الحقوق المدنية هدفها حفظ قيمة الإنسان، وضمان حياة حرّة كريمة له، وهي معرَّفة في بيانات المنظمات الحقوقية، ومعروفة لمن يمتلك وعيا متميزا يجعله قادرا على معرفة ماهيّة حقوقه، حتى يعرف كيف يدافع عنها ويصونها من السلطة المتعسفة.

فما هو نقيض الحقوق أو عدوّها؟، من المسلّم به أن السلطات المطلقة هي العدو اللدود للحقوق المدنية، والأكثر خطرا حين تُحصر هذه السلطات في شخص واحد عنوانه القائد الأعلى أو الأوحد، لذلك ليس أمام المجتمع الذي يتطلع لحياة أفضل سوى طريق واحد هو معرفة حقوقه وحمايتها.

نحن كعراقيين نحتاج إلى أن نفهم ما هي حقوقنا بالضبط؟، وهذا لن يتحقق إلا من خلال نشر الثقافة الحقوقية، لكن هذا الأمر يتعلٌق بمدى معرفة المواطن بحقوقه المدنية، ومن ثم كيفية حماية هذه الحقوق من الانتهاك السلطوي بأشكاله كافة، فعندما يعرف المواطن حدود الحقوق التي يحق له استخدامها في حياته اليومية، بكل أنشطتها الفكرية والعملية، فإنه بلا شك سوف يستعين بها لتحسين حياته وتطويرها وطبعها بطابع التحضّر وحماية حرية الرأي.

وبعد ذلك سوف يرى الإنسان بعينه ويعيش بنفسه ذلك الفارق بين أن يعرف حقوقه ويحميها وبين أن يجهلها ويفرّط بها!، لكن حين يلمس درجة تحسّن الحياة التي تقترن بممارسة الحقوق الطبيعية المكفولة، عند ذاك سوف يسعى بكل ما يمتلك من وسائل وطاقات لكي يحمي تلك الحقوق من الانتهاك أو التحجيم الذي تسعى إليه السلطة المطلقة.

لابد من معرفة الحقوق المدنية

الخطوة الأولى والأهم أن يعرف العراقيون ماهيّة حقوقهم، بعدئذِ تبدأ معرفة القيمة العظيمة للحقوق المدنية ومدى قدرتها على تغيير حياة الإنسان والمجتمع ككل، لكنّ الكلام عن أهمية حقوق الإنسان كثقافة اجتماعية مستجدة في المجتمع، يحتاج إلى جهد كبير بهدف غرس هذه الثقافة في النسيج المجتمعي، بحيث يتحول إلى نمط حياة لا يجوز التنازل عنه.

الفرد الذي يتعرَّف جيدا على حقوقه، سوف يفهم الطرق التي تقوده إلى دولة قوية مستقرة يمكنها حفظ حقوق الشعب، بوساطة نظام سياسي ديمقراطي نموذجي، يربطه مع الشعب عقد اجتماعي ضامن للحقوق والواجبات، ويمكنه أن يحجّم أية سلطة مطلقة اليدين والصلاحيات، ففي ظل مثل هذه السلطات، يتغوَّل الطغيان، ويتنمّر الحاكم الفرد، وتضيع الدولة وتتلاشى معها كل الحقوق المدنية التي تصون حرية وكرامة الشعب.

الخطوة الأهم في هذا المضمار أن يحصل الفرد وعموم المجتمع على الثقافة الحقوقية، فهي سبيلهم إلى مقارعة الأنظمة السياسية التي تسعى للتلاعب بهم، وتسوّف حقوقهم، كل هذا وسواه يحدث بسبب النقص في معرفة الحقوق، ويؤكد ذلك أحد الكتاب في قوله (إن النقص المعرفي يتطلب تكثيفا للوعي الحقوقي، ونشر هذا الوعي في المؤسسات التربوية ومن خلال المؤسسات القضائية، وتعريف الأفراد بما لهم وما عليهم في مراحل مبكرة من حياتهم، لكي تصبح الثقافة الحقوقية جزءاً من بنائهم المعرفي).

واجبات المنظمات المهتمّة بحقوق الإنسان

إلى هذه الدرجة من الأهمية تصل معرفة الحقوق التي يجب أن تتصدى لها المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان بشكل أوسع، وجعلها متاحة للشرائح الواسعة من المجتمع في امتداد أفقي يشمل مستويات الوعي المتدني وذوي المعرفة الجزئية، ومادام العراق لا يزال كدولة قيد التطوير، ولا زالت تعاني من عقبات كبيرة، خاصة ما يتعلق ببناء مؤسسات الدولة ودرجة استقلاليتها، فإننا في واقع الحال بحاجة ماسة إلى المعرفة الحقوقية كجزء من معرفة كلّية.

هنا يبرز بقوة دور الفرد أيضا، فلا يصحّ أن نلقي بالثقل الأكبر على العوامل المساعدة خارج الإرادة الفردية، فالإنسان المواطن يجب أن يتحمل مسؤوليته في تحصيل ومواصلة التثقيف الحقوقي، وهي مهمة يجب أن يتصدى لها الجميع من دون استثناء، ولو بادر كل فرد بمعرفة حقوقه وزيادة ثقافته الحقوقية، فإننا بالنتيجة سوف نصل إلى شعب مثقف حقوقيا، مدركا لما يصبو إليه، معارضاً لمن يريد أن يستلب حقوقه حتى لو كانت سلطات مطلقة الأيدي والصلاحيات ولا ترتدع بقواعد ديمقراطية ولا يحكمها دستور.

بل حتى لو كان الواقع السياسي محكوما بحاكم فرد أو طاغية، فمن يعرف حقوقه جيدا، سوف يطالب بها، ومع أن العوامل والمؤسسات المساعدة لها دورها في نشر ثقافة الحقوق، إلا أن المسؤولية تبقى تضامنية، على الرغم من أنها قد تكون ميزة فردية، يتمكن من تحصيلها الإنسان بجهده الخاص، إلا أن محصلة النتائج الفردية سوف تؤول إلى كونها ظاهرة مجتمعية تطبع المجتمع كله بخاصية معرفة الحقوق وحمايتها والمطالبة بها.

لذا فإن الفرد المواطن مطالَب وتحت شتى الظروف بالسعي نحو تطوير الجانب المعرفي الذي يضمن له قدرا معقولا من الثقافة الحقوقية التي تؤهله لخوض غمار الصراع مع السلطة إذا كانت لا تعبأ بحقوقه، والنظام السياسي يتهرّب من ضمان هذه الحقوق، وإن ادّعى بالديمقراطية، فالكلمات وحدها لا تكفي والادّعاء وحده لا يضمن النتائج المطلوبة.

لا خيار إذاً أمام المواطن والمجتمع العراقي برمّته، إذا أراد أن يضمن حقوقه، ويكبح السلطة مطلقة اليدين، سوى معرفة تلك الحقوق وسبر أغوارها جيدا، وهذا لا يمكن أن يُنجَز إلا من خلال امتلاك معرفة وثقافة حقوقية متصاعدة متجددة، تلمّ بما يستجدّ في هذا الحقل المتنامي، حتى يكون ذلك مدعاة للمواجهة مع الطغيان والفساد السلطوي الذي لا يحترم حقوق الشعب، ولا يؤمن بقيام دولة ضامنة للحقوق والحريات المدنية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

16