الفجر بدأ يطل بأنواره، الشمس أخذت تبثُّ شعاعها قبل طلوعها، نورها بدأ يلوّن خاصرة السماء بعد ليل طويل مؤلم، لحظتُ أبي عبر زجاج نافذة ردهة المستشفى، كان يقف على شرفة صغيرة تطل على المدينة، رأيت كفّيه مرفوعتين نحو السماء، كان يتضرع إلى الله وعيناه تشخصان إلى الأمام نحو نقطة واحدة، من زاوية عينه اليمنى كنتُ أرى خيط الدمع يتدفق على خدّه، شفتاه تلهجان بكلمات لم أكن أسمعها، الدمع الذي بلّل شفتيه أطفأ نبرة الصوت....

قضى أبي الليل دونما نوم، يقف عند رأس أخي ويقرأ له آيات من القرآن، لم يكن يبكي أمامي، لكن الحزن والحيرة والقلق غطى ملامح وجههُ، لم يكن ينظر إليّ، بصره كان غارقا في وجه أخي، وكان الأنبوب المطاطي الداخل من أنفه إلى بطنهِ، يسحب سوائل يختلط فيها لون الدم الأسود المخلوط بتقرحات صفراء باهتة، هذا الأنبوب تسبّب بآلام قاهرة لأخي وأشدّ منها لأبي.

ليالٍ عديدة توالت وأبي لم ينم فيها ساعة واحدة، عقله وقلبه وبصره وبصيرته، كلّها تتركّز على وضع أخي الخطير، مواقف الآباء لا يمكن أن يجازيها الأبناء حقّ جزائها، توسلتُ إليه أن يرتاح قليلا، فقال لي: لا تطلب مني المستحيل، حين تُرزَق بولد، ويحاول مرض لعين أن يأخذه منك، حينئذ سوف تعرف لماذا لم أستطعْ النوم..

في مقتبل شبابهِ، وحين تفتّحت وردة حياتهِ، حدثت لأخي الذي يصغرني بسنتين مشكلة صحية خطيرة، فقد انفجرت الزائدة الدودية في بطنه، وكان بينه وبين الموت وقت قصير، نقلهُ أبي وكنتُ بصحتهِ إلى المستشفى الرسمي الكبير في المدينة، وبعد أن عاينه الطبيب، على الفور أحاله إلى غرفة العمليات، ثم التفتَ لأبي وقال له:

- إن نسبة نجاح العملية الجراحية 1% فقط، وعليك أن توافق لأنني سوف أجري هذه العملية على مسؤوليتكَ وبموافقتك.

وافق أبي على مضض ورأيت أصابع كفّه اليمنى ترتجف بشدّة، وهو يوقّع على قبوله بشرط الطبيب، كان الدمع يتساقط من عينيه مدرارا، وروحه حائرة، فليس أمامه إلا أن يضع مصير ابنه بين يدي الطبيب الجرّاح.

بعد ساعات طويلة مثقلة بالخوف والترقّب والقلق، أُخرِج أخي على نقالة يدفعها ممرض، من صالة العمليات، كان بين الحياة والموت، رأيت الأنبوب المطاطي الأصفر يدخل من أنفه إلى داخل بطنه، كان يؤلمه بدرجة لا تُحتمَل، على الرغم من أن التخدير لا يزال مفعوله قائما، وكانت أصابع أخي تمتد إلى الأنبوب لا إراديا كي تقتلعه من أنفهِ، كان يتألم بشدة، ويستغيث بأبي كي يساعده على طرد الأنبوب المؤذي من بطنه...

بقينا أربعة أيام في المستشفى، وكان غراب الموت يحوم فوق أخي، وأشد ما كان يعانيه آلام الأنبوب المطاط، آلام شديدة مخيفة على الرغم من أن أخي كان ذا شخصية كتومة، فهو لا يُظهر مشاعره للآخرين إلا ما ندر.

في اليوم الخامس كنتُ نائما مع أخي صحبة أبي الذي قاوم النوم بشراسة، استيقظتُ في الساعة السابعة، فلم أرَ أبي مستيقظا في فراشه كما في صباح كل يوم، كان فراشهُ فارغاً، وكان أخي مستيقظا وعيناه نصف مغمضتين والاصفرار يجتاح وجهه، بحثت عن أبي لم أجده، سألت الممرضين والمرضى، لكن لا أحد يعرف أين أبي، طلبه أخي أيضا بإلحاح مميت، فهو لا يطمئن إلا عندما يرى أباه قريبا منه.

مرّت ساعتان وأكثر وأبي غائب لا نعرف عنه أي شيء، في ضحى ذلك اليوم دخل أبي الغرفة مسرعاً لاهثا، وذهب مسرعا إلى سرير أخي وألقى عليه نظرة عميقة وطويلة، فتساقطت الدموع بغزارة من عينيه وهو يحمد الله ويشكره، وراح ينظر من الشرفة إلى مركز المدينة حيث منائر ضريح الإمام الحسين عليه السلام.

كان الطبيب - قبل أن يعود أبي إلينا بنصف ساعة - قد رفع الأنبوب المطاط من أنف وجوف أخي وقال: لم تعد هناك حاجة لهذا الأنبوب.

أما أبي فقد كان غائباً عنا في وقت رفع الأنبوب، فقد أخبرنا بعد عودته بأنه توجَّه إلى الحسين منذ الفجر، وطلب منه أن يخلّص أخي من (الأنبوب) وآلامهِ، وعندما عاد من الإمام.. رأى وجه أخي معافى خاليا من الأنبوب المطاط الذي تسبب له بآلام مبرحّة طيلة الليالي الثقيلة التي مرّت علينا وهو قيد السرير في المستشفى.

الآن أخي بصحة جيدة، وهو أب صالح لخمسة أولاد وبنات، أما أبي فقد رحلَ إلى دار حقّهِ في ضيافة الرحمن، بعد أن تحمّلَ في الدنيا ما تحمّلَ من آلام ومشاعر قاسية، وظروف ضاغطة لا يعلم صعوبتها إلا الله...

هؤلاء هم الآباء، يمنحونكَ كلّ شيء، ثم يرحلون دون أن يطلبوا منك أي شيء، سوى أن تكون إنساناً صالحاً لكي يذكرهم الناس بخير بعد رحيلهم....

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6