يُعاب على بعض المثقفين وقوفهم على قمة التل متفرجين، في وقت تحتدم الساحة بالأحداث الحساسة، ويؤخذ على بعض المثقفين بأنهم نرجسيون متعالون، لذلك غالبا ما يجنّب المثقف من هذا النوع، نفسه مشقة الاختلاط مع الناس حتى لا تتعرض نرجسيته للخدش، وهكذا يكون المثقف متفرّجا أكثر منه فاعلا مؤثرا، تاركاً دوره في توعية الناس وتنويرهم، وهي مخالفة واضحة لمسؤولية المثقفين.

تتضاعف الحاجة لدور المثقف وتغدو أكثر أهمية في اللحظات المحورية، والمراحل الحساسة التي تحمل معها تحولات كبرى، إذ يقول أصحاب الشأن، إن المرحلة الراهنة التي يجتازها العراق، والمنطقة الإقليمية وربما العلم برمته، تعد من المراحل الحرجة في التاريخ البشري، وهذا يسلط الضوء أكثر فأكثر على المثقف والمفكر وتراجعه في أداء مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية تجاه أمته وشعبه.

لو بحثنا بطريقة متخصصة أوضاع العراق اليوم، سوف نتوّصل إلى نتيجة واحدة مفادها، إذا لم نقم بمسؤولياتنا في إطار جمعي لإنقاذ العراق فإننا ذاهبون ألى المجهول، واستنادا إلى المراحل المشابهة التي مرت بها شعوب ومجتمعات أخرى، فإن النتائج التي سوف تتمخض عن هذه المرحلة حاسمة بخصوص الانتماء للتقدم والازدهار أو التردي والاندحار الذي يحدث بسبب تقاعس المثقف عن القيام بدوره في التثقيف الحقوقي المستمر.

لا يكفي للمثقف أن يعلن على استحياء موقفا هنا وآخر هناك، فهذا لا يداوي الجرح العميق، ولن يؤخر أو يقدم، لأن الناس تريد أن تتعلم وتتثقف حقوقيا، حتى يكون بمقدورها الوصول إلى حقوقها، وطالما أن العراقيين يعيشون اليوم أوضاعا متداخلة، ويواجهون أزمات معقدة ومتحدة على تدميرهم، كالأزمة الاقتصادية (أزمة الرواتب)، وأزمة (الانتخابات) وشروطها المعطّلة إلى الآن، والأزمة الأمنية (ضرب الخضراء)، وأزمة كورونا والبطالة.

العراق يغلي فوق بركان الأزمات

هذه كلها تجعل من العراق يغلي فوق بركان، يمكن أن ينفجر في أية لحظة، هذه الأزمات وسواها تُضاعف من دور المثقف الذي يجب أن يُسهم في إرشاد الناس من الخنوع لسلطات القمع، والسعي الحثيث لنقل السلطة إلى الشعب بصورة فعلية، فإن زمنا محوريا كهذا، يتطلب استعدادا موازيا لأزماته، وإذا كانت النخب المجتمعية كلها معنية بهذا التغيير، فإن حصة الثقافة والمثقفين من مسؤولية التغيير تفوق الجميع.

صحيح أن الشرائح والنخب الأخرى لديها مسؤوليتها في تطوير العراق وبناء الدولة، لكن دور المثقف يختلف عن الآخرين من خلال فاعلية المثقف في تحريك موجات الوعي لدى عامة الناس، بسطاء كانوا وغيرهم، من اجل النهوض بسقف المطالب المشروعة، لذا يُنظر الى النخبة المثقفة على أنها المحرّض فكريا ومبدئيا لتمهيد السبيل للشرائح الأخرى كي تؤدي دورها في الإصلاح وبناء الدولة المدنية على أفضل وجه.

لذلك لابد للمثقف أن يعرف ما عليه من خطوات وواجبات تنويرية توازي أهمية المرحلة المحورية الحرجة التي يمر بها العراق، إذ توجد أولويات تتصدر غيرها فيما يتعلق بالمثقف، فهو صاحب أولويات، أو ينبغي أن يكون كذلك، وهذه الأولويات ليست جديدة، لكنها قطعا تتغير من ظرف إلى آخر، لهذا يجب على المثقفين أن يفهموا دورهم جيدا، بعيدا عن الانعزال، أو المشاركة الشكلية الخاملة.

