-1-

الصَالَنْصَة [باللام المُفخَّمة] لمن لا يعرفها هي (اسم): العادم في السيّارات. وأصلها من الكلمة الإنكليزية (silencer) "سايلَنْسَر" بمعنى خافض أو كاتم الصوت. وهي عبارة عن أنبوب يمتد من محرك السيارة في المقدمة وينتهي في آخر السيارة لينفث غاز الاحتراق ويكتم الصوت العالي لمحرك السيارة.

يوجد رجل مسن فقير الحال فتح محلَّ لحام عوادم سيارات (صالنصات) هو وأولاده، وأراد أكثر من مرة أن يقفل محلَّه ويهجر هذه المهنة إلى غيرها بسبب قلّة رزقه، لكنني نصحته بالصبر لأنه سبق أن أصلح عادم سيارتي بكفاءة عالية وبأجر مناسب، أما سبب قلة الزبائن فيعود إلى كونه فتح المحلّ حديثاً بالإضافة إلى وجود محلّه في انعطافة حادة بحيث لا يراه أصحاب السيارات العاطلة.

صبرَ هذا الرجل بالفعل رغم قلّة الإقبال عليه، وكان يتقن عمله هو وأولاده بطريقة ممتازة، فبدأت تزداد عليه السيارات العاطلة وأخذ رزقه يتصاعد بسرعة، وقد كان في إصلاحه لعطل سيارتي الأول مخلصا في عمله ومتقناً له وأنجزه على أفضل وجه ورفض استلام أجره من باب المجاملة والتقدير، النقطة المهمة هي إتقانه لعمله من دون تعجّل على حساب الجودة.

بعد شهور زرته مرة أخرى لإصلاح عطل جديد في الصالنصة، فوجدته مشغولا، ورأيتُ عددا من السيارات تقف عند باب محلّه في طابور طويل بانتظار دورها للتصليح، مضى الكثير من الوقت وهو وأولاده مشغولين بعوادم السيارات الأخرى، فقررت الذهاب وتأجيل مهمّتي إلى وقت آخر لكنه هرع إليَّ وأمسك بي وأصرّ على تصليح سيارتي.

في وقت ليس بطويل انتهى من عملية التصليح، فاستغربتُ حقا، لدرجة أنني شعرت بأنه يريد أن يتخلص مني بأية صورة، فراودني الشك بعدم جودة التصليح، صحيح تمّ كتم صوت عادم السيارة لكن سرعة انجازهِ للعمل أقلقتني حقاً، ومن دون قصد وقع نظري على جيبهِ الجانبي فرأيته محشوّا بالدنانير والعملات النقدية الكبيرة، حاولتُ أن لا أسيء الظن بالرجل، ركبتُ سيارتي وغادرت محل التصليح لكن القلق من عدم الإتقان بقي يلازمني.

لم يمر أكثر من يوم ليعود عطل عادم سيارتي إلى ما كان عليه، فأيقنت أن الرجل المسن لم يعد متقناً لعمله كما كان في البداية، والسبب كثرة السيارات التي أخذت تتكالب على محله بسبب السمعة الجيدة التي كسبها في البداية، وكثرة الأموال التي راح يحصدها هو وأولاده، لكن في المقابل فقد هذا الرجل أهم شرط من شروط العمل وهو (الإتقان)، فحتى يحصل على أموال أكثر تحوّل عمله من الإتقان إلى البهتان والضحك على الذقون، مما جعلني أكرّر تحذيري له مرارا وأنهُ سوف يفقد رزقه هو وأولاده، وهذا ما حصل بالفعل، إذ بعد أسابيع هجره الجميع إلا ما ندر فأغلق محلّه بسبب الجشع والنزعة المادية التي استبدَّتْ به.

-2-

حين أصيب الجهاز الهضمي لأحد أصدقائي المخلصين، بحثتُ له عن طبيب مشهور، وبعد أسئلة واستفسارات وتقصٍّ، عثرت على هذا النوع من الأطباء عبر أحد معارفي، اتصلنا بالعيادة وحجزتُ لصديقي عند الطبيب المشهور، وحين ذهبنا إلى العيادة عصرا، وجدنا عيادة هذا الطبيب المشهور شبه خالية، فراودني الشك بشهرتهِ، إذ كيف يكون مشهورا ومعروفا لأهل المدينة وعيادته فارغة إلّا من بعض المرضى لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، في حين كانت العيادة المجاورة له تغص بالمرضى وبنفس الاختصاص.

تريّثتُ قليلا وطلبت من صديقي المريض أن يصبر قليلا ريثما أدقّق في أمر الطبيب المشهور، وسبب قلة مراجعيه، في العيادة المجاورة التي كانت تغصّ بالمراجعين، رأيت أحد الأشخاص أثق به، وبعد تبادل السلام قلتُ له بشكل عارض:

- هل يمكن أسألك سؤالا واحداً؟

قال:

- نعم تفضل.

وبعد أن أبديتُ استغرابي له سألتهُ:

- لماذا هذه العيادة تغصّ بالمراجعين وتلك العيادة (وأشرتُ على عيادة الطبيب المشهور الذي قصدناه) فارغة من المراجعين؟

أجابني بصوت خفيض:

- هذه قصة طويلة، لكن أختصرها لك بأن ذلك الطبيب المشهور الذي تقول عنه مشهورا، فقد سمعته لأنه فقد إتقانه لمعالجة مرضاه....

فسألته:

- كيف فقد شهرته؟

أجاب:

- يُقال بعد أن توسعت شهرته وشاعت سمعته، وتضاعف مراجعوه كثيرا، قام الطبيب بطريقة الفحص الجماعي عبر إدخال مجاميع من المرضى لغرفته ليفحصهم جميعا في دقائق، ولم يكتفِ بذلك بل رفع أجور الفحص أكثر من مرة، ويوم بعد آخر فقد جودة الكشف عن الأمراض، وفشل في إتقان عمله، فهجرهُ الناس إلى أطباء أكثر كفاءة ورحمة، وهكذا تراه الآن وحيدا إلا من بعض المرضى الذين لا يعرفون بجشعهِ.

الخلاصة... صاحب محل عوادم السيارات والطبيب المشهور صورتان لحالة واحدة، هي الكسب السريع والجشع وغلبة المادة على الرحمة والإنسانية، وبالتالي فقدان جودة العمل والإتقان، ومن ثم فقدان كل شيء، لاسيما الرزق، وما أصعب أن يخسر الإنسان نفسهُ ورزقه في وقت واحد؟!!

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

17