقة للانسان العصامي – إن صحّ التعبير- الذي لا تصدر منه كلمة ولا موقف ولا عمل، إلا بعد تحقق وتدقيق في صحته، وألا يصطدم مع الثوابت والقيم. من هنا نجد علمائنا ممن تركوا بصماتهم في التاريخ السياسي والاجتماعي، تخلّوا عن الراحة وعن الامتيازات وكل شيء حتى لا يخترقوا "حاجز من تقوى الله"، كما جاء في وصف الامام علي، عليه السلام. وهذا تحديداً، شيّد جسور الثقة بين الجماهير وبين علماء الدين، وأثمر عن حراك جماهيري خلق أحداث جسام، كانت على شكل ثورات وانتفاضات عارمة غيّرت مجرى التاريخ. كما حصل في ايران بفتوى تحريم استخدام التبغ المنتج بريطانيا، وفي العراق بفتوى الجهاد ضد المستعمر البريطاني، وبالتصدّي الشجاع والحازم للغزو الفكري الذي ضرب العراق أواسط القرن الماضي.

و"الجهاد" الذي يكون على جبهتي التبليغ الداخلي والتصدّي الخارجي، لن يحقق اهدافه المنشودة، من دون المستوى المطلوب من العلم والمعرفة. وإلا فان في التاريخ صفحات لثائرين ومصلحين قادوا شعوبهم ضد الاستعمار والحكام الطغاة، فغيروا وأقاموا وشيدوا، لكن ليس بالضرورة ان نجد لتلك التحركات أثر واضح في الوقت الحاضر على واقع تلك الشعوب، اذا لم نقل أن تلك الثورات والانتفاضات استراحت في المتاحف وفي كتب التاريخ والادب، وربما لم تحملها ذاكرة الجيل الجديد. بينما "العلمية" الموجودة في لدى علمائنا تحفر اخدوداً في الواقع يمتد مع الزمن، ثم يضيء للأجيال القادمة، فهذا الشعب الايراني ما يزال يفخر بأن انجازاته ومكتسباته إنما بفضل علماء دين أفذاذ وهبوا فكر التحدي والانطلاق بعيداً عن التبعية للأجنبي، من أمثال المرجع الاعلى في زمانه، السيد ميرزا محمد حسن الشيرازي.

وفي العراق نفخر دائماً بوجود شخصيات علمائية بارزة وقفت بوجه الاستعمار ومن جاء الى الحكم نيابة عنهم، وما افرزوه فيما بعد من افكار وثقافات دخيلة ارادوها عكازاً لوجودهم السياسي. يقف في طليعتهم قائد ثورة العشرين الامام الشيخ الميرزا محمد تقي الشيرازي، وسماحة الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي. وهذه الاسماء وغيرها، هي بالحقيقة الامتداد الطبيعي لأسماء لامعة كبيرة انطلقت قبل هذا بسنين طوال. جاهدت بالعلم والمعرفة وصانت الهوية والمقدسات، وتركت أثراً عميقاً في النفوس. ومن هؤلاء السيد محمد مهدي الطباطبائي المعروف بـ "بحر العلوم"، من أعلام القرن الثاني عشر الهجري، وأحد ابرز علماء الحوزة العلمية.

هذا العالم الفذّ، الذي عاش بين الفترة (1155هـ الى 1212هـ)، أي لم يتجاوز عمره (67) عاماً، ترك انجازاً عظيماً، بين منجزاته العلمية في الحوزة العلمية، كزعيم أعلى بعد وفاة الشيخ الوحيد البهباني، مناظرته مع علماء اليهود في منقطة "الكفل" جنوب الحلّة، وفي السنة الاخيرة من حياته الشريفة التقى في طريقه الى كربلاء المقدسة، بعدد غفير من اليهود، يقدر عددهم بحوالي ثلاثة آلاف شخص، شهدوا مناظرته مع علمائهم، وحسب المطلعين على تلك المناظرة فان السيد بحر العلوم، كان على اطلاع دقيق بكتب اليهود المقدسة، وفي مناظرة مع أحد علمائهم، ألقمه الحجة البالغة بأحقية الاسلام، وعلى أثر هذه المناظرة أسلم اكثر من ثلاثة آلاف يهودي في تلك المنطقة على يد السيد بحر العلوم، بعد أن أعجبوا من غزارة علمه واطلاعه على تاريخهم ومسائلهم الدينية.

هكذا مواصفات أخلاقية وموسوعية وجهادية عالية، يحتاجها العراق في الوقت الحاضر، لمواجهة تحدٍ خطير ذو ابعاد متعددة، فهو لا يقتصر على الحرب الساخنة وسلاح الرصاص، إنما الى الحرب الفكرية وسلاح الكلمة وجهاد النفس، ليثبت للعالم؛ أن هذا البلد الذي تستهدفه الجماعات الارهابية والتكفيرية، بالفكر المنحرف قبل الرصاص والمتفجرات والسيوف، لهو جديرٌ بأن يكون نموذج العيش الكريم لكل البلاد الاسلامية كما جرّب ذلك في ظل حكم أمير المؤمنين، عليه السلام قبل حوالي اربعة عشر قرناً من الزمن. وهذه هي مهمة علماء الدين العاملين في أن يستعيدوا تلك الأمجاد ويزيحوا هذه الغمامة عن وجه العراق، ثم عن وجه البلاد الاسلامية جمعاء.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0