لكن المؤسف حقا أننا حين نستطلع دور النخبة المثقفة حيال ما يحدث بالعراق في هذه المرحلة الحرجة، فإننا في الحقيقة نلاحظ تدنيا في منسوب دور المثقف، وهبوط في سقف مطالبه، وانخفاضا بنسبة تأثيره في المجتمع بسبب الحواجز التي اصطنعها بعض المثقفين بينهم وبين الناس، ما جعل منهم مصدر انتقاد وأحيانا تندّر، وهذا ما لا يليق بالثقافة ودورها الذي يجب أن يكون رياديا، وهو نفس دور الثقافة والمثقفين، في البلدان والشعوب التي انتقلت بجدارة من أنظمة القمع والدكتاتورية، إلى أنظمة متحضّرة ضامنة للحقوق وحامية للحريات.

كيف يكون المثقف مؤثرّاً

أيضا لابد من الإشارة إلى أننا لاحظنا تراجعا في دور المثقف والثقافة، وهذا لا يتسق مع الدور الجوهري الذي ينبغي أن يتصدى له المثقف في هذه المرحلة، وعندما نناقش هذه الجوانب الجوهرية بهذا الوضوح، فإننا لا ننطلق من رؤية فردية أو شخصية مصدرها المزاج، او نقطة انطلاقها لا تقوم على الموضوعية، وإنما نستند في ذلك إلى الواقع وما يجري فيه.

فأين دور المثقف في صياغة قانون الانتخابات (الضامنة لأصوات الناخبين)، وأين دورهم في دعم وضمان الاشتراطات الأخرى للتغيير، فالمثقف كما نظن يبدو أنه لم تعِ دوره المحوري كما يجب، ومن الواضح أن مطالب النخبة المثقفة (إلا ما ندر) لا علاقة له بالوضع المصيري الذي يمر به العراق وهذا يحيلنا إلى سببين، أما المثقف لا يفهم دوره جيدا، وأما يعاني من عجز في التأثير والتغيير، وكلاهما ينتهيان بنا إلى أن هناك خللا في الثقافة يجب أن يُعالَج.

العراقيون في حقيقة الأمر يتطلعون إلى دور أكبر للثقافة والمثقف، فهو العقل المفكر والمثقف الذي يفترَض أنه خبر تجارب العالم النضالية، ولابد أنه اطّلع على الأدوار التاريخية العظيمة لشخصيات مثقفة أنقذت شعوبها، وغيّرت أحوالها، وأسهمت في قلع جذور الفساد والتخلف، ورسّخت منظومات أخلاقية وسلوكية جعلت من تلك الشعوب متقدمة.

العراقيون أيضا يفهمون جيدا بأن ثقافة الفساد والقمع تحتاج إلى ثقافة مناهضة لها، وهذه مسؤولية المثقفين بالدرجة الأولى، وهم ينتظرون من المثقف أن يكرّس وقته وجهده ومواهبه وقلمه كي ينير لهم الدرب، وفي حال نزل المثقف من (برجه العاجي)، وتداخل مع الشعب، ونجح في عملية التأثير والتغيير، حينئذ لا أحد يمكنه ذمّ المثقفين!

في ظروف العراق الحالية، هناك أزمات مستفحلة ربما وصلت إلى قمة تعقيدها ومخاطرها، كما أنها أزمات متنوعة ومتداخلة وهنا تكمن خطورتها، في ظل تضليل إعلامي وانتهاج ثقافة القطيع، لذلك باتت الحاجة لدور المثقف غير قابلة للاستغناء، وبات قضية تحوّل المثقف من متفرج، إلى مساهم في توسيع المشاركة بصنع القرار، أمرا في غاية الأهمية، العراق يحتاج اليوم بشدة إلى مثقف يصنع القرار ولا يقف متفرجا في قمة التل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3